الهند تهدد باكستان بسلاح المياه

يتزايد التوتر بين الجارتين النوويتين، الهند وباكستان، على خلفية التفجير الانتحاري الذي أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصاً من قوات الأمن الهندية في الشطر الهندي من إقليم كشمير في 14 شباط/ فبراير الجاري.

نهر السند (إندوس) الذي يتدفق من  الهند إلى باكستان
نهر السند (إندوس) الذي يتدفق من الهند إلى باكستان

أنذرت الهند الخميس بأنها ستخفض كميات المياه التي تتدفق عبر أنهارها الى باكستان. وعلى الرغم من كون هذا التهديد قد أعلنته نيودلهي من قبل، لكن يبدو أنها الآن أكثر تصميماً على تنفيذه بعد الهجوم الانتحاري الذي استهدف جنودها في كشمير والذي ألقت باللوم فيه على إسلام أباد.

وقال وزير النقل الهندي نيتين غادكاري، في رسالة على تويتر: "حكومتنا. قررت وقف حصتنا من المياه التي كانت تتدفق إلى باكستان. سنقوم بتحويل المياه من الأنهار الشرقية ونوفرها لشعبنا في جامو وكشمير والبنجاب".

ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن بعض المحللين قولهم إن هذا هو أقوى تهديد توجّهه الهند لباكستان بعد الهجوم الانتحاري في منطقة كشمير المتنازع عليها.

وأشار مراسل الصحيفة جيفري غيتلمان إلى أن حرب المياه هذه قد تكون كارثية لمئات الملايين من الناس في الهند وباكستان الذين يعتمدون على مياه نهر السند (إندوس). لكن هذا التهديد الأخير لم يكن مصحوباً بتفاصيل حول متى وكيف يمكن للهند أن تعمل على تحويل المزيد من المياه من باكستان في اتجاه مجرى النهر أو مدى ضخامة هذه التحويلات في الواقع.

وبموجب معاهدة توصل إليها البلدان منذ عقود، بوساطة البنك الدولي، تحكم استخدام نهر السند (إندوس) وروافده، لا تزال باكستان تسيطر على معظم المياه والهند لم تتحدَ ذلك.

ولا شك أن الهند تسعى جاهدة للعثور على طريقة لمعاقبة باكستان على الهجوم الذي وقع الأسبوع الماضي، ونفذّه شاب انتحاري نشأ في الجزء الذي تسيطر عليه الهند من كشمير. إذ صدم بسيارة مليئة بالمتفجرات قافلة هندية، فمزق حافلة مليئة بالقوات شبه العسكرية.

وقد أعلنت جماعة "جيش محمد"، وهي جماعة متشددة تتهم بأن لها صلات بباكستان، مسؤوليتها عن الهجوم، واتهمت الهند باكستان بمساعدة المفجر في إنجاز مهمته الدموية.

ومنذ عقود، تخوض باكستان والهند نزاعاً عنيفاً حول كشمير، وهي منطقة جبلية يدعي كلا البلدين سيادته عليها.

ونقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولي استخبارات غربيين قولهم إن الأجهزة الأمنية الباكستانية تسمح للمقاتلين المعادين للهند بالعمل في باكستان وإن بعض هذه الجماعات المسلحة توفر للمقاتلين الدعم المادي والخبرة، مثل كيفية صنع القنابل، في الجزء الذي تسيطر عليه الهند من كشمير. وأوضح هؤلاء المسؤولون الاستخباراتيون أن باكستان لم تعد تدير معسكرات تدريب كبيرة كما كان الحال في تسعينيات القرن العشرين وأوائل الألفية الجديدة.

ومنذ وقوع الهجوم في كشمير، تتبادل الهند وباكستان انتقادات لاذعة وتهديدات وإهانات، وحاولت كل دولة منها أن تجذب البلدان الأخرى إلى جانبها. وإذ تعمل الهند على عزل باكستان، إلا أن الأخيرة لديها أصدقاء أقوياء في الصين والسعودية، وكلاهما من كبار المستثمرين.

وترى الصحيفة أنه على الرغم من أن هذا الهجوم الأخير قد ضرب على العصب في الهند، حيث العديد من الناس متعطشون للانتقام، إلا أن الهند لا تملك سوى القليل من الخيارات العسكرية الجيدة. فكل من الهند وباكستان يملك ترسانات نووية والآلاف من القوات على الحدود. حتى أن أكثر أعضاء النخبة العسكرية الهندية حذرون من تصاعد التوترات.

لذا بحثت الحكومة الهندية عن طرق أخرى للرد على الهجوم، وهي تريد أن تظهر أمام بعض منتقديها، وكأنها تضرب انتقاماً، فلجأت إلى التهديد بتحويل مجرى نهر السند عن باكستان.

وهذه ليست المرة الأولى التي تهدد فيها نيودلهي بخفض إمدادات المياه إلى باكستان. ففي عام 2016، بعد أن هاجم متشددون قاعدة للجيش الهندي بالقرب من بلدة أوري، قال رئيس الوزراء نارندرا مودي إن "الدم والماء لا يمكن أن يتدفقا معاً"، وهددت حكومته بأن تفعل الشيء نفسه. وبدلاً من ذلك، نظم الجيش الهندي ما وصفه بضربات جراحية ضد أهداف عبر الحدود في باكستان.

وترى الصحيفة الأميركية أن الهند تبدو هذه المرة أكثر جدية حول استخدام المياه كعقوبة. فمعاهدة مياه نهر السند (إندوس) قد قسّمت الحقوق في نهر السند الهائل وروافده التي تنتشر في جميع أنحاء شبه القارة الهندية بين الهند وباكستان اللتين تعتمدان بشدة على تدفق المياه من أجل الطاقة المائية والزراعة.

وبعد تهديد الوزير الهندي غادكاري بخفض تدفق المياه من الروافد الشرقية لنهر السند إلى باكستان، ذكرت وسائل الإعلام الهندية أن المسؤولين في الوزارة نفسها أوضحوا أن هذه كانت سياسة طويلة الأمد.

وحتى قبل الهجوم الأخير، قال المسؤولون الهنود إن المياه المخصصة للهند بموجب المعاهدة كانت تتدفق إلى باكستان وأنها تخطط لاستخدام تلك التدفقات في مشاريع ومزارع جديدة للطاقة الكهرومائية.

ونقلت "نيويورك تايمز" عن براهما تشيلاني، الأستاذ في مركز أبحاث السياسات في نيودلهي وخبير في معاهدة المياه بين الهند وباكستان، قوله إن الهند ناضلت لسنوات لاستغلال المياه من الأنهار التي تسيطر عليها. وقال تشيلاني: "بيان الحكومة الهندية هذا هو محاولة من جانبها للإظهار للبلاد أن الحكومة تفعل شيئاً، عندما لم يفعلوا شيئاً من الناحية الفعلية. هذا أكثر من بيان بلاغي يستخدم للعب على المشاعر المعادية لباكستان".

ولم ترد باكستان بعد على التهديد الهندي بتحويل مياه النهر عنها. لكن باكستان نفت مجدداً الخميس أي دور لها في التفجير الانتحاري، قائلة إنها "ليست متورطة بأي طريقة أو وسيلة أو شكل في الحادث المذكور".

وأضاف البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء عمران خان ، "تحتاج الهند أيضاً إلى الاستخلاص العميق" من أجل "معرفة سبب أن الأشخاص في IOK، وهو مختصر يعني "كشمير المحتلة من قبل الهند"، قد فقدوا الخوف من الموت".

وكان البيان الباكستاني يشير إلى جحافل من الشباب من القرى في أنحاء كشمير التي تسيطر عليها الهند الذين انضموا إلى المسلحين أو شاركوا في تظاهرات خطرة في الشوارع للاحتجاج على السيطرة الهندية. وكثيراً ما يكون الرد على مثل هذه التظاهرات قاسياً من قبل قوات الأمن الهندية التي تطلق نيران الأسلحة النارية والذخيرة الحية على الحشود.

ونقلت "نيويورك تايمز" عن عارف رفيق، المحلل السياسي في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، قوله إن تهديدات الهند كانت مدفوعة بالانتخابات الوطنية المتوقعة في الأشهر المقبلة. وأوضح أن حكومة مودي تحتاج إلى أن تبدو صارمة، وهي تشير إلى أنها "تستطيع أن تستفيد من موقعها العلوي على النهر من أجل إجبار باكستان" على الرضوخ لمطالبها. وأضاف رفيق: "على الرغم من أنني لا أرى أي تهديد وشيك لباكستان، لكن قد نحصل على لمحة عن مستقبل النزاع في جنوب آسيا. فالمنطقة تعاني من شح المياه، وقد تبرز المياه كسلاح للحرب".

لا شك أن تصاعد الخلاف الهندي – الباكستاني ينذر بمخاطر حرب بين خصمين نوويين يتفادان الحرب بسبب خوفهما من الانزلاق إلى حرب نووية تودي بمئات ملايين القتلى من الجانبين ومن الدول المجاورة، لكن عدم حل النزاع بشأن إقليم كشمير الذي يطالب سكانه بالانفصال عن الهند وتدعي كل من الهند وباكستان السيادة عليه، سيجعل المنطقة عرضة للتوترات والاشتباكات كل فترة. ويخشى بعض الخبراء أن تنزلق الدولتان إلى حرب تضطرهما إلى استخدام الأسلحة النووية نتيجة سوء التقدير.

من هنا جاءت دعوة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الأمم المتحدة لإجراء وساطة لنزع فتيل الأزمة المتصاعدة بين البلدين. وقد استجاب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وعرض وساطة أممية، معبراً عن قلقه من التوترات المتزايدة بين البلدين الجارين، مطالباً بضبط النفس واتخاذ خطوات فورية لنزع فتيل التوتر.

وقال خان إن باكستان مستعدة لتسلم أي معلومات استخبارية تقدمها نيودلهي، متعهداً بالتحرك داخل بلاده بناء على هذه المعلومات. كما عرض على الهند خوض حوار ثنائي مباشر لحل قضية كشمير من دون أي شروط مسبقة، مشيراً إلى أن إسلام آباد سترد إذا نفذت نيودلهي أي هجمات بعد اعتداء كشمير. لكن نيودلهي رفضت العرض الباكستاني.