نتنياهو يتبع مصير ريتشارد نيكسون

هناك عدد غير قليل من خطوط التشابه بين ريتشارد نيكسون وبين بنيامين نتنياهو، سواء لجهة غريزة الحكم لدى كل منهما أو لجهة الحاجة للبقاء بكل ثمن. فنتنياهو كان قد تنافس عام 1993 على منصب رئيس حزب الليكود عندما انفجرت قضية "الفيديو الساخن".

  • نتنياهو يتبع مصير ريتشارد نيكسون

الجنرال دوايت أيزنهاور، المرشح الجمهوري للانتخابات عام 1952، عين ريتشارد نيكسون كمرشح ليكون نائباً له في حال انتخابه. وكان نيكسون الذي بلغ 38 عاماً من العمر قد امتاز، حتى ذلك الوقت، بمطاردة الشيوعيين الأمريكيين واُعتبر نجماً صاعداً كأحد سيناتورات كاليفورنيا. وعشية المصادقة على ترشيحه نشرت الـ "نيويورك بوست" خبراً قالت فيه إنه قد استخدم أموال الحملة الانتخابية لحاجات شخصية. وطلب أيزنهاور من نيكسون الظهور في التلفزيون وإقناع الجمهور بأنه لم يرتكب أية جنحة.

وبالفعل قدم، نيكسون توضيحاته، التي تضمنت جملة هامة أدت إلى تقوية تأييد رئيس حزبه له بشكل كبير وهي: "أنتم تتساءلون إذا ما كنت سأستمر في المنافسة أو أنني سأستقيل. وأنا أقول لكم ما يلي: "أنا لن استسلم. فأنا لست بالشخص الذي يستسلم. سأواصل المعركة في كل أنحاء أمريكا لأنني أحب بلدي وهو في خطر". فرد أيزنهاور عليه فوراً: "أنا مقاتل، وأنا أحب الشجاعة. وقد رأيت هذا المساء نموذجاً للشجاعة".
وعمل نيكسون نائباً للرئيس لمدة ثماني سنوات وأثبت لاحقاً أيضاً، طيلة مساره السياسي، أن الإصرار والمثابرة هما عاملان حيويان في قدرة السياسي من أجل الوصول إلى قمة الهرم. وليس من الواضح إذا ما كانت هذه الميزة الشخصية مكتسبة أو أنها في المورثات. ومهما يكن من أمر فإن السياسيين يواجهون صعوبة في البقاء بدونها.

في عام 1960 تنافس نيكسون على منصب الرئيس ضد المرشح الديمقراطي جون كيندي. وخسر المنافسة بفارق 100 ألف صوت، وكان يبدو أن طريقه للرئاسة قد أُغلق نهائياً. ولم تكن هناك سابقة في التاريخ الأمريكي أن يُقْدِم مرشح سبق وأن هُزم في الانتخابات على التنافس مرة أخرى على المنصب.

وقرر نيكسون، المصِّر على العودة إلى السياسة، أن يتنافس في عام 1962 على منصب حاكم كاليفورنيا، وخسر هذه المعركة أيضاً. وظهر بعد ذلك في مؤتمر صحفي أعلن فيه عملياً تركه للعمل السياسي حيث قال: "لن تتمكنوا بعد الآن من ركل نيكسون لأن هذا هو آخر مؤتمر صحافي لي".

ولكن، وكما سبق القول، هو كان "شخصاً لا يعرف الاستسلام"، وكانت رغبته في أن يكون في الحكم أقوى منه. وفي عام 1968 عاد ليتنافس من جديد، ممثلاً للحزب الجمهوري، وفاز بمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 1972 اُنتخب مرة أخرى بأغلبية ساحقة. ولكن، عند ذلك، انفجرت قضية "ووتر غيت". حيث اعتقلت الشرطة مجموعة من الأشخاص وهم يحاولون زرع أجهزة تنصت في مقر الحزب الديمقراطي الذي كان موجوداً في منطقة "ووتر غيت". وكشف صحافيون من الـ "واشنطن بوست" أن هذه العملية كانت بمبادرة من مستشاري الرئيس. وقام نيكسون بإقالتهم ونفى وجود أية صلة له بالقضية. إلا أن مستشاره القانوني تحول إلى شاهد دولة ضده، وقال في جلسة استماع في الكونغرس إن الرئيس أعطى الأمر بذلك.

وواصل نيكسون الإدعاء، خلال ظهوره أمام وسائل الإعلام، بأنه لم يكن شريكاً في هذه المؤامرة، وقال جملته الشهيرة: "أنا لست بلطجياً". لكنه وافق أخيراً على الاستقالة، وقام نائب الرئيس جيرالد فورد، الذي حل مكانه، بالعفو عنه ولم يمثُل أمام القضاء.

وفي الحقيقة هناك عدد غير قليل من خطوط التشابه بين ريتشارد نيكسون وبين بنيامين نتنياهو، سواء لجهة غريزة الحكم لدى كل منهما أو لجهة الحاجة للبقاء بكل ثمن. فنتنياهو كان قد تنافس عام 1993 على منصب رئيس حزب الليكود عندما انفجرت قضية "الفيديو الساخن". إذ اتصل شخص مجهول بزوجته سارة وطلب أن يتراجع نتنياهو عن ترشيح نفسه وإلا فإنه سيقوم بنشر فيديو يتضمن دليلاً على وجود علاقات له مع امرأة أخرى. وقد ظهر نتنياهو في التلفزيون واعترف بفعلته لكنه ادعى بوجود محاولة للابتزاز يقوم بهام مسؤول كبير في الليكود. ولو كان أشخاص آخرون بدلاً عنه لتراجعوا، لكن نتنياهو لم يتنازل وقال: إنه أخرج الموضوع من جدول الأعمال، واُنتخب رئيساً لحزب الليكود، وفي عام 1996 لمنصب رئيس الحكومة.

وفي عام 1999 تعرض نتنياهو إلى ضربة أخرى قاسية وذلك عندما خسر الانتخابات أمام ايهود باراك، واستقال من منصب رئيس حزب الليكود. وبدا في المؤتمر الصحافي كمن يترك العمل السياسي بشكل نهائي حيث قال: "سارة تعالي، إننا ذاهبون إلى البيت". ولكن بعد عدة أيام من ذلك عقد اجتماعاً مع مجموعة من مقربيه وزف إليهم البشرى قائلاً: "يجب أن نبدأ التفكير كيف نعود إلى السلطة. يجب أن نبدأ العمل على هذا".

لقد كانت رغبة نتنياهو في العودة إلى السلطة أقوى منه، وكان مستعداً لتحمل العديد من السقطات خلال طريقه من أجل ذلك. وبعد مرور بعض الوقت عاد إلى الليكود تحت إمرة أريئيل شارون (وخسر الانتخابات التمهيدية في الحزب ضده عام 2002) ووافق في مرحلة معينة على العمل كوزير للمالية في حكومته، وكان المبدأ هو ألا يسقط عن الدولاب. وفي عام 2006 تنافس في الانتخابات بوصفه رئيساً لليكود وخسر أمام رئيس حزب كاديما ايهود اولمرت الذي عُيّن رئيساً للحكومة، في الوقت الذي تدهور فيه وضع حزب الليكود إلى مستوى غير مسبوق حيث حصل على 12 مقعداً. ولكن، وكما سبق القول، فإن نتنياهو شخص لا يعرف الاستسلام.

وفي عام 2009 دخل المنافسة في الانتخابات مرة أخرى ونجح في إقامة الائتلاف الحكومي على الرغم من حقيقة أنه حصل على مقعد واحد أقل من تسيبي ليفني، وأبحر من هناك باتجاه فوزين متتاليين في 2013 و 2015. وفي الجولتين الانتخابيتين اللتين جرتا عام 2019 لم ينجح (إلى الآن) في تشكيل الحكومة، في الوقت الذي لا يزال فيه قرار المستشار القضائي للحكومة بتقديمه للمحاكمة في ثلاث قضايا بانتظار جلسة الاستماع.

ومثلما هو حال نيكسون في قضية "ووتر غيت" فإن نتنياهو ينفي التهم الموجهة إليه في هذه القضايا ويواصل التشبث بقوة بقرني منصبه. فهل يعتقد أنه سينجح في الإفلات من لوائح الاتهام التي من المقرر أن يتخذ المستشار القضائي للحكومة قراره فيها هذا الأسبوع؟ أم يا ترى أن تمسكه الشديد بالمنصب، مثلما كان حال نيكسون، يهدف إلى التوصل إلى صفقة قضائية أفضل تخلص البلد من الأزمة السياسة الصعبة التي دخل فيها؟

من الصعب معرفة ذلك، إلا أن نتنياهو يستطيع أن يستمد التشجيع من مصير نيكسون بعد استقالته. فهو قد أصبح محللاً سياسياً بارزاً في الولايات المتحدة الأمريكية وسياسياً حظي بالتقدير، والذي التقى الكثير من زعماء الدول في مختلف أنحاء العالم. وهو قد اختير في الثمانينيات، في استطلاع أجراه معهد "غالوب" في الولايات المتحدة الأمريكية، كـ "واحد من الأشخاص العشرة المحبوبين في العالم".

ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً