سايكس - بيكو لا يزال هنا

يرى يوسي بيلين في صحيفة "إسرائيل اليوم" أن الدولة لا توشك على الزوال. يقول إنه كما الحديث عن المؤسسة العائلية التي ثار عليها كثيرون وتنبأوا بنهايتها، الدولة هي الأخرى، مع الحدود المصطنعة إلى هذا الحد أو ذاك، هي في هذه الأثناء أكثر نجاحاً وقوة ممن يهددون باستبدالها، سواء انطلاقا من الشر والتزمت أم كنتيجة للعولمة الاقتصادية.

مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو
مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو

في العام 2014 أعلن داعش عن نهاية "سايكس – بيكو". على خلفية القبلية المتجددة والتطرف الديني في الاسلام، يصبح التقدير بان لا مستقبل للدول في منطقتنا (كونها اخترعت، قبل مئة سنة، من القوى العظمى، وحدودها تقررت بشكل مصطنع) نوعا من الاجماع. غير أن ادعاء الاصطناع (الصحيح بحد ذاته) لا يؤدي بالضرورة الى الاستنتاج بانتهاء دول الشرق الاوسط.

ان نقيض "الحدود المصطنعة" هو "حدود طبيعية"؛ فكم من الدول في العالم توجد لها حدود طبيعية كهذه، باستثناء الدول – القارات مثل استراليا أو الجزر في المحيطات؟ هل هذه توجد لروسيا، الدولة الاكبر في مساحتها في العالم، التي تقاتل من أجل جزر الكورال مع اليابان، وكأن أمس فقط انتهت الحرب العالمية الثانية (ناهيك عن الضم الوحشي لشبه جزيرة القرم)؟ أم للولايات المتحدة الضخمة، التي فقط لانها اشترت اراض كبيرة من المكسيك تبدو حدودها الجنوبية مثلما تبدو الان. وفقط بسبب بادرة طيبة انجليزية في القرن الثامن عشر ليست كندا جزء منها؟ ام للباكستان، التي تطالب باقليم كشمير من الهند؟ وغيرها وغيرها.

توجد لدول عديدة أحلام عن "حدود طبيعية" في شكل جبال، سهول او بحر، كانت ملكا لها لجزء من الثانية في التاريخ، ولكن ليس معنى الامر بان كل أصحاب هذه المطالب (التي لو قبلت جميعها، لكانت حاجة لمضاعفة حجم الكرة الارضية الخاصة بنا لعدة اضعاف) مستعدون لاحراق النادي الدولي اذا لم يتمكنوا من تحقيق أحلامهم.

أكثر من أي مكان آخر في العالم، هذا صحيح بالنسبة لافريقيا. يكفي النظر الى الاطلس ورؤية 52 دولة تبدو الكثير منها مثل المكعبات، كنتيجة لتقسيم امبريالي منقطع عما يجري على الارض. تلك القبائل تتحدث ذات اللغة، تنتمي لذات الثقافة، ولكنها توجد في دول مختلفة، لان هكذا اتفق فيما بينهم ممثلو ملوك القرن التاسع عشر. كما أن هذه هي الخلفية لحروب غير قليلة بين دول افريقيا.

وعلى الرغم من ذلك، فثمة قوة للحدود المصطنعة: فهي صامدة، والجنود مستعدون للتضحية بارواحهم للدفاع عنها. وأنا أرى كم صعبا على الفلسطينيين التخلي عن السلطة الفلسطينية، التي تكاد توجد منذ نصف قرن على مساحة 40 في المئة من الضفة الغربية، أي على اكثر بقليل من 2.000 كيلو متر مربع، مع ميزانية تعتمد في قسمها الاكبر على صدقات العالم، دون صلاحيات سيادية، ومع تعلق مطلق باسرائيل. ويكاد يكون كل طرف موضوعي، ينظر الى الوضع، يوصي أبو مازن بالتنازل عن الحكم الذاتي الهزيل لديه وان يعيد لنا المفاتيح، كي ننشغل نحن بمجال جنين ونشغل المعلمين والاطباء ومزيلي القمامة في الخليل. ولكنه يتمسك بهذه الحدود المؤقتة، التي كانت مخصصة لخمس سنوات والتي ستحتفل قريبا بيوبيل، إذ أن الجميع يعترف بذلك في أن هذه هي الارض "خاصته".


الدولة الحديثة

اتفاقات وستفيليا، في 1648، التي وصلت في السنوات الاخيرة من دروس التاريخ الى عناوين العديد من المقالات، صممت بقدر كبير طبيعة الدولة الحديثة. مرة اخرى ليست هذه فقط من ممتلكات الملك، المتعلق بالكنيسة، بل فيها سيادة  الناس الذين يعيشون فيها هم مواطنو الدولة وليسوا رعايا الحاكم. والدول نفسها متساوية، رسميا، فيما بينها.

استمرار لا يتوقف للحروب الدينية هو البديل لذاك الاتفاق الشهير، وثمة في العالم غير قليل من الناس المتزمتين والمتطرفين، ممن يرغبون في أن يعيدوا العالم الى هناك، ولكن ستكون حاجة الى أكثر بكثير من مجرد الرغبة الشريرة كي يعيدون الى تلك العهود المظلمة. المنافسة الاخرى للدولة في عصرنا هي، ظاهرا، الشركة متعددة الجنسيات: هذه الشركات الكبرى هي ذات ميزانيات اكبر من ميزانيات العديد من دول العالم، ولا سيما في العالم الثالث، ولكن ليس فيه فقط. يوجد لها تأثير شديد جدا على اقتصاد العالم، على اختيار بعض من زعماء العالم وعلى تصميم القواعد الاخلاقية في السلوك الاجتماعي الحديث.

كما انها تتخذ القرارات التي كان يحسمها في الماضي الزعماء السياسيون (مثل الاستثمار أو عدم الاستثمار في تطوير ادوية معينة، في تشجيع قطاعات معينة في السكان وغيرها). صحيح أيضا ان بعضا من رؤساء هذه الشركات يؤثر على مستقبل العالم اكثر من قسم من الرؤساء ورؤساء الوزراء في عصرنا؛ فالمال المتجمع في ايديهم متوفر اكثر من ذاك الذي في ايدي الزعماء السياسيين الاهم في العالم، واستخدامه كفيل بان يقرر عناصر كثيرة في مستقبلنا.

في دافوس في سويسرا يجتمع كل سنة المنتدى الاقتصادي العالمي، ويكفي ان نرى فيه شعبية رؤساء الشركات متعددة الجنسيات مقابل الاهتمام المتواصل الذي يبعثه زعماء الدول. في كل كانون ثان يخيل ان العالم يديره اصحاب ومدراء هذه الشركات، بينما يؤدي السياسيون دورا زائدا ومثقلا.

ولكن هذه ليست الصورة الحقيقية. حادثة الحدود بين روسيا وتركيا، التي تعنى بمسألة هل الطائرة الروسية التي اطلق عليها صاروخ تركي كانت فوق الاراضي التركية ام ربما خارجها، كان من شأنها أن تشعل نارا عالمية – لان تركيا تنتمي الى حلف الناتو. وتفعل المادة 5 في ميثاق الحلف كان من شأنه أن يؤدي الى مواجهة دولية، لا يحمد عقباها. لا يمكن أن نقارن هذا بتأثير العناصر غير الدول. 


ليس بهذه السرعة

ان ظاهرة القاعدة وداعش هي مثابة اقتحام لروح شريرة من قرن آخر، الى قلب الحداثة في القرن الـ 21. عمليا، احد في الغرب لم يكن مستعدا لنتيجة الشوق للخلافة بدلا من الدول السيادية، رفض وجود الاخر، التمسك بالحقيقة الدينية كحقيقة مطلقة، والاستعداد للتضحية بالحياة في محاولة لتحقيق انتصار ديني.

ولكن وجود هذه الظاهرة، مثل الانضمام غير المفهوم لها من بين دول الغرب، ليس فيه ما يقنع بان الدولة الحديثة توشك على الاختفاء قريبا. هذا لا يعني أنها ستستبدل بمثل هذه الحركات، التي ستشطب خرائط سايكس – بيكو وامثالها، والتي خطت قبل مئة سنة بالضبط.

الدولة لا توشك على الزوال. مثل المؤسسة العائلية التي ثار عليها وتنبأ الكثيرون بنهايتها، الدولة هي الاخرى، مع الحدود المصطنعة الى هذا الحد او ذاك، هي في هذه الاثناء اكثر نجاحا وقوة ممن يهددون باستبدالها، سواء انطلاقا من الشر والتزمت أم كنتيجة للعولمة الاقتصادية.