فقه الإبادة ونكث العهود

عظم الله أجوركم في ضحايا الإرهاب الأعمى الذي بات يبيد الأبرياء والمدنيين في خط طنجة – جاكرتا ففي شهر الله شهر رجب الأصب والأصم حيث وجوب الكف عن قتال الكفار, ينطلق الجاهليون الجدد ليمارسوا فعل الإبادة في أكثر من دولة عربية وإٍسلامية يبيدون بالمفخخات والناسفات الشيوخ والأطفال والنساء المسلمين والمؤمنين ويقتلون المسيحيين ويفجرون المساجد والكنائس والمعابد ومقامات الأولياء الأصفياء والأنبياء الأتقياء والعباد الأطهار والحسينيات. إبادات متنقلة في المغرب العربي كما في مشرقه فمن مجزرة الكرادة وسبايكر في العراق إلى مجزرة كفريا والفوعة وإلى مجازر مصر ضد أتباع سيدنا عيسى عليهم السلام في كنائسهم ومن جهة أخرى لماذا تنكث جماعات القتل بالعهود والمصالحات كما حدث في الفوعة وكفريا, هل نكث الرسول عهدا أو صلحا أبرمه مع مشرك

التفاصيل

يحيى أبو زكريا: حيّاكُمُ الله وبيّاكُمُ وجعل الجنّة مثواكُمُ، وعظّمَ الله أجورَكُم في ضحايا الإرهاب الأعمى الذي بات يبيدُ الأبرياء والمدنيّين في خطّ طنجة جاكرتا.

لم يعد الجاهليّون الجدُدُ وفقهُهم التكفيريّ وثقافة الإبادة التي يحملونها يكترثون لأبسط قضايا الشرع الإسلامي، وكيف يكترثون وقد جاؤونا بدينٍ جديد وفقهٍ جديد ما أنزل الله به من سلطان. ففي شهر الله، شهر رجب الأصب والأصم حيث وجوب الكفّ عن قتال الكُفّار، ينطلق الجاهليّون الجُدُد ليمارسوا فعلَ الإبادة في أكثر من دولةٍ عربيّةٍ وإسلاميّةٍ، يبيدون بالمفخّخات والناسفات الشيوخ والأطفال والنساء، المسلمين والمؤمنين، ويقتلون المسيحيّين ويفجّرون المساجد والكنائس والمعابد، ومقامات الأولياء الأصفياء والأنبياء الأتقياء والعُبّاد الأطهار والحُسينيّات.

إباداتٌ متنقلّة في المغرب العربي كما في مشرقه، فمن مجزرة الكرادة وسبايكر في العراق، إلى مجزرة كفريا والفوعة، وإلى مجازر مصر ضدّ أتباع سيّدنا عيسى عليه السلام في كنائسهم، تتبلور معالم فقه إبادةٍ، فقه هولوكوست ضدّ الأمّة العربيّة والإسلاميّة. لقد حرص القرآن والسّنّة النبوية الصحيحة وجمهور العلماء الصالحين أن لا قتال في الأشهر الحُرم، وتحديداً في شهر رجب، وإذا كانت مُقاتلة الكُفّار المُعتدين على ديار الإسلام معطَّلة في هذه الأشهر، فماذا عن مُقاتلة المسلمين وإبادتهم ونحر رقابهم بالمئات والآلاف؟

إنّ الفقه الدموي ومهرجانات القتل وكرنفالات التفخيخ وفرجة الدم منافيةٌ قلباً وقالباً للإسلام، وإذا كان العقلاء يقرّون ذلك، فلماذا صمت العلماء والمؤسّسات العلمية والمجمعات الفقهية والجامعة العربية والمؤسسات الإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي والتجمّعات الشرعية الدولية عن القتل المهرجانيّ العشوائيّ للمسلمين في سوريا والعراق وليبيا وتونس وأفغانستان وباكستان وأندونيسيا، وقريباً مجزرة كفريا والفوعة.  ألا يؤدّي صمت العلماء إلى إقرار أعمال الجاهليين الجُدد، وبالتالي ستظنّ الأجيال المقبلة أن الجاهليين الجُدد كانوا على حقٍ، تماماً كما غولط جيلنا في الراهن بسبب مذابح سابقة اعتبرناها من الإسلام بسبب صمت عُلماء ذلك الزمان؟

وقد ورد في كتاب "مسائل في فقه الجهاد" لأبي عبد الله المهاجر واسمه الحقيقي عبد الرحمن العلي من مصر والذي درس في باكستان وكان من الأفغان العرب، يقول في كتابه، لا يفرَّق بين مدني وعسكري، بين مسلم وكافر، والكافر مُباح الدم أياً كان عمله ومحله، والكافر في نظره هو غير المُوالي لهم ودار الحرب هي التي يسود فيها الكفر وبلاد المسلمين هي دار كفر بهذا اللحاظ. وهذا الكتاب أصبح المرجعية الفقهية لأبي مصعب الزرقاوي مؤسّس تنظيم الدولة، وأصبح مرجعاً لمعظم تنظيمات الجاهلية الجديدة.

ومن جهةٍ أخرى، لماذا تنكث جماعات القتل بالعهود والمصالحات كما حدث ذلك في الفوعة وكفريا؟ هل نكث الرسول عهداً أو صلحاً أبرمه مع مُشرك؟

فقه الإبادة ونكث العهود عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الدكتور محمود سعيد ممدوح المفكّر الإسلاميّ، ومن الأردن الحبيب الشيخ الفاضل مصطفى أبو رمان الداعية الإسلامية المعروف.

مرحباً بكم جميعاً.

 

مصطفى أبو رمان: مرحباً بكم.

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: إنا لله وإنا إليه راجعون. دكتور محمود سعيد ممدوح، ربّما أستعير عبارة أبي العلاء المعرّي في ما قاله، غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنّم شاد.

قد لم يعد مجدياً أن نقول هذا من الإسلام، بل صار ما يفعله التكفيريون من مجازر هنا وهناك، وأخيراً في سوريا العربية في كفريا والفوعة، صار فقهًا مباركاً، بدليل صمت كل العلماء، المؤسسات الدينية. لماذا هذا الصمت؟ هل هذا الفقه أوصى به الإسلام؟

 

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله الأكرمين، ورضي الله عن أصحابه وعن التابعين، وبعد.

الحقيقة يا دكتور يحيى، العلماء في عصرنا هذا على أقسام، علماءٌ يدورون في فلك الأنظمة، وعلماءٌ كُتِب عليهم السكوت وغُيّبوا، وعلماءٌ يحاولون أن يتكلّموا، فلا أحبّ أن أضع الجميع في بوتقةٍ واحدة لأنّ الأمر في غاية الصعوبة.

 

يحيى أبو زكريا: نعم.

 

محمود ممدوح: الأمر الثاني، الإرهاب لا يختصّ بالمسلمين فقط، غيرُ المسلمين يمارسون الإرهاب على المسلمين تقريباً يومياً، في حملاتٍ مُتتابعة، في قنابل لم يُصنَع مثلُها على الإطلاق، وهم يؤيّدون ما يحدث في بلادنا لأنّ الذي يحدث له تحليلات كثيرة، من ضمنها أنّ هذه حروب استنزافيّة، تستنزف الدّماء والأموال، فهناك طرَفٌ مستفيدٌ من هذه الحروب، وهذا الطرف غير إسلامي، وهو معروفٌ لنا جميعاً.

الأمر الثالث، إنّ الله سبحانه وتعالى أخذ على العلماء الميثاق بأن يبيّنوا وبأن يعرّفوا وبأن لا يسكتوا، ولكن كلٌ بحسب استطاعته، وأنا أرى أنّ الاستطاعة الكبيرة في وقتنا هذا هي استطاعة المنظّمات الكبيرة التي لها صوتٌ كبير، أما إنسانٌ ضعيفٌ، عالِمٌ منعزلٌ في نفسه أو مغلَّقٌ عليه أو مبعَدٌ، هذا لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ولكن هناك كما ذكرتم منظمات إسلامية، في مجمع الفقه الإسلامي في جدّة، هذا المجمع يحوي جميع المذاهب الإسلامية، من أهل السّنّة، من الإمامية، من الزيدية، من الإباضية. أين هو الآن؟ أين كلمته؟ هو مغيَّبٌ تماماً، كذلك منظمة التضامن الإسلامي، مجمع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هو يسكت، ولكنّه أحياناً يتحدّث بطريقةٍ لها ميولٌ سياسية إلى أناسٍ مُعيّنين. وكذلك أريد أن أبيّن، الإمامية عندهم معاهد إسلامية عظيمة جداً وجامعات إسلامية وحوزات، والقائمون عليها علماء، ولهم حرية كبيرة، فأتمنّى أن يتكلّم هؤلاء أيضاً ولا يسكتوا لأن الأمر تجاوز الكثير، كل يوم، كنا بداية نقول هنا انفجار مات فيه إثنان أو أصيب ثلاثة، ولكن الآن الانفجار يحصد العشرات بل يحصد المئات وحروبٌ بالكيماويات وإنسانٌ يأتي من أقصى البلاد بطائرات تضرب بلاد المسلمين، الموصل فيه مشاكل، والشام كله فيه مشاكل، اليمن، حروب لا فائدة من ورائها ولا طائل، حرب اليمن ما الفائدة من ورائها ولا طائل. والله إنني أرى في نفسي أن الذين يشنّون الحرب في اليمن لا يريدون هذه الحرب ولكنها عملية تجديد وعملية اشتغال بتجديد الترسانة العسكرية وصرف أموال، حربٌ لمدة سنتين من أجل هادي منصور؟ هذا إنسان، لا يعقل هذا إطلاقاً، فهذا ما قيمته هو، وإذا كنتم أنتم تريدون الشرعية لهادي منصور فأنتم خمدتم الشرعية وأخذتم الشرعية من غيره، حروبُ سنتين على اليمن. أنا أرى أن الذي يحارب يريد أن يقف ولكنها حروب استنزافية على أموال المسلمين، على دماء المسلمين.

وبناءً على ذلك، نرى أنّ الدول الكبرى هي في حروبٍ دائمة على بلاد المسلمين. أنظر ماذا حدث في الثلاثين سنة الأخيرة. حربٌ بين العراق وإيران، ما هي النتيجة؟ ضياع أموال المسلمين، ثمّ بعد ذلك ضياع العراق، ومن غزو العراق إلى وقتنا هذا، هذا الغزو الذي حدث من دون أيّ مبرّرٍ على الإطلاق، وضاعت فيه الأموال والأرواح، وكم حصدنا من هذه الحروب، ولكنهم يريدون أن يجدّدوا ويعيشوا في حربٍ دائمة، يريدون أن يعيشوا في حربٍ مستمرّة دائماً، لماذا؟ لاستنزاف الأموال واستنزاف الثروات، فنحن مخطئون وعلماؤنا مخطئون الذين في يدهم الكلام، ولكن هؤلاء أيضاً الذين يأتون إلينا من هنا وهنا ويصرّفون أموالهم في داخل أرضنا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، ما كان للاستكبار العالمي والإرادات الغربية أن تفّجر الأمن القومي العربي لولا غباء وحماقة المسلمين.

 

محمود ممدوح: صح، صح.

 

يحيى أبو زكريا: ولولا هذا التصدّع في الوعي العربي والإسلامي، وغياب العلماء الربّانيين. نعم، نحن نقرّ أنكم تنكرون ما يحدث هنا وهناك، لكن علماء الريال والدولار هم الذين يملكون الفضائيّات والسطوة، وهم الممكّنون.

 

محمود ممدوح: الذين في المنظمات.

 

يحيى أبو زكريا: دعني أنتقل إلى الأردن الحبيب من فضلك لاستكمال الرؤية.

سماحة الشيخ مصطفى أبو رمان، هذا الفقه الذي بدأ يتبلور، فقه الإبادة، بدأوا بقتل دركي، شرطيّ، عنصر أمن، شخص يُتّهم بأنه موالٍ للنظام، فكنّا نسكت ونصمت. اليوم تطوّر القتل، باتت شعوب تُباد عن بِكرة أبيها، تُحرَق عن بِكرة أبيها، نحن أمام ظاهرة في غاية الخطورة، نحن في الرأي العام الغربي مجانين متوحّشون. أهكذا هم المسلمون؟ يُذبَحون ويُقتَلون بالمئات والآلاف؟

 

مصطفى أبو رمان: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيّدنا ومولانا محمّد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيّبين الطاهرين وأصحابه المُتّقين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حيّاكم الله دكتورنا العزيز.

 

يحيى أبو زكريا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

مصطفى أبو رمان: وأنا شاكر جداً لكم على هذه الإستضافة وتحيّاتي للدكتور محمود سعيد ممدوح وهو لا يعرفني تقريباً ولكن أنا أعرفه من كُتبه ومؤلّفاته.

 

محمود ممدوح: أهلاً وسهلاً.

 

مصطفى أبو رمان: فهذا شرفٌ عظيم لي أن أكون برفقة الدكتور محمود معكم يا دكتور يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله.

 

مصطفى أبو رمان: حقيقة نحن عندما بدأنا بحديثنا قلنا بسم الله الرحمن الرحيم، وعندما نبدأ بصلاتنا بعد البسملة نقول الحمد لله رب العالمين، لكن للأسف الشديد جداً أننا أمام هذه الظاهرة التي أنت تذكرها سيّدي الدكتور يحيى، هذه الظاهرة، لو تفكّرت فقط في هاتين الآيتين بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لكن ظنّ هؤلاء أنّ هذا الربّ ربّهم فقط وأنه إله مذهبهم ودينهم وطائفتهم، ونسوا أن الله عزّ وجل لهو ربّ العالمين، وهذه الكلمة لها دلالاتها الكثيرة، ونحن كمسلمين ولله الحمد، أتباع نبيّنا نبيّ الرحمة رحمة للعالمين وللناس كافة، كان يجب علينا أن نقف في وجه هذا المذهب الذي دُعِم مالياً ومادياً وإعلامياً ولوجستياً، حتى أصبح الناس يعتقدون أنه هو مرجعيّتهم في دين الله عزّ وجلّ. هذه الآن الثقافة المنتشرة الدينية في نفوس الناس على أنّ هذا هو الدين وأنّ دين الله عزّ وجلّ منحصرٌ في ما يقول هؤلاء الذين أتيحت لهم الفرصة أن يتحدّثوا، وكما قال الدكتور محمود بتقسيمه للعُلماء، علماء سلاطين وعلماء سكوت وعلماء يتحدّثون أو يحاولون الكلام، هناك علماء يتكلّمون، لكن لا يُسمَع لهم، وإذا سُمِع لهم لا يفهمون كلامهم أو أنهم لا يوجد لهم، كما أتاحت الميادين بارك الله فيهم، في مجالات كثيرة، في أ ل م وحرّر عقلك والبرامج التي هي نهضة للأمّة، نسأل الله تعالى أن يتوجّه هؤلاء، يتغيّروا من تلك القنوات إلى مثل هذه القناة وغيرها ممّا تدعو إلى الحق وإلى العدل وإلى الرحمة وإلى الإنسانية وإلى دعوة الله الصحيحة الأصيلة من كتاب الله عزّ وجلّ ومن سُنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

أيضاً بالنسبة لقولكم لولا ضعف المسلمين، هناك ما هو أشدّ من الضعف، وأشدّ من الفرقة، وأشدّ من هذا التشرذم الذي نحن فيه، وهو أنّ الناس عقولهم غائبة، وأتحدّث عن هؤلاء المُتديّنين وهؤلاء الشباب الذين غُرِست فيهم عقيدة الولاء والبراء، فأصبح يقتل كما قلتم الشرطيّ والدركيّ والإنسان العاديّ، ويقتل كلّ إنسان لأنه إما ليس على مذهبه ولا على دينه، أو أنّه ليس منطوياً تحت أيديولوجيّته التي يدعو إليها، فهو يرى أنه هو صاحب ملك الجنة، وأنه هو صاحب الكلمة الفصل، وأنه هو خليفة وإمام المسلمين، وقوله يجب أن يتّبعه جميع الناس وليس فقط أبناء أمّته الإسلاميّة.

هذه الإبادة التي نراها، سواء كانت من قانا إلى كفريا والفوعة، رأينا حقيقةً ازدواجيّة المعايير، رأينا كيف أنهم أثاروا ضجّةً إعلاميّة على خان شيخون، وهي كذب وتمثيليّة ومسرحيّة، ولكن هذه الحقيقية وأمام أعين الناس تناثرت الأشلاء، أشلاء الأطفال والنساء الذين تجمّعوا ليأخذوا خبزاً وماءً من هذه السيارة، فكانت السيارة ليست مجرّد مفخّخة ولكنها كانت فخاً لتجمعهم حولها ثمّ تقتلهم، هذه الطريقة وهذا الأسلوب حتى الشيطان يعجز عنه. للأسف الشديد جداً أننا أيضاً كان يجب علينا، الآن هذه العملية حدث مثلها كثير جداً من المفخّخات والسيارات المُلغّمة وغيرها، كان يجب علينا أن نضع الوعي في أطفالنا ونسائنا، أن لا يقتربوا من كل شيءٍ أيضاً. لكن أين منظمات حقوق الإنسان التي كانت تُنادي في خان شيخون على أن هناك كيماوياً؟ أين الأمم المتحدة التي أصدرت القرارات من دون تحقيق؟ هذه لا تحتاج لا للتحقيق ولا تحتاج إلى لجان لتبحث فيها، هذه أمام أعين البشر جميعاً، مذبحةٌ في كلّ المقاييس، فلماذا نحن ننظر إلى جهةٍ أنّها جريمة حرب، وإلى غيرها ليست بجريمة؟ كلّ ما كان، هل تغيب عن أذهاننا مجزرة قانا، فكيف تغيب عنا مجزرة كفريا والفوعة؟ هؤلاء الأطفال والنساء والأبرياء، وأيضاً حتى الذين في الكنائس مَن أباح قتلهم؟ تقول يا دكتور يحيى أيضاً، في رجب المُحرّم، هو حُرمة الدم، أيضاً في كلّ يوم، في كلّ ساعة، حرّمها الله عزّ وجل وحرّمها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحرّمتها جميع الأديان وجميع الطوائف والمذاهب، فبأي حق وبأي دين وفي أي قانون يفعلون ذلك؟

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى، دعني أعود إلى مصر مجدّداً لأطرح سؤالاًً في اتجاه آخر.

سماحة الدكتور محمود، تقريباً نحن في الحلقة 280 من برنامج أ ل م، 280 حلقة.

 

محمود ممدوح: ما شاء الله، ما شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: ويشهد الله في كل حلقة أقدّم تعازيّ للمسلمين عن قنبلة انفجرت، عن مُفخّخة تحطمّت، عن مسجدٍ قُصِف، وما زلت.

أريد أن تعطيني السبيل الأمثل للخروج من عنق الزجاجة وفقه الدماء بالكامل، لكن تجيبني من فضلك بعد الفاصل مباشرةً.

 

محمود ممدوح: إن شاء الله تعالى.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا فاصلٌ قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: اللّهم يا قاسم الجبّارين ويا ربّ المُستضعفين اقصم ظهر كل من يروّج الفتنة بين المسلمين ويبيح دماءهم.

 

مصطفى أبو رمان: يا ربّ، أمين.

 

يحيى أبو زكريا: ويقتلهم أشلاء فُرادى ووحدانا وجماعات، يا ربّ العالمين ارفع هذه الغُمّة عن هذه الأمّة.

دكتور محمود، كنت قد سألتك، كيف نخرج من فقه الدماء إلى فقه الحوار والمصالحة والوئام والتلاقي؟

 

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم، سؤال عظيم وجليل. يا دكتور، أتصوّر أنّ الأمر هو أمرٌ فكريّ في المقام الأول، وأصحاب الفكر يتحمّلون المسؤولية الكبيرة في هذه المرحلة.

المتصارعون في بلاد المسلمين يختلفون من بلدٍ إلى آخر، فلو تحدّثنا عن الشام وعن العراق، نجد أنّ هناك صراعاً فعلاً بين الفكر التكفيري وبين الشيعة الإمامية، وهذا أمرٌ ظاهر، والذي يؤجّج هذا الصراع هو الإعلام، الإعلام وبعض العُلماء كذلك الذين أنشأوا استقطاباً كبيراً بين المسلمين، فوجدنا بعض الناس يقولون إنّ هؤلاء من المجوس، إنّ هؤلاء هم أشدّ عداوة لنا من فلان وفلان، وهم أبناء جلدتنا، يشهدون أن لا إله إلا الله، يصلّون، يصومون، يحجّون، يزكّون، مؤمنون كاملون بنص حديث جبريل عندما سأل النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ما الإيمان، قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. هؤلاء المؤمنون بنص حديث جبريل الذي في الصحيحين وفي غيرهما.

إذاً ما الذي يمنعنا من أن نجلس جميعاً وأن نتكلّم في ما بيننا؟ لأنّ الحقيقة، هذه الحروب إنما أنشئت لغير صالح المسلمين، هذه الحروب المستفيد الأول منها إسرائيل، ينبغي أن نعرف ذلك، وهذه الحروب إنما أنشئت من أجل هذا الكيان لكي يعطّل فلاناً وفلاناً عن عمل الجهاد الذي يقوم به.

فالحقيقة، أنا أقول، هناك تقاعس، تقاعس من المؤسسات العلمية، سواء من الإمامية أو من هؤلاء الذين يُحسَبون على أهل السنّة والجماعة. لا بدّ من أن يظهر العلماء خاصة في المؤسسات العلمية الكبيرة، وأن يبيّنوا. إن سكت هؤلاء المتطرّفون أو التكفيريون، ففي الطرف الآخر، يبيّنون للناس، لا فرق بين مسلم وآخر، نحن مؤمنون مثلكم تماماً، بنص حديث رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم المدوَّن في كُتب السنّة. إذاً لماذا هذا التكفير؟ أنا أقول أن هذا هو هو المفتاح الذي يمكن أن يحلحل الموضوع، فإذا كان كذلك ستجد في الطرف المقابل من يُعاديك ويقول أنت كذا وأنت كذا وأنت كذا، ولكن هذه الدعوة ستستقطب أناساً من هنا وهنا وممكن أن تحلّ هذه الأمور.

أقول إن الإمامية عليهم مسؤولية كبيرة، لماذا؟ لأن الحقيقة عند الشيعة هناك مسألة عظيمة هي الاهتمام بالإمامة، فلا يقوم على أمر المسلمين إلا العالِم، وهذا الذي نراه الآن، والعالِم عليه مسؤولية أساسية، السيّد علي خامنئي عالِم ومرجع إسلامي كبير، وهناك مؤسسات كبيرة في إيران، وهذه المؤسسات تقوم عليها مراجع علمية عظيمة وفي الحوزات مراجع كبيرة، هؤلاء عليهم مسؤولية. أما علماء أهل السنّة، في الغالب فهم مستضعَفون لا يستطيعون الكلام ومؤسساتهم كذلك موجّهة، موجّهة توجيهات، لأن هذه المؤسسات لها من يمّولها والذي يمّولها يوجّهها إلى هذا الوجه وإلى هذا الوجه.

 

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور محمود، إذا سمحت، أريد أن أستفسر عن مسألةٍ. أشرت إلى السيّد علي خامنئي مُرشد الجمهورية الإسلامية.

 

محمود ممدوح: عالِم علاّمة لماذا لا نستفيد منه؟ عالِم علاّمة، أنا أعرف أن أتحدّث معه، العالِم يتحدّث معه.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، أنت تتكلّم معه وهو يسمعك. السؤال، أصدر فتوى مفادها يحرُمُ على الشيعة أن يسبّوا الصحابة أو أن يذمّوا أمّهات المؤمنين.

 

محمود ممدوح: شيء عظيم.

 

يحيى أبو زكريا: قام فريق من السنّة قالوا هو يستخدم التقية، هو يريد أن يتقي ليتغلغل ويتسلل إلى قلب العالم الإسلامي. هنالك سوء تفاهم بين الفريقين للأسف الشديد.

 

محمود ممدوح: يا سيّدي ليس سوء تفاهم، في كل مذهب غُلاة، في كل مذهب غُلاة، ونحن لنا الظاهر، المشكلة يا دكتور، الآن السيّد علي خامنئي علاّمة، وتكلّم بطريقة العلماء، نحن أهل السنّة كذلك لا نعرف ما الذي عند الشيعة. هذه مشكلة كبيرة، نحن نتحارب الآن، إلى متى؟ هناك من أهل السنّة من يترضّون على مَن حارب علياً وسبّه ولعنه وآذى أهل بيته وقهرهم وظلمهم وأبعدهم، نحن عندنا في أهل السنّة ذلك، ولكننا لا نعرف هذا، فكيف نعرف؟ يكون هذا بالجلوس للحوار وعلى الطاولة وعلى البيان، فنعذر هؤلاء، وهؤلاء يعذروننا، والله سبحانه وتعالى يقول "وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا".

لماذا أنا ألقي المسؤولية الكبرى على الإمامية؟ لأنّ المؤسّسات التي عندهم هي مؤسّسات علميّة ولها حرية، وكذلك هناك مسؤولية كبيرة على المتطرّفين والفكر الوهّابي عند المسلمين ينبغي الوقوف. أنتم الآن ذكرتم كتاباً في أفغانستان يتحدّث عن التكفير.

 

يحيى أبو زكريا: مسائل الجهاد.

 

محمود ممدوح: أين الردّ عليه من المؤسسات الإسلامية؟ أين الردّ عليه؟ أين الكلام عليه؟ هذا أهل السنّة ولا بدّ علينا أن نبيّن هذا، المؤسسات الإسلامية ينبغي أن تقوم بالدور الكامل لا سيما أن هؤلاء لهم عناية ولهم معرفة ومؤسسات فيها جانب كبير من الحرية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، طبعاً أنت أشرت إلى نقاط، سنخصّص حلقات مقبلة لكيفية تلاقي المسلمين ووحدتهم، ومن حقّك وحقّي وحق الشيخ الفاضل مصطفى أن ندعو إلى تلاقي المسلمين بكل مذاهبهم. أرجو أن تبقى معي.

سماحة الداعية الشيخ مصطفى، عندما وقعت أحداث كفريا والفوعة، كان هنالك ما يسمّى بتوافق بين السلطة السورية والجماعات المسلّحة لإخراج المدنيين الأبرياء من كفريا والفوعة، ووقع نكثٌ للعهد إن صحّ التعبير، وتراجع عن الاتفاق الذي تم بين الطرفين بوساطةٍ ثالثة ورابعة.

ما هو حُكم الإسلام في نقض العهود ونكثها، خصوصاً في مسألةٍ كبيرة تتعلّق بعصمة الأرواح والأنفس والدماء؟

 

مصطفى أبو رمان: جزاكم الله خيراً. أولاً اسمح لي أن أقول لك 280 حلقة إن شاء الله في ميزان حسناتك والقيّمين على قناة الميادين.

 

يحيى أبو زكريا: أعزّك الله، يا رب.

 

مصطفى أبو رمان: عندما بدأت بالحلقة الأولى وربما كان المتابعون بالعشرات أو بالمئات ثم بدأ يزداد العدد بالآلاف، صدّقني الآن، أتباعك والسامعون لك بالملايين.

 

يحيى أبو زكريا: أعزّك الله.

 

مصطفى أبو رمان: عندما بدأنا أيضاً بفكرة تحرير العقل من الصنمية والتقليد، بدأنا بأعداد على وسائل التواصل الاجتماعي بأعدادٍ قليلة، وأصبح الآن العداد مغلقاً، صدّقني، لأن الناس يحبّون أن يسمعوا هذه الوسطية والاعتدال والدعوة إلى أصول الدين.

أما بالنسبة لما سألتني يا سيّدي، المصالحة التي حدثت بين الحكومة السورية والمعارضة تحتاج إلى مصداقيّة، مكاشفة، كشف المتنازَع عليه، قبل أن نقول مصالحة، لأنه لا يؤمَن غدر الغادرين سابقاً، الذي يغدر مرة يغدر مرّات، ليست المصالحة كما يفعل المنافق، ابتسامة وكلمات معسولة ووجه أصفر إلى غير ذلك، المصالحة مُكاشفة، المصالحة فضّ النزاع، المصالحة أن نكون صادقين، يكون هناك مصداقية. عندما تحدّث الله عزّ وجلّ عن الخلاف في القرآن، تحدّث منذ ابني آدم، عندما تُقبّل من أحدهما ولم يُتقبَّل من الآخر، طبيعة الخلاف بين البشر موجودة، ولكن،" وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ".

هل يعلم هذا الإنسان الذي ينقض العهد أنه سيُسأَل عن هذا الموقف الذي اتّخذه وعمل ما عمل؟ "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ". مَن؟ الإنس والجنّ، جميع المخلوقات، سيُسأَلون عن كل عهد كان بينهم، ولهذا، "وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً"، وكم كانت من الآيات الكريمة في كتاب الله عزّ وجلّ عن العهد والوعد والوفاء به، وهؤلاء "لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ".

 لهذا، عندما نتحدّث عن العهد يجب أن يكون بين المؤمنين المُتخاصمين، هم مُتخاصمون ومؤمنون، ولكن يجب أن يكون ذلك، "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ"، كما يقول ابن عاشور، أي إلى كتاب الله وسُنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم. لهذا، عندما نذهب إلى الآيات الله عزّ وجل يقول "وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ". الله عزّ وجلّ خالق الإنسان يعرف أنهم سيختلفون، لكن هناك عهود ومواثيق بين، حتى مع المشركين، كان للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، عهود ومن ينقض العهد، هو الذي، كما يقولون "جنت على نفسها براقش فنقض العهد".

نقض العهد لرفع الخلاف أو العهد نفسه لرفع الخلاف وحل النزاع وعودة المياه إلى مجاريها ولرفع المنكر ونشر المعروف، لكن للأسف الشديد جداً أنّ هؤلاء جُرّبوا في مصالحات كثيرة ولكنهم نقضوا العهود، خرقوا الهدنات التي حصلت، وإلى الآن يخرقون الهدنة، ينقضون العهود، ولهذا كان الواجب على الراعي الأول لهم، الدول التي رعتهم والتي كان الاتفاق بمسؤوليتهم، لماذا لم نسمع لهم صوتاً؟ دعنا الآن، واجب على العلماء أن يرفعوا أصواتهم ويقولوا كلمتهم، لكن أين الدول الراعية؟ لماذا لم نسمع منهم ولا كلمة؟ لماذا لم تُدِن هذا الإرهاب؟ ها هم صامتون. الإعلام الذي كان يتحدّث عن خان شيخون لماذا يصمت هنا؟ الإعلام الذي يتحدّث عن كيماوي وغيره من الجرائم كما يدّعي، أين هو من هذه الجريمة؟

إذاً هناك صمت دولي، صمت لحقوق الإنسان، صمت للأمم المتحدة، صمت بعد ذلك للمرجعيات والمؤسسات الدينية والتي يتحدّث عنها الدكتور محمود ممدوح، الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المرجعيات، لا، يا سيّدي، هؤلاء يجب عليهم وجوباً أن يقرأوا وأن يسمعوا وأن يفهموا ولو كانوا علماء سلاطين. أليس أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر؟ وهل السلاطين يمنعونهم من أن يقولوا الحق؟ ألستم نصحاً إلى أمرائكم؟ الدين النصيحة قلنا، لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، فضيلة الداعية.

 

مصطفى أبو رمان: بصوت الحق.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى، ألا ترى صمت العلماء على وجه التحديد هو الذي فتح شهيّة شبابنا للانضمام للجماعات الإرهابيّة؟ لو كان هنالك صوتٌ لله مدوٍ يقول ما يحدث إجرامٌ وكفرٌ بالله ورسوله ولا يجوز إلحاق الأذى بالذبابة ناهيك عن الإنسان، ناهيك عن الشيوخ والأطفال، إنّ هذا لا يجوز مطلقاً، لو صدحت الفضائيات بألسِنة العلماء، لما تقدّم شبابنا إلى هذه الجماعات.

 

مصطفى أبو رمان: بالتأكيد.

 

يحيى أبو زكريا: لكنّ الصمت هو الذي شرعن الذبح والسلخ والقتل والفتك والتدمير.

 

مصطفى أبو رمان: كما قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، دكتورنا العزيز، صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء. العلماء، نعم، يجب عليهم أن يرفعوا أصواتهم وأن يقولوا كلمتهم وأن يبيّنوا للناس. الآن صوت مَن الذي يسمعه الناس؟ يسمعون أصواتاً من هنا وهناك، شرقاً وشمالاً وغرباً وجنوباً، وهزّوا الثقة بالعلماء الربّانيين من القيادات العلمائية الربّانية من جميع المذاهب، إنّهم الآن، هذا هو المشروع الصهيوني، إفساد العلاقة بين عامة الناس وعلمائهم، وما أصبح الناس الآن إلا أتباعاً لعلماء أدعياء علم، وليسوا علماء، أدعياء عِلم حتى جعلوا من كل أميّ وعاميّ، قالوا له أنت عالِم، إذهب واحفظ أحاديث واحفظ آيات، أنت عالِم، وتركوا المرجعية وتركوا العلماء من هذا الباب.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، أحسنت أستاذنا الفاضل شيخ مصطفى.

دكتور محمود، يبدو أن البلاهة هي العنوان العام في خط طنجة جاكرتا. لو أنّ بنيامين نتانياهو يطلق اللحية، لقيل عنه صحابي جليل رضوان الله تعالى عليه.

لحد الآن، المسلمون بعد كل هذه الدماء، خمسة ملايين مسلم قتلوا منذ 2011، ناهيك عن الذين قتلتهم أميركا في العراق، وما زلنا لحد الآن لم نفرّق بين العالِم الربّاني وعالِم الدجاج والبرياني. لماذا؟

 

محمود ممدوح: الحقيقة أنا يا أستاذي قلت لحضرتك، هناك فرقٌ كبير بين العالِم في وسط أهل السّنّة والعالِم في وسط الشيعة، سواء الإمامية أو الزيدية. العالِم في وسط أهل السنّة يختلف من بلد إلى بلد، فإذا كانت الإمارة تحترم العلماء، فالعالِم له شأنه، أو تستفيد منه في دنياها، فله شأنه. فالواقع أن المشكلة الكبيرة الآن بالنسبة لأهل السنّة، مشكلة التكفير، والتكفير هذا، هناك مذهبٌ كبيرٌ في داخل بلاد المسلمين، هذا المذهب له مؤسّساته الكبيرة جدًا وله علماؤه وله تمويله الكبير، وفي المقابل لا نجد من يستطيع أن يقف أمامه إلا وهو ضعيف، وهذا الفكر كذلك تسرّب للمؤسسات الإسلامية الكبيرة، مثلاً منظمة كذا، مؤتمر كذا، هيئة كذا، إذا بحثت في داخلها تجد أن أكثر من النصف متأثّرون بهذا الفكر. فهذه المسألة التكفيرية ينبغي لنا أن نفتح الأفق، نفتح الأفق للعلماء الذين لا يدورون في فلك هؤلاء للكلام بطريقةٍ ما، وهذا أيضاً لا يتأتّى إلا بالجلوس على طاولة المفاوضات والاتفاقات، وبيان ما عند هذا وما عند هذا.

أما الآن يا أستاذ، لو أنت أتيت بطالبٍ متقدّمٍ من هؤلاء التكفيريّين، وقلت له، هل يجوز أن تغدر بمسلم؟ يقول لك هذا حرام لا يجوز. هل يجوز أن يكون بينك وبين إنسان عهد ثم تقتله؟ يقول لك هذا حرام لا يجوز. وبعد ذلك تقول له اكتب لي كتاباً في هذا الموضوع، سيذهب وبعد أسبوع سيأتي لك بجزء فيه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ولكنّه لا يعمل بها، لماذا؟ لأنّ مذهبه يقول له هذا كافر، "لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً".

 

يحيى أبو زكريا: دكتورنا العزيز.

 

محمود ممدوح: هذه مشكلة كبيرة.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، مشكلة كبيرة، أريد أن أسأل في خضمّها.

 

محمود ممدوح: نحن نقف على هذا المذهب.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دكتورنا العزيز، بالأمس القريب في حلب، كانت كلّ وسائل الإعلام التضليلة التابعة لفقاهة السوء تقول أنّ السّنّة يُبادون في حلب. سلّمنا، السّنّة يبادون في حلب. لكن أليس الفلسطينيون سُنّة وأبناء سُنّة وأحفاد سنّة؟ لماذا لا يتم الإنتصار لسُنّة فلسطين؟ لماذا لا تسخَّر وسائل الإعلام للانتصار لفلسطيني؟ لماذا لا يتحرّك العلماء الذين أفتوا بالقتل والذبح في سوريا من أجل فلسطين؟ هل سُنّة فلسطين غير سُنّة سوريا يا دكتور محمود؟

 

محمود ممدوح: لا طبعاً، بلا شكّ، الذين أضاعوا فلسطين أنت تعرف من هم، ونحن لا نحبّ أن نفرّق بين المسلمين، والذين حاربوا وقتلوا المسلمين وجرّوهم إلى حروبٍ كبيرة في عشرات السنين الفائتة أنت تعرف من هم، من الذي حارب في 48 وحارب في 56 وحارب في 73. هؤلاء كلّهم من أهل السنّة، نحن لا ننظر إلى هؤلاء من أهل السنّة ولا إلى هؤلاء من أهل الشيعة، هذا لم يقم بواجبه أمام الله سبحانه وتعالى، لأنّه في الأصل ليس أهلاً لهذا الأمر، لا يمكن له أن يكون إماماً ولا متسلّطاً على المسلمين وهو لا يستحق.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، أنا أريد أن أوضح، أنت تعرف أن يحيى أبو زكريا ليس طائفياً ويكفُر بالطائفية والمذهبيّة.

 

محمود ممدوح: الحمد لله، الحمد لله.

 

يحيى أبو زكريا: لكن لماذا عندما يتم الانتصار للجهاد في سوريا بين قوسين، يُقال السّنّة مضطهَدون؟ أريد أن أسأل في فلسطين ماذا يوجد؟ لماذا لا يتم الانتصار لفلسطين؟

 

محمود ممدوح: من أجل هذا قلت لك في بداية الكلام هناك صراعٌ، وهذا الصراع يكون من أجل إسرائيل، يقف هؤلاء في جانب الذين يحاربون ويقفون أمام العدو وقفة قوية. من الذي يقف؟ في حرب 2006، حرب حزب الله ضدّ إسرائيل، كان هناك بعض أهل السنّة يعادون حزب الله في هذه الحروب، في الجهاد أمام إسرائيل، وهذا من أين أتى؟ أتى من الجهل، هذه من المذاهب التكفيرية. يا أستاذ يحيى، أنا أتمنّى من الإعلام أن يتّقي الله سبحانه وتعالى في المسلمين وأن يعلم أنّ المؤمنين إخوة وأنه لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، وأنّ الخلاف، والله، إنّ الخلاف بين السنّة والشيعة هو خلافٌ سياسي ويمكن أن نستوعبه بأحسن.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، أحسنت دكتور محمود.

 

محمود ممدوح: أقول إنّ فِرَق أهل السنّة بينها من الخلاف أكثر مما بين السنّة والشيعة، الماتريدية يختلفون مع الأشاعرة والماوريدية يختلفون مع المعتزلة، والأشاعرة والماتريدية يختلفون اختلافات كبيرة جداً مع أهل الحديث، والصوفية لهم مواقف من هؤلاء. إذاً هذه مذاهب استوعبناها وأدخلناها السنّة. إذاً لماذا لا نستوعب إخواننا الآخرين؟

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، وأنت الأزهري العتيد، أذكّرك بمقولة الشيخ سليم البشري من شيوخنا في الأزهر، إنّ الشيعة والسنّة يختلفون على مسح القدم أو غسل القدم حتى لم يبقَ لنا في الأرض موطئ قدم.

شيخ مصطفى.

 

مصطفى أبو رمان: نعم، سيّدي.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى، كمصداق بسيط اليوم أسرانا في فلسطين المحتلة في سجون الكيان الإسرائيلي الذي يُدكدك عظام أبنائنا ومجاهدينا، ويبقر بطون أمّهاتنا، أضربوا عن الطعام. هل رأينا وسيلة إعلامية تضليلية غنّت لفلسطين؟ هل رأينا شيخاً مفتياً يقول حيّ على الجهاد في فلسطين مثلما قال حيّ على الجهاد في سوريا والعراق وليبيا وتونس؟

 

مصطفى أبو رمان: يا سيّدي، أولاً تحيّة إجلالٍ وإكبارٍ لأسرانا أصحاب معركة الأمعاء الخاوية الذين في كل مرة ينتصرون على أكبر عدو لهم، ورأينا أمثلة سابقة واليوم بدأوا بهذه المعركة العظيمة والتي نسأل الله عزّ وجلّ أن يثبتهم وأن يحفظهم وأن ينصرهم وأن يخرجوا من هذه المعركة منتصرين، وليسوا جياعاً ولا عطاشى، نسأل الله تعالى أن يوفّقهم وأن يثبّتهم وأن يحفظهم وأن ينصرهم، وهذه الهبّة التي خارج السّجون تختلف عن الهبّات الماضية، إنّها الآن في كلّ فلسطين، أقيمت هذه الخِيَم التي تؤازر وتُناصر هؤلاء الأسرى، ولهذا نتمنّى أن يكون في الدول العربية خيمة تُناصر هؤلاء الأسرى، وسيلة إعلامية تنادي، علماء ينادون، خطابات المنابر التي الآن هي فقط موجّهة أن تكون، ليتها في الأخلاق والتربية والتزكية، ولكنّها في مواضيع تبعد كلّ البُعد عن توجيه أمُتنا والخطاب لأمّتنا، للأسرى ولكل الثابتين والصامدين في أرض فلسطين يجب على كلّ عالِم، كلّ داعية، كلّ إنسانٍ شريف، كلّ وسيلة إعلامية أن تقف هذه الأيام ونحن في الأيام الأولى من هذه المعركة العظيمة، معركة الأمعاء الخاوية التي أثبتت، أثبتت بجدارة أنها تنتصر، وفعلاً كم من أسيرٍ خرج من السجن ومن الوقف الإداري إلى غير ذلك بسبب هذه المعركة وانتصر على هذا العدوّ. نحن بحاجة إلى أن، كما قلت وصرختك يا دكتور إن شاء الله وصلت إلى كلّ من سمعها، ونتمنّى أيضاً أن تصل هذه الرسالة لجميع أمّتنا العربية والإسلامية لتثبيت هؤلاء وتثبيتهم في أرضهم.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى أبو رمان، ومعكم وبكم سننهي فقه التكفير، ونرفع لواء فقه التحرير إن شاء الله.

 

مصطفى أبو رمان: إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الدكتور محمود سعيد ممدوح من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك. الشيخ الفاضل مصطفى أبو رمان شكراً جزيلاً لك.

 

مصطفى أبو رمان: أهلاً سهلاً، شكراً لك وللميادين وللمشاهدين.

 

يحيى أبو زكريا: والتحيّة، كلّ التحيّة، كلّ التحيّة، وهذه تحيّةٌ لفلسطين.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه. في رِحاب الله.

الشخصيات المشاركة

من مصر: محمود سعيد ممدوح مفكر إسلامي، من الأردن: مصطفى أبو رمان داعية إٍسلامي. <BR>