كريستوف بولييراك - الناطق باسم منظمة يونيسيف الأممية

التفاصيل

موسى عاصي: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا أينما كنتم.

العام 2016 كان عاماً كارثياً على عدد من الدول العربية بسبب استمرار الحروب من سوريا إلى اليمن، إلى ليبيا والعراق. الخسائر والأضرار كارثية ولا يمكن إحصاؤها، ولكن الأسوأ سيكون في القادم من الأيام، في مستقبل هذه البلاد الذي سيبنيه أطفال اليوم. ماذا عن هؤلاء الأطفال؟ الأرقام التي تُقدمها منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف كارثية وتُنبئ بمستقبل أسود.

اليوم سنستقبل الناطق باسم المنظمة الأممية، باسم منظمة اليونيسف السيّد كريستوف بولييراك ليحدّثنا عن هذه المآسي، عن هذه الأرقام، عن حصيلة العام 2016 حول الأطفال في العالم العربي.

أهلاً وسهلاً بك سيّد كريستوف، أهلاً بكم إلى قناة الميادين.

سؤالي الأول، ما هو تقييمك اليوم لوضع الأطفال في العالم العربي خلال العام 2016 ولا سيما في سوريا واليمن والعراق وليبيا؟

كريستوف بولييراك: تقييمي مأسَوي لأنه بكل بساطة سوريا والعراق واليمن تشهد صراعات تؤثر بشكل سلبي ومخيف على الأطفال للتعريف عنها بطريقة منطقية، هذه الصراعات لم تُحل بعد لم يتم إرساء السلام ولم يتم التوصل إلى حل سياسي وكلما استمرت الصراعات كلما استمرت معاناة الضحايا الأبرياء كالأطفال الذين هم ضعفاء، يموت الأطفال نتيجة القصف أو الأمراض التي يمكن تفاديها عادةً لأنهم لم يستطيعوا الذهاب إلى مراكز صحية أو أنهم يعانون من سوء التغذية، هذا عنف فظيع.

الحال ليس هو نفسه في جميع الصراعات في العالم، ولكن هذه الصراعات بالتحديد عنيفة جداً بالنسبة إلى الأطفال، وهي لا تتوقف، فالعام 2016 حمل معاناة كبيرة لأطفال هذه البلدان.

موسى عاصي: تختلف هذه المعاناة من بلد إلى آخر، فإذا بدأنا من سوريا، ما هي مشكلة الأطفال هناك؟ أهي سوء التغذية كما في اليمن، أهي المشاركة بطريقة أو بأخرى في الحرب أو الانخراط في دوامة العنف؟

كريستوف بولييراك: يمكنني الإجابة بأرقام بسيطة جداً، ولكن انتبه لأنّ خلف هذه الأرقام من المهم التفكير بكل طفل يُجسّد قصة إنسانية تفتقر الأرقام إلى الطابع الإنساني ولكنها تبقى مأسوية، هناك حوالى عشرة ملايين طفل في سوريا، ومنهم ستة ملايين بحاجة إلى مساعدات إنسانية وهناك أكثر من مليونين وأربعمائة ألف طفل سوري هربوا إلى البلدان المجاورة، وهم بحاجة أيضاً إلى تلك المساعدات، تحدّثنا كثيراً عن حلب وفي الوقت الذي نتكلم عنها وخصوصاً عن شرق حلب، تطور الوضع العسكري إلى حدٍ كبير هناك ولكن يجب أن ندرك أن حلب هي فقط غيض من فيض في سوريا، هناك خمس عشرة منطقة محاصرة في سوريا حيث ما زال المدنيون والأطفال محاصرين ما يعني أنهم لا يحصلون على مساعدات إنسانية وليس لديهم ما يكفي من أجل البقاء على قيد الحياة، ونقدّر أنّ هناك 350 طفلاً في هذه المناطق المحاصرة اليوم، وفضلاً عن ذلك، يعيش نحو مليوني طفل سوري في مناطق محاصرة أو من الصعب إرسال المساعدات الإنسانية إليها.

موسى عاصي: في ما يتعلق بالأطفال الموجودين خارج المناطق المحاصرة ولا سيما الأطفال اللاجئون داخلياً، هل تستطيعون العثور عليهم وتقديم المساعدات الإنسانية لهم؟ ما هي معاناتهم وكيف يعيشون؟

كريستوف بولييراك: في سوريا؟

موسى عاصي: نعم في سوريا.

كريستوف بولييراك: تكمن المشكلة الكبيرة بالنسبة لليونيسف ولجميع المنظمات الإنسانية في إيصال المساعدات، فالمساعدات الإنسانية موجودة ولكن من الصعب إيصالها ويجب تقديمها للأطفال الذين يعيشون في مناطق ترزح تحت وطأة المعاناة وتفتقر إلى المواد الغذائية، غالباً ما تركز اليونيسف جهودها على القطاعات الرئيسية ومنها قطاع المياه، توجد مياه في مدينة حلب وذلك بفضل عملنا، يكفي أحياناً أن نوفّر الوقود لمحطات الضخّ كي تواصل ضخ المياه وتوزيعها، وفكّرنا بكيفية تأمين المياه النظيفة لجميع السكان بطرق أخرى ولا سيما من خلال الآبار. توجد مشكلة حقيقية في سوريا، فـ 70 بالمئة من السكان لا يحصلون على المياه النظيفة، ولماذا تعتبر المياه مهمة جداً؟ حين نتكلم عن سوء التغذية لدى الأطفال وعندما نرى أطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد نعلم أن هؤلاء قد اقتربوا من الموت وهم أكثر عرضة للوفاة بإحدى عشرة مرة مقارنة بالأطفال الذين يتمتعون بصحة جيدة. وبالطبع، لا يعاني هؤلاء من سوء التغذية بسبب نقص المواد الغذائية ولكن أيضاً لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة، وبالتالي يصابون بالإسهال.

موسى عاصي: فحين لا يحصلون على المياه النظيفة، يصبحون عرضة للأمراض فما هي تلك الأمراض؟

كريستوف بولييراك: يعتبر الإسهال مرضاً يفتك بحياة الكثير من الأطفال ويُضاف إليه مرض التهاب الرئتين، وإذا نظرنا إلى اليمن، نُسجّل عودة الكوليرا والحصبة. ولكن، بشكل عام، هناك الكثير من الأمراض التي يمكن تجنبها في حال قدمنا العلاج المناسب للأطفال المصابين بها، غير أن في تلك الظروف الصعبة يموت الأطفال بسببها لأنهم غير قادرين على الوصول إلى المراكز الصحية والأدوية.

تلك هي النقاط المتعلقة بالمياه والصحة، ولكن علينا أيضاً أن نتكلم عن التغذية، فنحن نبذل قصارى جهودنا لإيصال المساعدات الطارئة للأطفال الذين يعانون من مشاكل التغذية.

في ما يتعلق بالتلقيح، هذا العام، قمنا بتلقيح نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون طفل سوري ضد شلل الأطفال، يجب ألا نتوقف عن التلقيح حتى أثناء الحرب، نستمر في التلقيح في سوريا والعراق واليمن، ومن ثم هناك مسألة التعليم الذي يعتبره البعض حاجة ثانوية في فترة الحروب ولكنهم مخطئون، فلا يمكن اعتبار التعليم حاجة ثانوية، لماذا؟ لأن التعيلم مرتبط بحماية الأطفال، فالطفل الذي يستمر في الذهاب إلى المدرسة تحت القنابل وهو مصاب بصدمة عصبية حادة يستطيع بشكل فعال أن يسيطر على هذه الصدمة بفضل الروتين، يعلم أنه يذهب إلى المدرسة عند الساعة التاسعة ومن ثم، عند العاشرة، تأتي فترة الاستراحة، فالمدرسة تؤمّن له إطاراً مطمئناً.

موسى عاصي: وهذا قد يبعد الأطفال أيضاً عن العنف، إذ إن المدرسة تؤمّن لهم إطاراً شبه طبيعي، هل لديك تقارير عن الأطفال الذين ينخرطون في سوريا في صفوف المحاربين أو عن الذين يجبرون بالمشاركة في أعمال العنف؟ هناك تقارير من الأمم المتحدة وتقارير من لجنة التحقيق تتحدّث عن هذا الوضع؟

كريستوف بولييراك: طبعاً، تبقى المدرسة المكان حيث نتعلّم ونبني شخصيتنا وننظر إلى المستقبل، من المهم للأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاع أن ينظروا إلى المستقبل. تحمي المدرسة أيضاً من تجنيد الأطفال في المجموعات المسلحة كما تحمي الفتيات من الزواج المبكر الذي يصبح شائعاً لأسباب أمنية في المناطق المتضررة من النزاع. في سوريا، أُقفلت أكثر من سبعة آلاف مدرسة أبوابها وتسّرب نحو مليون وسبعمائة ألف طفل من المدرسة. ولذلك، نحن نعمل من أجل الأطفال الذين بإمكانهم الذهاب إلى المدرسة لمتابعة دروسهم ونعمل أيضاً للذين تركوا المدرسة خلال ثلاثة أو أربعة أعوام، فالطفل السوري الذي يبلغ الخامسة من عمره لا يعرف سوى الحرب، في حال تسرّب طفل من المدرسة لثلاث سنوات وعاد ليلتحق بها مجدداً سيجد صعوبة في متابعة النظام العادي ولذلك نحن نطوّر برامج تعليمية للأطفال الذين تسرّبوا من المدرسة خلال ثلاث أو أربع سنوات، ونطوّر أيضاً برامج للأطفال الذين لم يعودوا قادرين على الذهاب إلى المدرسة لأن المدارس وقد دُمّرت أو لأن الأساتذة قد رحلوا أو قُتلوا أو لأن الأهل لا يتجرأون على إرسال أطفالهم إلى المدرسة. فهذه البرامج تساعدهم في التعلم في المنزل مع أوصيائهم أو عائلاتهم.

موسى عاصي: سنبقى ضمن الموضوع لأن مستقبل البلاد هو رهن بهؤلاء الأطفال، سؤال أخير بشأن سوريا وأطفالها، لقد ذكرت أرقاماً وتحدّثت عن مليوني طفل تقريباً وهم خارج سوريا، في بلدان مجاورة مثل لبنان وتركيا والأردن، هل الوضع في تلك البلدان هو أفضل؟ هل يحصلون بسهولة على العناية الطبية؟ هل الذهاب إلى المدرسة يعتبر أيضاً أولوية في تلك البلدان؟

كريستوف بولييراك: إنها أولوية بالفعل بالنسبة إلينا، نساعد كل حكومة في البلدان المجاورة على مواجهة الأمر لا سيما في تركيا ولبنان والأردن، ولكن هذه المشكلة تطرح تحديات عديدة أمام تلك البلدان، فعدد الأطفال اللاجئين كبير ومن المحال عدم الاعتناء بهم، لذا وضعنا البرامج ونحن حاضرون فعلاً مع غيرنا لدعم وزارات التربية والتعليم في البلدان المذكورة. لذا وكما ذكرت، في البلدان المجاورة لسوريا حالياً هناك مليونان و400 ألف طفل سوري يحتاجون إلى المساعدة في قطاعات عديدة.

موسى عاصي: بعد الفاصل، سنتكلم عن الوضع في اليمن والبلدان العربية الأخرى مثل ليبيا والعراق.

مشاهدينا سنتوقف قليلاً مع فاصل قصير ونعود إلى هذا الحوار مع السيّد كريستوف بولييراك الناطق باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف، وسنتحدّث بعد الفاصل عن الوضع في اليمن.

المحور الثاني

موسى عاصي: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا من جديد في هذا اللقاء الخاص مع السيّد كريستوف بولييراك الناطق باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة سنتحدّث الآن عن وضع الأطفال في اليمن وهو الوضع الأسوأ من بين الدول العربية بهذا الخصوص.

سيّد بولييراك، تحدّثنا قبل قليل عن وضع الأطفال في سوريا ووصفت الوضع بالمأسوي، ولكن في اليمن، تابعتك خلال العام 2016 ولقد تطرّقت إلى المسألة مرات عدّة قائلاً إن الوضع في اليمن كارثي للغاية، أي رقم يمكنك أن تقدمه لنا اليوم بشأن الوضع في اليمن وبالأخص خلال العام 2016؟

كريستوف بولييراك: كانت منظمة اليونيسف تطلق صفارة الإنذار بشأن اليمن طوال السنة لأن وضع الأطفال هناك في تدهور مستمر بسبب نزاع مستمر يؤدّي إلى القصف في الشمال بالإضافة إلى المعارك في الجنوب. ونتيجة لذلك، الأطفال هم مجدداً بطريقة غير منصفة ومريعة وأشدد على كلمة مريعة، هم ضحية نزاع عنيف لا شأن لهم فيه. طوال العام، أطلقنا صفارة الإنذار بشأن سوء التغذية الحاد، وحالياً، هناك أكثر من 460 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد في اليمن وينبغي أن نوضح عما نتكلم هنا، احتمال أن يموت هؤلاء الأطفال هو أكبر بـ 11 مرة وهم أطفال  في حال سيئة جداً، هناك مليونان و200 ألف طفل في اليمن يعانون من سوء التغذية بشكل عام من بينهم 460 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد.

بشكل عام في اليمن، يموت طفل كل 10 دقائق جراء مرض ما وهي أمراض من الممكن تجنبها مثل الإسهال والتهابات الجهاز التنفسي بسبب انهيار تام في النظام الصحي، النزاع القائم في اليمن منذ عدة أشهر أطاح بالكامل بـ 10 سنوات من التقدّم لدى الأطفال لأن اليمن كان يواجه الصعوبات قبل تفاقم النزاع القائم اليوم ولكن في أشهر قليلة، التقدّم كله الذي تحقّق خلال 10 سنوات..

موسى عاصي: أخبرني عن ذلك البرنامج الذي ذكرته والذي انهار؟

كريستوف بولييراك: كانت مشكلات سوء التغذية موجودة حينها ولكن ليس كما هي عليه اليوم لذا كان ينبغي معالجتها وبالأخص في المناطق الريفية حيث وضع الأطفال هو الأضعف، ولقد أحرزنا تقدماً كبيراً في ما يتعلق بالتعليم لا سيما لدى الفتيات إذ ارتفع عدد الفتيات اللواتي يذهبن إلى المدرسة ولكن هذا التقدم كله انهار حالياً، واليوم، هناك محافظة في اليمن تعاني من معدل سوء تغذية مزمن أي إن تأخر النمو هو الأعلى على المستوى العالمي.

موسى عاصي: أية محافظة؟

كريستوف بولييراك: إنها محافظة صعدة، ولكن أكرر أن الوضع سيىء في كل مكان، وأن أكثر من نصف مراكز العناية الصحية توقفت عن العمل وأن كثيرين من العاملين في قطاع الصحة لا يتقاضون راتباً وهذا أمر مؤسف فعلاً. ومجدداً، هذه ظاهرة سيكون من الصعب جداً معالجتها.

موسى عاصي: ما الذي ينقص اليوم في اليمن، من ناحية الصحة والتعليم؟ وأيضاً لمواجهة تلك الأمراض الجديدة التي تظهر مجدداً في اليمن؟

كريستوف بولييراك: كل ما ينقص هو السلام، ينبغي أن تتوقف المعارك في البلاد لتتمكن الشعوب المدنية من العودة إلى حياة طبيعية، المشكلة هي أن الأطفال هم الحلقة الأضعف، اختفى النظام الصحي الفعلي، هناك مشكلة في الوصول إلى مختلف المناطق سواء في الشمال أم الجنوب، مثل تعز والبيضاء اللتين تشهدان معارك، والمشكلة الفعلية هي في الوصول إليهما. وأكرر أن الوضع تدهور إلى درجة أن المساعدات الإنسانية تحاول جاهدة من خلال المجازفة بشتى الوسائل المتاحة، ولكن مع 460 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد ومع انهيار كامل للنظام الصحي ومع ارتفاع مستمر في الأسعار ومع غياب آليات المساعدات المالية للعائلات، البلاد كلها تنهار، لذا ينبغي التوصل إلى حل سياسي مع توقف النزاع. وفي هذه الأثناء، نحن مع شركاء آخرين نجد أنفسنا في حال طارئة ونعالج مئات آلاف الأطفال من سوء التغذية نعمل على المياه ونسعى ألا يتوقف التعليم، ولكن الصحة... ورؤية مئات آلاف الأطفال.. كنت في اليمن قبل أشهر قليلة ورأيت فعلياً الصوَر التي تنقلها وسائل الإعلام في مواقع ترعاها منظمة اليونيسف ورأيت أطفالاً يعانون يأتي بهم الوالد من منطقة أخرى علماً أن ذلك مكلف جداً ونرى بوضوح مستوى المعاناة الناتج من هذا النزاع وبالأخص معاناة الأكثر ضعفاً، ينبغي أن يتوقف هذا كله لأن العنف مطلق!

موسى عاصي: أنتم كمنظمة إنسانية أي اليونيسف أو غيرها من المنظمات هل تجدون صعوبة في الوصول إلى المناطق في كل أنحاء اليمن أو هناك مناطق يمكنكم الوصول إليها بسهولة وهناك مناطق يمنع عليكم بلوغها؟

كريستوف بولييراك: بشكل عام، يمكننا إرسال المساعدات الغذائية والطبية للأطفال، يمكننا التنقل ولكن بصعوبة كبيرة في البلاد كلها، المشكلة هي نفسها دوماً أي التوصل إلى إرسال هذه المساعدات إلى الأشخاص الذين هم الأكثر حاجة إليها، وهنا تزداد الأمور تعقيداً بسبب المشكلات اللوجستية والأمنية كما سألتني منذ قليل إلام تحتاج اليمن لوقف هذا التدهور الذي يطال الشعوب المدنية والأطفال؟ تحتاج إلى السلام لا أكثر، لنتمكن من إيصال المساعدات إلى العائلات في كل أرجاء البلاد وهو أمر يظل صعباً جداً اليوم.

موسى عاصي: قبل الحرب أو النزاع القائم منذ 2014 أو 2015 كان لديكم برنامج في اليمن، فما الذي توصلتم إليه بالضبط وبالأخص ما يخص تعليم الأطفال وفي مسألة الصحة؟ واليوم، كيف أصبح الوضع بعد شهر مارس من العام 2015؟

كريستوف بولييراك: وفق المقاييس.. أنت تطلب مني مقارنة الوضع في بلاد تعاني مشكلات أمنية بفترة زمنية وهو شهر مارس من العام 2015 حيث تفاقم الوضع الأمني منذ ذلك الحين، يسعني القول إن المشكلات الأمنية تؤدي إلى صعوبات من النواحي كلها إذ يخاف الأهل أن يرسلوا أطفالهم إلى المدرسة وأحياناً يتم استهداف المدارس كما يهرب المعلمون أحياناً والمراكز الصحية لا تتلقى كمية كافية من الأدوية وبعض المراكز الصحية تكون ضحية مباشرة، فلا أدوية كافية ولا عاملين في مجال العناية الصحية أو لا يتقاضون أجوراً كافية والقدرة الشرائية للعائلات تتداعى، ما يعني وجود تأثيرات سلبية من النواحي كلها، لذا نرغب حالياً في وقف هذا التدهور لا سيما مع وجود 460 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد وهذا وضع كان بعيداً عن التصوّر قبل سنوات، إنه تراجع كبير لا سيما في تعليم الأطفال والنظام الصحي والحق في الحصول على الماء ألخ... بالإضافة إلى تاُثير ذلك على قدرتهم النفسية والعاطفية يجب ألا ننسى أن الأطفال يتأثرون سلباً، أذكر أنني كنت أزور مدرسة في صنعاء قبل أشهر وأول ما كنا نفعله هو تنظيم مسرحيات في مطلع النهار لنساعد الأطفال على مواجهة حالات القلق المتعلقة بالنزاع.

موسى عاصي: إن توقفت الحرب اليوم في اليمن، إلى كم سنة سنحتاج لنعود إلى حقبة ما قبل الحرب أي إلى العام 2014 أو إلى فبراير 2015؟

كريستوف بولييراك: من الصعب جداً أن أعطيك تفاصيل زمنية من هذا النوع ولكن من المؤكد أنها الأولوية، يجب أن تتوقف المعارك ليحصل الأكثر عوزاً على ما يحتاجون إليه ونتكلم هنا عن أبسط الأمور أي الحصول على أدوية لأطفال ولعائلات تحتاج إلى ذلك، نتكلم عن الذهاب إلى المدرسة، نتكلم عن الحصول على مياه الشرب، ليست المياه التي ستجعل الطفل الصغير يمرض وتتسبب له بالإسهال مما قد يؤدي إلى وفاته في آخر المطاف، ينبغي أن تصل المساعدات الإنسانية إلى الأكثر عوزاً ويجب أن تتوقف المعارك ليعود اقتصاد البلاد إلى وضع مقبول.

موسى عاصي: بعد هذا المشهد الأسود للغاية الذي يعيشه الأطفال بالأخص في هذه البلدان التي تخوض حروباً وتعيش أزمات، أي مستقبل ينتظرنا وينتظر اليمن مثلاً بعد هذا الدمار كله الذي يطال الطفولة؟

كريستوف بولييراك: خبرتنا في هذا المجال تجعلنا نعرف أن الأطفال يتمتعون بمرونة كبيرة وأحياناً تكون تلك المرونة أقوى بكثير مما نظن ويمكنهم أن يمروا بمحن كثيرة، ولكن يجب ألا يكونوا مستهدفين بعد الآن، يجب التوقف عن استهداف المدارس والمستشفيات فهي أماكن كان يشعر فيها الأطفال بالأمان في الماضي ولقد تغير الوضع اليوم مع هذا النزاع القائم، إذاً المستقبل سيقوم على ما نطلبه باستمرار أي أن الأطراف كلها المعنية في النزاع ولا ننفك نكرر أن هذا الأمر سيأتي بثماره، ينبغي بتلك الأطراف أن تحترم القوانين الدولية لحقوق الإنسان فتفكر في الأطفال وفي المجتمعات المدنية علماً أنه ليس النزاعات كلها تطال الأطفال إلى هذه الدرجة، نتكلم عن نزاعات تضع المجتمعات المدنية والأطفال في جحيم من الوحشية. إذاً، ينبغي أن تتغير الأمور جذرياً على المستوى البنيوي أي التوصل إلى حل سياسي مع وقف المعارك ومن ثم العمل على حصول المجتمعات المدنية على المساعدات التي تحتاج إليها في نزاع لا شأن لها فيه.

موسى عاصي: كريستوف بولييراك أشكرك على وقتك. وبالرغم من المشهد الأسود الذي وصفته لنا عن الوضع القائم في بعض المناطق أتمنى لك ولشعوب المنطقة عاماً سعيداً وأعياداً مجيدة شكراً جزيلاً.

كريستوف بولييراك: وأنا أشكرك.

موسى عاصي: مشاهدينا الكرام كان هذا اللقاء من جنيف مع السيّد كريستوف بولييراك الناطق باسم منظمة اليونيسف الأممية، أنا موسى عاصي أحييكم من جنيف.