الإضراب وزيارة ترامب

في اللحظة التي ينتهي فيها الإضراب عن الطعام، عن طريق أي اتفاق كان، فإنه هو (الإضراب) ومروان البرغوثي سيختفيان تدريجياً من الوعي الفلسطيني العام، وسيتوقفان عن تعريض الهدوء الأمني السائد في الضفة (الغربية) للخطر. ويُحظر على إسرائيل التدخل في صراعات القوى الداخلية في القيادة الفلسطينية، خاصة وأن محمود عباس يُعتبر للكثير من الأسباب "حصاناً ميتاً" في قيادة حركة فتح وفي الرأي العام الفلسطيني. وعلى القيادة الإسرائيلية أن تبدأ بالاعتياد على فكرة أنه ستكون هناك قريباً قيادة جديدة للسطلة الفلسطينية.

يصر السجناء المضربون عن الطعام على أن الاتصالات يجب أن تتم مع زعيم الإضراب مروان البرغوثي
يصر السجناء المضربون عن الطعام على أن الاتصالات يجب أن تتم مع زعيم الإضراب مروان البرغوثي

يدخل الإضراب عن الطعام الذي يقوم به السجناء الأمنيون شهره الثاني. وحسب قيادة إضراب السجناء الأمنيين فإنه لا توجد هناك اتصالات بين مصلحة السجون الإسرائيلية (شباس) وبين القيادة، إذ يصر السجناء الأمنيون المضربون عن الطعام على أن الاتصالات يجب أن تتم مع زعيم الإضراب مروان البرغوثي، إلا أن مصلحة السجون ترفض ذلك وتحاول الالتفاف عليه.

 زعيم "الجبهة الديمقراطية"، أحمد سعدات، مخطط عملية قتل الوزير رحبعام زئيفي (غاندي)، انضم هو الآخر للإضراب، ونقل عنه محاميه أن مصلحة السجون حاولت أن تجري اتصالات معه لإنهاء الإضراب إلا أنه رفض ذلك لأن الحديث يدور عن محاولة لتطبيق سياسة "فرق تسد"، ومحاولة لدق إسفين إسرائيلي بين قيادة السجناء المضربين عن الطعام. 
وأضاف سعادات إنه قد رفض طلب مصلحة السجون بأن يشاهد شريط الفيديو الذي يظهر فيه مروان البرغوثي وهو يكسر الإضراب عن الطعام ويأكل في زنزانته.

وتقوم رؤية مروان برغوثي في إدارة الإضراب على أنه سينجح لا محالة. وهو قد قال لمقربيه قبل الإضراب إن "الحديث يدور عن معركة لا يمكن الخسارة فيها"، وإن "إسرائيل ستضطر في نهاية المطاف للتنازل والاستجابة، على الأقل، لقسم من مطالب السجناء الأمنيين".

وبنى البرغوثي موقفه على عنصري الصبر والزمن، فكلما تواصل الإضراب عن الطعام وتدهور الوضع الصحي للسجناء الأمنيين كلما ازداد التعاطف الجماهيري في المناطق (الفلسطينية) معهم، إذ يكفي أن يواجه سجين واحد خطراً جدياً، أو أن يموت في السجن، حتى تثور الأرض. ولذلك، ووفق هذه الوتيرة، من المقبول الافتراض أن إضراب السجناء الأمنيين سيتواصل أيضاً خلال زيارة ترامب إلى إسرائيل وإلى مناطق السلطة الفلسطينية في الثالث والعشرين من الشهر الجاري.

ووفق جهات في "حركة فتح" فإن مروان البرغوثي سيحاول، عن طريق مؤيديه، تحريك الشارع الفلسطيني في فعاليات احتجاجية خلال زيارة الرئيس ترامب، وستكون هذه فرصة ممتازة بالنسبة له لاحتلال العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام العالمية التي ستصل إلى المناطق من أجل تغطية زيارة الرئيس الأميركي. 

وفي هذه الأثناء فإن البرغوثي حقق إنجازاً لا يمكن تجاهله وهو أنه قد نجح، عن طريق الإضراب عن الطعام، في إعادة تموضعه من جديد، من الناحية الإعلامية وفي الرأي العام الفلسطيني، كزعيم ميداني يخوض النضال من وراء جدران السجن من أجل حقوق السجناء الأمنيين، وبالإضافة إلى ذلك أيضاً من أجل العودة لشغل مكانه في قيادة فتح على طريق الصراع لوراثة محمود عباس.

وإلى ما قبل شهر تقريباً كان هناك خطر من أن يختفي البرغوثي من وعي الجمهور الفلسطيني، إذ أن محمود عباس قد جرده عملياً من كل المناصب القيادية في حركة فتح على الرغم من أنه قد فاز بالمكان الأول في الانتخابات الداخلية للحركة التي جرت خلال المؤتمر السابع الذي انعقد في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2016 في رام الله.

إنه يعود الآن بقوة إلى الوعي الفلسطيني، حيث يقول مقربوه في حركة فتح إن الرئيس ترامب سيضطر أيضاً للتعامل معه في نهاية المطاف لأنه ليس بوسع محمود عباس أن يوفر البضاعة التي يريد الرئيس ترامب الحصول عليها في إطار "الصفقة" التي يخطط لها بين إسرائيل والفلسطينيين. وحسب أقوالهم، فإنه على خلاف محمود عباس الفاسد والذي يُنظر إليه على أنه أداة لتنفيذ المطالب الإسرائيلية، فإن مروان البرغوثي يتمتع بالشرعية الوطنية الواسعة في أوساط الجمهور الفلسطيني، وحتى في أوساط حركة حماس، وهو الذي سيكون العنوان القادم في كل ما يتعلق بالمسيرة السياسية في المنطقة.

وعلى الرغم من أنه ليس هناك أي إنجاز للإضراب عن الطعام الذي يقوم به السجناء الأمنيون فإن هذا الإضراب أعطى دفعة قوية لموقع مروان البرغوثي في أوساط الرأي العام الفلسطيني، إذ أنه لا يختفي من العناوين الكبيرة. وتقول جهات في حركة فتح إنه طالما تواصل الإضراب عن الطعام فإن "خدعة بسكويت التورتيت" التي أكلها مروان البرغوثي في زنزانته ستتلاشى، ويبدو أن هذه الحيلة تهم الجمهور الإسرائيلي أكثر من الجمهور الفلسطيني.

إن مظاهرات التأييد في المناطق (الفلسطينية) والنشاطات المختلفة دعماً للسجناء الأمنيين بدأت بالتغلغل رويداً رويداً إلى وعي الجمهور الفلسطيني، وهي تتحول إلى جزء من الحياة اليومية، وهو الأمر الذي لا يمكن تجاهله والذي قد تكون له تداعيات تؤدي إلى الانفجار في ما بعد. 

ويبدو أن مروان البرغوثي قد اتخذ قراراً بالخروج على السلطة الفلسطينية، بشكل علني، على الرغم من أنه موجود في حالة عزلة. وهو يحاول عن طريق هذه الخطوة كسب تعاطف الشارع الفلسطيني الذي يمكن القول، في الحد الأدنى، إنه لا يحب محمود عباس، ونصّب نفسه كوريث مستقبلي له.

وقد اتهمت فدوى البرغوثي، زوجة مروان، في مقابلة مع موقع "الخليج أون لاين" جهات في السلطة الفلسطينية وفي حركة فتح بأنها تحاول إفشال الإضراب عن الطعام وأنها تتخذ إجراءات سياسية بهدف إنهائه قبل زيارة الرئيس ترامب إلى المنطقة.

وحسب مقربين من البرغوثي فإن رؤساء أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية حاولوا "التوصل إلى صفقة" والتقوا مسؤولين  من جهاز الأمن الداخلي  في إسرائيل (الشاباك)  من أجل إيجاد حل وسط ينهي الإضراب عن الطعام إلا أنهم فشلوا في ذلك. وحسب ادعاء مقربي البرغوثي فإن رئيس جهاز الأمن العام الفلسطيني اللواء ماجد فرج، الموالي لمحمود عباس، حاول إقناع ممثلي الصليب الأحمر الدولي بعدم لقاء البرغوثي في السجن إلا أنه فشل هو الآخر.

وفي نهاية المطاف فإن  إضراب السجناء الأمنيين عن الطعام يتحول، مع مرور الزمن، إلى "قنبلة أمنية موقوتة" والتي قد تنفجر في وجه إسرائيل. ولذلك فإن المصلحة الإسرائيلية يجب أن تكون في الدفع باتجاه نهاية سريعة بأقصى درجة ممكنة، وكذلك في إيجاد سبيل يمكّن مروان البرغوثي  من "النزول عن الشجرة".

وفي اللحظة التي ينتهي فيها الإضراب عن الطعام، عن طريق أي اتفاق كان، فإنه هو (الإضراب) ومروان البرغوثي سيختفيان تدريجيا من الوعي الفلسطيني العام، وسيتوقفان عن تعريض الهدوء الأمني السائد في الضفة (الغربية) للخطر. ويُحظر على إسرائيل التدخل في صراعات القوى الداخلية في القيادة الفلسطينية، خاصة وأن محمود عباس يُعتبر للكثير من الأسباب "حصاناً ميتاً" في قيادة حركة فتح وفي الرأي العام الفلسطيني. وعلى القيادة الإسرائيلية أن تبدأ بالاعتياد على فكرة أنه ستكون هناك قريباً قيادة جديدة للسطلة الفلسطينية.  


ترجمة: مرعي حطيني