أندريه فيلتشيك - مفكر وروائي اميركي

التفاصيل

زينب الصفار: السلام عليكم ورحمة الله. "أورورا" أو "الفجر" رواية تمثل طبيعة الوعي والشجاعة والحاجة الاجتماعية وتساعد على توليد فكر جديد وفهم وإدراك للمضيّ قدماً. مع أورورا ومؤلّفها أندريه فلتشيك نتحدّث عن الجنوب العالمي، من الداخل. معكم زينب الصفار، تابعونا.

 

التقرير

إن كان قلبك يتألّم من أجل الإنسانية فبعد قراءة مؤلّفات أندريه فلتشيك سينزف بغزارة، أو إنك لا تملك قلباً. ولكن في الحين ذاته ستمنحك كلماته الأمل ولا سيما عندما تقرأ بعض القصص المُلهمة عن أناس تحدّوا العنف الإمبريالي وقاموا بتغيير مجرى التاريخ، هذا بحسب إحدى المراجعات لكتب فلتشيك. الأمر ينسحب على آخر رواياته "أورورا" والتي وصفها البعض بالعمل الهائل، وهي ما ينبغي أن يكون عليه أيّ عمل أدبي، إنساني بالكامل. أما كلمة أورورا فتعني الفجر، أو آلهة الفجر عند الرومان. أما في اللغة الروسية فقد استخدم مصطلح أورورا قبل القرن العشرين وبات أكثر رواجاً عقب الثورة الروسية عام 1917 نسبة إلى الدور الذي لعبته السفينة الحربية أورورا في الأحداث آنذاك. أندريه فلتشيك المفكّر والروائي الأميركي والصحافي الاستقصائي وصانع الأفلام الوثائقية يخبرنا من الداخل عن فحوى روايته الأخيرة القصيرة "أورورا" ورمزية أحداثها التي تتجاوز بتأثيرها عدد صفحات الكتاب، ويشرح ماهيّة ومفهوم الجنوب العالمي والبلاد التي تنضوي تحت مظلّته، والتحدّيات التي يصطدم بها وواقعه اليوم.

 

زينب الصفار: أندريه فلتشيك، المفكّر والمخرج والروائي والصحافي الاستقصائي، أهلاً بك في من الداخل.

 

أندريه فلتشيك: شكراً جزيلاً لك.

 

زينب الصفار: من الرائع أن تكون معنا

 

أندريه فلتشيك: من الرائع أن أكون هنا.

 

زينب الصفار: شكراً لك، تهانينا على آخر رواية نشرتها بعنوان "أورورا" أي الفجر على ما أعتقد. هل بإمكانك إخبارنا المزيد عن هذا العمل الأدبي؟ كيف بدأت بكتابته؟

 

أندريه فلتشيك: في الواقع أصبت. أورورا تعني الفجر واسمها هذا رمزي جداً. فيعود اسم أورورا إلى سفينة حربية حين بدأت ثورة أكتوبر العظمى في الكيان الذي تحوّل لاحقاً إلى الاتحاد السوفياتي، وأورورا اسم امرأة جميلة، لكن لسوء الحظ، تتناول الرواية موضوعاً مُعقّداً جداً وهو إمبريالية الغرب الثقافية. يعي الجميع ما يفعل الغرب سياسياً، ولكن قلّما يعي الناس ما تفعله مؤسساته الثقافية، ولا أودّ التصريح عن أسمائها، لكن لأوروبا تحديداً مؤسسات ثقافية في جميع أنحاء العالم.

 

زينب الصفار: لِمَ لا تصرّح عن أسمائها، فنحن نفضّل أن نعرف ذلك.

 

أندريه فلتشيك: ما أعنيه أن مؤسساتها الثقافية الكبيرة كـ "أليانس فرانسيز" ومعهد "غوته" و"كازا إيطاليانا" ومعهد "ثربانتس" ليست حميدة، بل يمكن أن تكون هذه المؤسسات الثقافية خطرة جداً أحياناً. كيف تكون ذلك؟ تعمل هذه المؤسسات لصالح أوروبا والإمبراطورية الغربية فتميّز المواهب اليافعة من فنانين ومفكّرين معارضين لأنظمة بلدانهم التي تخدم المصالح الغربية. ما كانت تقدم عليه هذه المؤسسات في السابق للتعامل مع أشخاص كالمفكّرين اليافعين تضمّن تدخل وكالات الاستخبارات المباشر إما لتصفية هؤلاء الأشخاص أو لتعذيبهم أو لإخفائهم، أما اليوم فهي تؤدّي ذلك بشكل حضاري أكثر، بتمويلهم، أي من خلال شرائهم. ما يحدث هو التالي، فلنفترض أنك...

 

زينب الصفار: بالتالي يجري تضمينهم في النظام.

 

أندريه فلتشيك: نعم، هذا هو الهدف من ذلك. فلنفترض أنك كاتبة يافعة في إحدى مناطق إندونيسيا أو مصر وقد زرت العاصمة بضع مرات، وأنك من بلدة صغيرة، وينتابك كثير من الغضب بسبب ما ترين من معاناة شعب لبلدك، وتشهدين ما تفعله الرأسمالية والإمبريالية والحكومة الموالية للغرب ببلدك، لذا ينتابك الكثير من الغضب فترسمين أو تكتبين أو حتى تصنعين مقاطع فيديو قصيرة، وتأملين أن تصبحي منتجة أفلام وما إلى ذلك، فيتواصل أعضاء هذه المؤسسات الثقافية معك، ويدعونك لتناول العشاء وللتحدّث، تأتين إلى العاصمة ويدعونك إلى عشاء في مكان جميل وبعدها يقولون إن عملك رائع وأنهم سيعدّون لك رحلة إلى برلين أو باريس أو لندن، ويخبرونك أن الصحافة ستكون حاضرة وستجرى معك مقابلات، وإذا كنت رسّامة مثلاً، سيخبرونك أنه يمكنك الدخول إلى معرض رسوم، وإن كنت كاتبة سيجرى معك مقابلات وسيسعك القراءة في مكتبة لبيع الكتب. هذا جذاب جداً، ولا يفرضون عليك أية شروط بشكل أساسي وبوسعك فعل ما تشائين، لكنهم يطلبون منك عدم الانخراط في السياسة كثيراً بذريعة أن الناس يرغبون بالتعرّف إلى بلدك فحسب، ويقولون إن بلدك رائع وجميل ويخبرونك أن الناس يريدون التعرّف إلى حضارة بلدك، ويريدون معرفة ما ترتديه الناس. وإن كنت رسامة فلترسمي بعض اللوحات لتظهري جمال أراضي بلدك وما يرتديه الناس وكيف يرقصون، وما إلى ذلك، ولا تنخرطي في السياسة كثيراً، فلا نريد أن نعرف معلومات عن الأحياء الفقيرة ولا عن التعذيب، لا نريد أن نعرف ما يفعله الناس إذا كانوا يختلفون مع الحكومة الموالية للغرب، يطلبون منك غضّ النظر عن هذه المواضيع. وبشكل أساسي يظنّ الشخص الموهوب: كم هذا رائع أن تكون هذه المؤسسة مهتمة بحضارتنا. فيبتعد الشخص الموهوب عن طريق المؤسسات ويذهب إلى برلين أو باريس أو لندن، وفجأة يغدو كل شيء رائعاً. فإنها المرة الأولى التي يسافر فيها هذا الشخص إلى بلد أجنبي وكل مصاريف الفندق مدفوعة، ويعبّر هذا الشخص عن حضارته ويعامله الجميع باحترام، ويشعر هذا الشخص بأنه يطأ العالم في عمر الخامسة والعشرين أو الثلاثين، لكنّ الكمين هو في عودة الشخص إلى بلده وقد بات معلقاً، ويعدونه برحلة ثانية لكنهم دائماً يضيفون: لكن أرجوك لا تنخرط في السياسة كثيراً ولا تفعل هذا وذاك رجاء. لا يملون عليه ما يجب أن يفعله تحديداً لكنه يبدأ بالشعور تلقائياً أن هذا ما هو متوقّع منه.

 

زينب الصفار: يشعر أن حول المسائل السياسية خطوطاً حمراء ينبغي عدم تخطّيها. لا أريدك أن تخوض في تفاصيل الحبكة كثيراً لأننا نريد حثّ الناس على قراءة أورورا وهي رواية رائعة وعميقة. أودّ أن تخبرني عن أهم ميزات رواية أورورا أو أهم تأثير فيها. كذلك أريد منك أن تطلعني على جوهر هذه الرواية  وعن الظواهر التي تكشف عنها.

 

أندريه فلتشيك: أولاً، تكشف حقيقة أنه ليس من الممكن تدمير روح الأمّة كلياً على الصعيد الثقافي وحتى إن لم يبق سوى بضعة أشخاص صامدين، ما من شيء يضيع أبداً طالما بقي أشخاص كأورورا، وهم الأشخاص الذين يسيطرون سيطرة كاملة على عقولهم وتفكيرهم ومشاعرهم، وهم الأشخاص المستعدون لفعل أي شيء في سبيل بلدهم. كذلك تحمل الرواية رسالة بأنه لا بدّ من محاربة الإمبريالية الغربية لأنها لن تزول وحدها، إذ يصف الجميع ما يفعله الغرب بالعالم على نحو بسيط بقولهم إن الغربيين جشعون ويريدون وضع يدهم على النفط أو الموارد الطبيعية، لكنني أقول دائماً لا، ليس هذا ما يحدث، فهو ليس العامل الوحيد، لقد كان الغرب مهووساً بالتحكّم لقرون عدّة. الغرب مهووس...

 

زينب الصفار: بالهيمنة.

 

أندريه فلتشيك: نعم بالهيمنة، وذلك نابع من أصول فلسفية ودينية وفكرية، ولا يسعه العيش من دون هذه الهيمنة، فيحتاجها الغربيون بشدّة، ويحتاجون تبرير استعلائهم ويعانون عقدة الاستعلاء، وهذه العقدة مرض، ولا سبيل للتخلّص منه إلا بمحاربته.

 

زينب الصفار: حدث موقف مُضحك جداً في العاصمة السودانية الخرطوم عندما كنت تحاول شرح حبكة أورورا.

 

أندريه فلتشيك: نعم هذا صحيح.

 

زينب الصفار: كان موقفاً مُضحكاً.

 

أندريه فلتشيك: كان مُضحكاً جداً، كنت أعمل مع سيّدة إيريترية سودانية لطيفة جداً وأخبرتني أنها ستعرّفني إلى مخرج شاب من السودان ويرغب بشدّة أن يلتقي بي، فالتقينا في مقهى في بهو أحد الفنادق قبل سفري بيوم وسألتني عن رواية أورورا لأن الرواية كانت قد نشرت للتوّ، فبدأت أشرح الحبكة، قبل ذلك كان المخرج اليافع يطلب مني أن أعود إلى السودان كي يصحبني إلى بلدات قديمة لأراها، مُضيفاً أنه يسعنا العمل معاً وأنه يستطيع أن يريني بلده. أخبرته عن حبكة أورورا في خمس دقائق، ورأيت لون وجهه يتغيّر.

 

زينب الصفار: فرّ وحسب.

 

أندريه فلتشيك: بات لونه أخضر وتراجع ثم انسحب. شعر بالذعر. عندها بدأت تضحك وقال إن الرواية عنه.

 

زينب الصفار: قبل أن نتوقف مع فاصل قصير، اسمح لي أن نقرأ إحدى المراجعات حول أورورا. أورورا شخص ما كان يعرف بالأعمال الأدبية العظمى إذ إنها نادرة في زمانها وتقع في الطليعة في إظهار الوعي والشجاعة والتعبير عن الحاجات الاجتماعية تولّد تجدداً في الفكر والفهم وإدراك المستقبل، وتساهم في تكوّنه، ولا تعبّر عن الحالة البشرية كاملة، بل تساهم في تحوّلها أيضاً، لذا ننصح الجميع بقراءة أورورا، فهي تغصّ بالمعلومات المعمّقة إلى حد بعيد. سنتوقّف مع فاصل قصير، وبعده سنناقش مفهوم الجنوب العالمي والتحديات التي يواجهها. إذاً، فاصل قصير ونعود، لا تذهبوا بعيداً.

 

فاصل

 

زينب الصفار: الجنوب العالمي ويضم أفريقيا وأميركا اللاتينية ومعظم آسيا يواجه اليوم تحديات كبيرة من جانب ويمنح فرصاً حقيقية من جانب آخر. فالاضطرابات والهيجان السياسي والاجتماعي والاقتصادي تسيطر على معظم دول الجنوب العالمي، بيد أن شعوب تلك البلدان وأسواقها الناشئة تعطي الكثير من الأمل للنمو الاقتصادي والاستثمار والمساهمة الثقافية، بحسب الخبراء. أما الانقسام بين الشمال العالمي ويضم الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأوروبا الغربية، والجنوب العالمي فهو انقسام اقتصادي اجتماعي. وبدأت فكرة تصنيف البلدان بحسب وضعها الاقتصادي والتنموي خلال الحرب الباردة مع تصنيفات الشرق والغرب. وقتذاك مثّلت روسيا والصين الشرق، والولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب. أما مصطلح العالم الثالث فقد صيغ من قبل دول رنت إلى الإبحار بين قطبي الحرب الباردة، ما أدى في نهاية المطاف إلى ولادة حركة عدم الانحياز. أندريه فلتشيك المفكّر والروائي والصحافي الاستقصائي الأميركي يشرح إلامَ يشير مصطلح الجنوب العالمي والتحديات التي يواجهها وواقعه اليوم.

 

أندريه فلتشيك: الجنوب العالمي حسب فهمي له تفسيرات عدّة، لكنه بالنسبة لي يشير إلى البلدان التي تقع في النصف الجنوبي للكرة الأرضية فحسب، ولا تقع إلى جنوب المراكز الإمبريالية كالولايات المتحدة فحسب، كالجنوب من نهر "ريو غراندي" أو إلى الجنوب من الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، أو إلى الجنوب من أوروبا في حوض البحر الأبيض المتوسّط، أو حتى إلى الجنوب من اليابان وكوريا والجنوبية، إنما في الواقع هي مجموعة بلدان..

 

زينب الصفار: مجموعة ضخمة من البلدان.

 

أندريه فلتشيك: تضمّ معظم البلدان، وهي البلدان التي تعرّضت للاضطهاد وخضعت للسيطرة.

 

زينب الصفار: تشمل حوالى 157 دولة من أصل 184.

 

أندريه فلتشيك: هذا صحيح تماماً

 

زينب الصفار: ماذا بشأن هذه الدول؟

 

أندريه فلتشيك: هذه الدول إما أنها لم تتمتّع باستقلالية قط، بالرغم من أنه جرى إنهاء الاستعمار فيها بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يكتمل قط، أو أنها تقف أو تحاول الوقوف بنفسها، وتكون في طور المحاربة للحصول على استقلال فعلي.

 

زينب الصفار: ما حال الجنوب العالمي اليوم؟

 

أندريه فلتشيك: على أيّ صعيد؟

 

زينب الصفار: على صعد عدّة، فلنتناول مُعاناة الناس والتحدّيات التي يواجهونها. اسمح لي أن اقرأ فقرة من هنا، مفادها أنه لا بدّ من الإشارة إلى أن شعوب هذه الأمم تعاني أصعب أشكال بعض التحديات الكبرى التي يواجهها المجتمع الدولي في هذه الألفية كالفقر والتدهور البيئي وانتهاك حقوق الإنسان وتلك المدنية، والصراعات الإثنية، والإقليمية ونزوح اللاجئين الجماعي، فضلاً عن مُعاناة الجوع والأمراض، هل بإمكانك إعطاءنا مثالاً عن مقاومة الجنوب العالمي في وجه الإمبراطورية ووجه كل هذه التحديات؟

 

أندريه فلتشيك: أولاً، كتبت عن هذا الموضوع كثيراً ولا سيما خلال السنتين أو الثلاث الماضية. أعتقد أن الإمبريالية هي المشكلة الأساسية التي يواجهها العالم اليوم، وبالطبع أعني الإمبريالية الغربية لأن الدول كاليابان التي مرّت في المرحلة الإمبريالية، لم يدم ذلك الفساد فيها طويلاً، اقتصر على عقود قليلة، أما الغرب فهو كذلك منذ قرون كثيرة. وبعدما عملت في حوالى 160 دولة، أنا مقتنع بأنه إذا ردع الغرب ووضع حد للإمبريالية الغربية على العالم بشكل مستمر. سيتوصل باقي العالم إلى حلول، ولا أعتقد أن الحروب ستستمرّ بعد ذلك. أرى أن لكل بلد حضارته وطريقته الطبيعية لوضع نُظم اقتصادية واجتماعية، ونُظم لتوزيع الثروة وما إلى ذلك، لذا أعتقد أن الحل الأفضل والوحيد لكل ما يجري هو وضع حد للإمبريالية، وبرأيي علينا جميعاً أن نتّحد لذلك، ونعمل في سبيل تحقيق هذا الهدف ونناضل من أجله، إذ يمكننا أن نحلّ لاحقاً جميع الاختلافات بيننا الآن. ولا نزال الآن في حال طوارئ إذ لا يتمتّع معظم الدول بالحرية، ولا نملك حرية أن ننطلق في سبيلنا وأن نتبع أسلوب الحياة الخاص بنا وأن نعيش وفقاً لحضارتنا، فيجري حرف كل شيء والسيطرة عليه وتدميره عندما يجرؤ أحد على الوقوف في وجه مصالح الإمبراطورية، أي الإمبراطورية الغربية غالباً. أعتقد أن العالم يتغيّر، والكثير من الناس متشائمون، أما أنا فلا، بل أنا متفائل كثيراً. أرى أننا واجهنا بعض الانتكاسات خلال هذا النضال كما شاهدنا خلال السنوات القليلة الماضية.

 

زينب الصفار: بالرغم من كل ما يحدث في أميركا اللاتينية وفي الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وبالرغم من كل النزاعات وبالرغم من موجة تدهور الحركة اليسارية على سبيل المثال، وانحسار المد الوردي في أميركا اللاتينية إضافة إلى جميع النزاعات في العالم العربي، ولا تشعر بالتشاؤم بالرغم من كل هذا؟

 

أندريه فلتشيك: كلا على الإطلاق. لقد واجهنا بعض الانتكاسات وواجهنا كثيراً منها في العام الفائت في أميركا اللاتينية العزيزة على قلبي وسأعود إلى هناك في هذا العام. رأيت كيف انهارت البرازيل، ورأيت كيف انهارت الأرجنتين وكانتا انتكاستين فظيعتين، وفنزويلا على شفير الانهيار ولا نعلم كم ستصمد، بالرغم من أننا جميعاً نحارب من أجل ذلك قدر المستطاع، وصحيح أن الشرق الأوسط شهد صراعات خطرة جداً كالصراع الذي دار بين اليمن مثلاً وهو صراع خطر وشديد جداً، لكننا نرى بوادر إيجابية جداً، كما في سوريا، فلنأمل أننا فزنا، فلنأمل أن تنتصر سوريا، لذا أدعو حلب بستالينغراد القرن الواحد والعشرين دفع الناس الثمن غالياً ولكنهم نهضوا وانتصروا.

 

زينب الصفار: ذكرت في إحدى مقالاتك الحديثة: من يمثل التهديد الأكبر، هل هم اللاجئون غير الشرعيين الذين يبلغ عددهم نحو 300 ألف، الذين هربوا من بلدان زعزع الغرب الاستقرار فيها أو دمّرها؟ أم هم ملايين الغربيين الذين يفرّون سنوياً من نظام حياتهم الباعث على الكآبة ويفرضون أنفسهم بكل أنانية على الكثير من البلدان الأضعف اقتصادياً، وبالتالي الأكثر عرضة للتضرّر. لم تعبّر عن مخاوف كهذه بهذه الطريقة؟

 

أندريه فلتشيك: أعيش في جميع أنحاء العالم، وأرى أن ما لا يتم التطرّق إليه في الغرب ولا حتى في البلدان التي تقع ضحية كل هذا هو جيش المهاجرين في كل ما للكلمة من معنى، من العالم الغربي، ويملأون أماكن كتايلاند وإندونيسيا والفلبين حتى، كذلك مثل كمبوديا وأميركا الجنوبية وغيرها. ومن المهم أن يفهم المرء أن الأشخاص الذين يسيطرون على العالم، سكان البلدان التي تسيطر على العالم ليسوا سعداء كثيراً بما حياتهم عليه، فهم لا يستمتعون بحياتهم بل يفضّلون أكثر العيش في بلد مثل فييتنام أو تايلاند بدلاً من العيش في باريس أو لندن أو ألمانيا أو حتى الولايات المتحدة. أنا من إندونيسيا، ويمكنني أن أطرح عليك مثلاً منها، في الجزر الإندونيسية مثل "لوميوك" أو "بالي" خسر السكان المحليون كل شيء، وما عادوا يستطيعون الوصول إلى الشاطئ بالرغم من أن في إندونيسيا قوانين تحمي الأراضي وتمنع بيعها للأجانب، لكنهم دائماً يجدون طريقة للتلاعب على القوانين، فيتزوّج الأجانب من السكان المحليين أو يتّفقون معهم، وفي النهاية وقعت الأراضي في أيدي الأجانب. نعم، خسرنا جميع الأراضي، ولم يعد بالإمكان الوصول إلى الشاطئ في هاتين الجزيرتين.

 

زينب الصفار: يمكننا مواصلة هذا الحديث أكثر فأكثر، ومن المؤلم جداً رؤية تحويل بلدان هذه إلى غير ما هي عليه على يد الأجانب الذين احتلوها من خلال سبل ملتوية عدّة. أخشى أن علينا أن نتوقّف الآن. أندريه فلتشيك، الفيلسوف والمنتج والروائي والصحافي الاستقصائي، شكراً جزيلاً لانضمامك إلينا، وستنضم إلينا في الأسبوع المقبل لتتحدّث  عن مختلف أنواع الإرهاب ولا سيما الإرهاب الغربي وأشكاله وتعاريفه.

 

أندريه فلتشيك: بالطبع زينب، شكراً.

 

زينب الصفار: أنت دائماً موضع ترحيب. إذاً، لقاء يتجدّد مع أندريه فلتشيك للحديث أكثر عن الإرهاب، عن توصيفات الإرهاب وأشكاله المتنوّعة. السلام عليكم ورحمة الله.