"جيروزاليم بوست": الاقتراب من مفترق طرق في الشرق الأوسط

السبب في كون النظريات حول رحلات سرية لمسؤولين إسرائيليين كبار إلى الرياض لا يمكن نفيها بسهولة اليوم، هو ضعف وجود الولايات المتحدة في المنطقة.

  • وزيرة إسرائيلية تزور مسجد الشيخ زايد في أبوظبي

جيروزاليم بوست – كتب هيرب كاينون مقالة في صحيفة "جيروزاليم بوست" تناول فيها العلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج العربية وكشف فيها عن احتمال قيام زيارات سرية لمسؤولين إسرائيليين إلى السعودية. والآتي ترجمة نص المقالة:

 

يبدو وكأنه شيء من رواية جاسوسية. طائرة أعمال خاصة من نوع "تشالنجر 604" أقلعت من مطار بن غوريون الى عمان الثلاثاء ليلاً. الطائرة مكثت على المدرج هناك لمدة تقل عن خمس دقائق، قبل أن تقلع إلى الرياض.

بعد ما يقرب من 45 دقيقة، الطائرة - التي تُظهر سجلات طيرانها أنها قامت بالعديد من الرحلات ذهاباً وإياباً في الأشهر الأخيرة بين تل أبيب والقاهرة - عادت إلى "إسرائيل" (فلسطين المحتلة).

مراسل "هآرتس" آفي شارف كان أول من أفاد عن هذه الرحلة في تغريدة في صباح يوم الأربعاء. كما أشار إلى أن وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر كان أيضاً في الرياض في الوقت نفسه.

مراسل صحيفة "معاريف" للشؤون الاستخبارية، يوسي ميلمان، تلقّف الموضوع، متكهناً أنه ربما رئيس الموساد، يوسي كوهِن، أو حتى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو نفسه، كان على متن الطائرة.

في الأيام السالفة، هذا النوع من التكهنات، كالوارد أعلاه، يتم نفيه، شيء من نظريات المؤامرة. لكن اليوم؟ اليوم هذه الأنواع من النظريات تبدو فجأة أكثر قبولاً. لماذا؟

أولا، بسبب كل هذا النشاط الذي يجري علناً في الأشهر الأخيرة بين "إسرائيل" ودول الخليج الفارسي. ومداره بين البحرين ومشاركة راكبي دراجات من الإمارات العربية المتحدة في سباق  "جيرو دياتاليا" Giro d’Italia  في "إسرائيل"؛ زيارة نتنياهو العلنية لسلطنة عمان في تشرين أول / أكتوبر الماضي(2018)؛ زيارة وزير الثقافة والرياضة ميري ريغِف إلى مسجد الشيخ زايد الكبير في أبو ظبي في الشهر نفسه، عندما كانت في الإمارات لمشاهدة فريق الجودو الإسرائيلي وهو ينافس تحت علم "إسرائيل" في البطولة الدولية هناك.

هذه الأنواع من اللفتات كثيرة، وشملت إحداها في هذا الأسبوع - مشاركة دانا بنفنستي-غباي، رئيسة قسم مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية - في مؤتمر البحر والطيران لمدة يومين في البحرين وتناول التعامل مع التهديدات الإيرانية في الخليج العربي.

جميع هذه الأنشطة فوق الطاولة تنمّ عن قدرٍ أكبر يجري تحت الطاولة أيضاً، ونتنياهو ألمح إليها باستمرار. انها مثل مباراة كرة الماء - جميع المراقبين يرون ما يحدث فوق سطح الماء، بينما سيقان قوية تتحرك وتركل تحت الماء، مما يجعل ما يحدث فوق السطح ممكناً.

السبب الثاني في كون النظريات حول رحلات سرية لمسؤولين رسميين إسرائيليين كبار إلى الرياض لا يمكن نفيها بسهولة اليوم، هو ضعف وجود الولايات المتحدة في المنطقة.

وقال لروعي يلينك (ROIE Yellinek)، وهو باحث دكتوراه من المتخصصين بالصين والخليج والمملكة العربية السعودية في مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية، وباحث غير مقيم في معهد واشنطن للشرق الأوسط: "وضعٌ تترك/تتخلّى فيه الولايات المتحدة عن المسرح السوري، وردّها الهزيل على الهجوم على المنشآت النفطية السعودية، يؤشّر لدول الخليج الفارسي بأن عليها إنشاء تحالفات إقليمية جديدة وأقوى، وأنه ليس من الممكن بعد الآن أن تعتمد فقط على الولايات المتحدة".

في هذا السياق – الحاجة إلى تعزيز التعاون الأمني فوراً على ضوء التطورات الإقليمية الدراماتيكية - زيارة سرية يقوم بها نتنياهو أو كوهِن إلى السعودية لا تبدو بعيدة المنال مثلما كانت تبدو عليه قبل بضعة أشهر.

في حين أن الكثيرين قد فسّروا التقارب التدريجي بين "إسرائيل" ودول الخليج في السنوات الأخيرة، على أنه شيء استوحاه الطرفان من الولايات المتحدة، الأرجح أن الخطوات الحالية تنبع من الشعور بأن الولايات المتحدة ليست شريكة موثوقة مثلما كانت ذات مرة.

على مدى السنوات القليلة الماضية، قرارات مثل الضوء الأخضر السعودي لفتح المجال الجوي لرحلات جوية مباشرة بين تل أبيب ونيودلهي، والتعليقات الإيجابية من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تجاه "إسرائيل"، والانفتاح في دولة الإمارات العربية المتحدة لاستضافة وفود إسرائيلية مختلفة، اعتُبرت أنها إما ناتجة عن طلبات من قبل الولايات المتحدة، أو محاولات من قبل دول الخليج لمحاباة إدارة ترامب.

الإدارة – التي تواصل العمل على خطة السلام في الشرق الأوسط - أرادت أن ترى دول الخليج تُبدي انفتاحاً تجاه "إسرائيل". ودول الخليج، المعنية بضمان تحالف قوي مع واشنطن، أقوى من الذي كان مع الإدارة السابقة - كانت بدورها على استعداد للقيام بخطوات مع/تجاه "إسرائيل".

لكن الآن، المعادلة قد تكون تتغير، مع رغبة دول الخليج في التعامل مع القدس ليس بسبب طلبات الولايات المتحدة، بل لأنها قلقة بشأن موثوقية الولايات المتحدة، وتشعر بالحاجة إلى تعزيز تحالفات مع آخرين.

يلينك، على سبيل المثال، لا يعتقد أن دعوة "إسرائيل" لحضور مؤتمر البحرين كانت نتيجة ضغوطٍ أميركية. وهو يقول إن مشاركة ممثلة وزارة الخارجية هناك "تقوم على الاعتراف والتفاهم من كلا الجانبين - وعلى رأسهما الجانب العربي - بأن هذا ليس الوقت المناسب لخلاف بين الجانبين، ولكن بدلاً من ذلك، شبك الأيدي" ضد التهديد الإيراني.

ومع ذلك، قال: "مبادرات مستقلة تجاه إسرائيل مبنية الآن على الزخم في العلاقات التي تطورت على مر السنين من رئاسة ترامب. الأجواء في ظل ترامب وقربه من نتنياهو ساهم في وضعٍ تعمل فيه دول مجلس التعاون الخليجي مع القيادة الإسرائيلية عن كثب - باستثناء قطر، المعزولة".

لكنه أشار إلى ان هذا ليس نتيجة تغلغل قبول القادة الإسرائيليين الى الشعب: "هذا لا يعني أن الشعوب في تلك البلدان تحبّنا أو تقبل وجودنا، لكن عدم وجود الديمقراطية في هذه البلدان يُغني عن الحاجة إلى موافقة الشعب في كل خطوة تتخذها القيادة".

في الواقع، الصورة التي نُشرت عن بنفنستي-غباي وهي تجلس في المؤتمر في المنامة، خلف لوحة كُتب عليها "إسرائيل" باللغتين العربية والإنكليزية، تحت شعار البحرين، أثارت بعض الردود الحادة للغاية ليس فقط من إيران، بل أيضا من بعض البحرينيين أنفسهم.

على سبيل المثال، جماعة اسمها "الجمعية البحرينية لمناهضة التطبيع مع العدو الصهيوني" نشرت صورة بنفنستي في المؤتمر على حسابها على تويتر، وكتبت أن الشعب البحريني من جميع المشارب يرى هذه الصورة بأنها "طعنة سكين"، ونشعر بحزن من "تدنيس" بلدنا "بأقدام الصهاينة".

من الواضح أن قادة البحرين، فضلاً عن قادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والأردن الذين شاركوا أيضاً في المؤتمر، كانوا على علم بأن مشاركة "إسرائيل" من شأنها إثارة المشاعر محلياً. ومن الواضح أيضاً، بالنظر إلى نطاق التهديد الإيراني وفهمهم للخطوات الأميركية الأخيرة في المنطقة، هذا لا يهمّهم فعلاً في هذه المرحلة.

 

ترجمة: الميادين نت

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً