هل العالم اليوم على شفير أزمة مشابهة لأزمة الصواريخ الكوبية؟

أندريه فلتشيك، المفكر والروائي الاميركي يشرح كيف يصنع الغرب الإرهاب؟ وكيف ينقلَ للإرهابيين خبرات وحرف تساعدهم في عملياتهم العدوانية، وهل العالم اليوم على وشْك مواجهة أزمة مشابهة لأزمة الصواريخ الكوبية إبّانَ الحرب الباردة؟

التفاصيل

 

زينب الصفار: السلام عليكم ورحمة الله. للإرهاب توصيفات ووجوه وأشكال متنوّعة، ولعلّ للإرهاب الغربي تاريخاً طويلاً في هذا النوع من التجارة ونقلها إلى المجندين الإرهابيين الجدد. الإمبريالية المعاصرة وتجلياتها اليوم في العالم ولا سيما في المنطقة العربية. مع أندريه فلتشيك، من الداخل. معكم زينب الصفار، تابعونا.

 

التقرير

في صباح السادس عشر من تشرين الأول / أكتوبر عام 1962 أعلم مستشار الأمن القومي الأميركي ماك جورج باندي الرئيس جون كينيدي أن طائرات الاستطلاع الأميركية اكتشفت وجود صواريخ نووية سوفياتية في كوبا على بعد 90 ميلاً فحسب من الأراضي الأميركية، وكانت تلك بداية ما عُرف بأزمة الصواريخ الكوبية، أو ما تُسمّى في روسيا أزمة الكاريبي، التي وضعت العالم على شفير حرب نووية خلال الحرب الباردة. قبل الأزمة كانت الولايات المتحدة قد حاولت إطاحة الزعيم الكوبي فيدل كاسترو أثناء عملية سُمّيت "غزو خليج الخنازير" ولكن فشل هذا الغزو. بيد أنه كان بمنزلة تحذير لكاسترو. أيضاً قامت الولايات المتحدة بتثبيت عدّة مواقع لصواريخ نووية في تركيا وإيطاليا وذات مدى يستطيع ضرب موسكو عاصمة الاتحاد السوفياتي. وقتذاك بدأت فترة عصيبة من التوتّر السياسي والعسكري امتدت 13 يوماً بينما ظل العالم يترقّب. وبالرغم من أن الاتحاد السوفياتي قال بشكل علني إنه لن يتراجع، فقد توصّل جون كيندي ونيكيتا خروتشوف في نهاية المطاف إلى اتفاق قام على إثره الاتحاد السوفياتي بإزالة الصواريخ ما دامت أميركا قد وافقت على عدم غزو كوبا، وفي سرية وافقت الولايات المتحدة أيضاً على إزالة صواريخها النووية من تركيا وإيطاليا. وهكذا انتهت الأزمة. أندريه فلتشيك، المفكّر والروائي الأميركي يشرح كيف يصنع الغرب الإرهاب وكيف ينقل إلى الإرهابيين خبرات وحرفاً تساعدهم في عملياتهم العدوانية. وهل العالم على وشك مواجهة أزمة مشابهة لأزمة الصواريخ الكوبية، وحرب سواء ضدّ إيران أو ضدّ كوريا الشمالية؟

 

زينب الصفار: أندريه فلتشيك الفيلسوف والمخرج والروائي والصحافي الاستقصائي، أهلاً بك من جديد في "من الداخل".

 

أندريه فلتشيك: شكراً لك زينب.

 

زينب الصفار: يشرّفنا وجودك معنا دائماً. في هذه الحلقة قرّرنا أن نتحدّث عن الإرهاب وأشكاله وأوجهه المختلفة والتاريخ الطويل، وأودّ التشديد على ذلك،  التاريخ للإرهاب الغربي. كيف صنع الغرب الإرهاب؟ هل يمكنك أعطاءنا بعض الأمثلة؟ لقد تحدّثت عن هذا مطوّلاً.

 

أندريه فلتشيك: بالفعل كتبت الكثير في هذا الصدد ولا سيما عن ارتباط الإرهاب الغربي بما يُسمّى "الإرهاب الإسلامي". وبحسب كتاباتي، تظهر دراسة الدول الإسلامية وتاريخها الحديث، أي السنوات التالية للحرب العالمية الثانية، أن مجموعة كبيرة من أهم دول العالم الإسلامي كانت إشتراكية وغير متطرّفة على الإطلاق، وهذه الدول هي إيران ومصر وإندونيسيا، وكانت هذه الدول الثلاث علمانية وتقدمية واجتماعية التوجّه، وسعت جميعها بشكل أساسي إلى تأمين حاجات شعوبها الأساسية وبناء مجتمع عادل وما إلى ذلك. دمّر الغرب هذه الدول الثلاث بدءاً من إيران بعزل "مصدّق"، وانتهاءً بانقلاب العام 1965 ضدّ رئيس إندونيسيا التقدّمي "سوكارنو" ما أدّى إلى مقتل مليونين أو ثلاثة ملايين شخص، وسمح للجنرال سوهارتو بالوصول إلى السلطة، أما تدمير مصر فحل بينهما. بالنظر إلى هذه الدول الثلاث، يصبح الأمر واضحاً جداً وانظر إليها الآن. في مصر وإندونيسيا، لكن ليس في إيران فهي حال استثنائية، الشيوعية وحتى التفكير فيها ممنوع، ففي إندونيسيا لا يمكن للمرء استخدام كلمة "شيوعي". مصر دولة ذات نظام رأسمالي مُجحف تجاه الشعب، وأقولها بتخفيف العبارة، وعانت إيران في ظل حكم الشاه الديكتاتوري الفظيع الذي نجم عن إسقاط "مصدّق". كل ما ذكرت هو خير دليل على عدم احترام العلمانية أو الطابع الاجتماعي لهذه الدول بعد الحرب، واستمر ذلك في ما بعد، وأفغانستان أكثر الأمثلة فظاعة، إذ ارتكب الغرب مذابح بشعب كامل. أنا أسعى إلى زيارة أفغانستان قريباً، فكلما أدرسها أكثر، ألاحظ أنها حضارة هائلة لكننا لا نعرف عن أفغانستان سوى ما خلّفت الحروب فيها وكأن تاريخها العريق لم يكن، وما شهدناه في أفغانستان تجلّ لغوغائية الإمبراطورية الغربية المطلقة، فقد ذبحت شعباً بأكمله فقط لكي تقضي على عدوّها اللدود الذي كان حينها الاتحاد السوفياتي.

 

زينب الصفار: أريد منك الآن أن تخبرنا المزيد عن رأيك عن أن الإرهاب ولا سيما ما يُسمّى بالإرهاب الإسلامي كما أشرت إليه مهم جداً لاستمرارية عقائد الغرب واستثنائيته ودكتاتوريته العالمية.

 

أندريه فلتشيك: نعم هو كذلك. الإرهاب ضروري جداً بالنسبة إلى الغربيين لأنهم تمّكنوا من هزيمة الاتحاد السوفياتي الذي كان عدّوا ضخماً. ودائماً ما تحتاج الإمبراطورية الغربية عدّواً كبيراً إذ تحتاج فضاء وموازنات للجيش والاستخبارات. ويحتاج الغربيون عدّواً كبيراً جداً من أجل تعبئة الجماهير بالبروباغاندا.

 

زينب الصفار: لإيجاد الزخم المطلوب.

 

أندريه فلتشيك: نعم. تخيّلي ما فعله الغربيون، دمّروا الاتحاد السوفياتي وبدلاً من الاحتفال بذلك واجهوا معضلة صعبة، وكان السؤال: ماذا نفعل الآن؟ وحاولوا مواجهة كل أنواع المشاكل الأصغر مثل الحرب على المخدرات أو شنّ حروب ضدّ بلدان أصغر، لكن ذلك لم ينجح، فكانوا بحاجة إلى عدو أكبر.

 

زينب الصفار: الإسلام.

 

أندريه فلتشيك: والإسلام عالم واسع، فهو ليس مجرّد ديانة بل هو فضاء ثقافي ضخم، والثقافة الإسلامية هي إحدى أعظم الثقافات على وجه الأرض.

 

زينب الصفار: لذا صنعوا الإسلاموفوبيا

 

أندريه فلتشيك: نعم. وولّدوا شيئاً غريباً منافياً للطبيعة. فقد حوّلوا الشريعة الإسلامية إلى وحش، ولم تكن يوماً كذلك، وذلك من خلال دعم أكثر العناصر تطرّفاً وتسليحهم وتدريبهم، ولكانوا أوجدوا العناصر المتطرّفة في حال عدم وجودها وهذا مستمر حتى الآن. ومنذ بضعة أيام التقيت ببعض العلماء في طهران وأخبروني أن الغرب صنع ديناً بالكامل وهو لا يمتّ إلى الإسلام بصلة، وهذه حال الكثير من البلاد.

 

زينب الصفار: ويحاولون التسويق لذلك عبر وسائل الإعلام، ولا سيما الشبكات الإعلامية الرئيسية في الغرب وإقناع الناس بأن هذا هو الإسلام، وهذه عادات المسلمين، ولذلك علينا أن نواجه هذا النوع من الإرهاب الإسلامي.

 

أندريه فلتشيك: هذا صحيح، فالإرهاب الإسلامي يبرّر كل شيء، يبرّر التحالفات الغريبة للغرب.

 

زينب الصفار: كذلك يبرّر دعم الدول التابعة للغرب.

 

أندريه فلتشيك: تماماً، وهو دعم يكشف عن تناقض وبعض الدول في الخليج والبعض الآخر في آسيا وأفريقيا، وغالباً ما تكون هذه الدول التي تحارب الإرهاب رسمياً هي من يصنعه.

 

زينب الصفار: كيف نقل الغرب حرفة الإرهاب هذه إن صحّ التعبير، وخبراتها إلى مجنّديه الإرهابيين الجدد؟

 

أندريه فلتشيك: بدأ الأمر على نطاق واسع...بالطبع استخدم الدين في انقلاب عام 1965 في إندونيسيا التي لا أزال أعتبرها حقل تجارب، أو تجربة على البشر أجراها الغرب ليرى ما الذي سيحل بالبلد الذي سيتدمر بالكامل بسبب الخوف وجرائم الاغتصاب والقتل وما إلى ذلك، وهناك استخدم الغرب جميع الديانات كالإسلام والمسيحية وحتى البوذية في جزيرة بالي، وبعد ذلك كانت أفغانستان أول التجارب التي فاقت ذلك فظاعة، وهناك تفرّعت القاعدة من تنظيم المجاهدين الذي دعمه الغرب بشكل مباشر.

 

زينب الصفار: دعموا من قِبَل الأسياد الغربيين.

 

أندريه فلتشيك: نعم من قِبَل الأسياد الغربيين. أما الدعم غير المباشر فأتى عبر باكستان وغيرها. بالتالي هذا تعبير عن غوغائية الغرب والتدمير الكامل للأمّة الذي استمر حتى الآن، فهو ما يحدث في سوريا نفسها. وبحثت في ولادة هذه المنظمات الإرهابية في تركيا. كنت أعمل عام 2012 في محطة تيليسور، في العام 2013 عندما أنتجت فيلماً عن احتجاجات حديقة "غيزي"، تطرّقت على المحافظة التي تقع فيها أنطاكيا وهي "هاتاي" التي تضم مخيمات كمخيم "أبايدن" وكانت جميع المخيمات في الواقع معسكرات تدريبية.

 

زينب الصفار: لداعش؟

 

أندريه فلتشيك: نعم لداعش. وتتّبعنا كل شيء كحركة هؤلاء المقاتلين، إذ ينقل المقاتلون المصابون عبر الحدود وتتم إعادة تسليحهم ومعالجتهم في مستشفيات أنطاكيا، ولا يزال ذلك مستمراً حتى الآن إلى حد ما. الجميع يعي ذلك. كنت في مدينة غازي عنتاب في الآونة الأخيرة، وأخذت إلى فرن بجانب مسجد، والجميع يعلم أن الذهاب إليه جزء من عملية التجنيد. كذلك وقفت مرة أمام الباب الخلفي لمستشفى حيث يُدخلون المقاتلين المصابين ليلاً.

 

زينب الصفار: اسمح لنا أن نتطرّق باختصار إلى الإمبريالية المعاصرة وكيف تظهر اليوم في السياسة والديناميات المحيطة. فلنناقش مثلاً كيف كان الغرب لا يزال يخترق النظم الثقافية والتعليمية ويحاول السيطرة عليها وغالباً حتى تدميرها في الكثير من الدول.

 

أندريه فلتشيك: لا شك بأن ذلك يحدث في كل مكان، ووسائل الإعلام وسيلة مهمة جداً لتحقيق هذه الغاية، وهذا بالطبع هجوم ثقافي، لذا يجري التلاعب بالتاريخ والمنشورات والفنون. أما بالنسبة لوسائل الإعلام فلنلحظ أن تأثير وسائل الإعلام الغربية قوي جداً، وفي أميركا الجنوبية، كان تأثيرها واضحا في دول كالبرازيل أو الأرجنتين أو فنزويلا حتى. عندما كانت حكوماتها تقدّمية أو يسارية، كانت وسائل الإعلام لا تزال في يد الشركات الكبرى أو في يد أفراد يمينيين، لذا في حال أيّد الصحافيون حكومة بلدهم خسروا عملهم، والأمر سيّان إن دافعوا عن حكومة بلدهم، فكأنهم يُجبرون على خيانة بلدهم ورأيت ذلك يحدث في فنزويلا بعد وصول تشافيز إلى السلطة، ذهبت إلى كاراكاس والتقيت بخمسة صحافيين، وأخذوا يبكون أمامي في غرفة خلفية في حانة قائلين: إننا نؤيّد القائد تشافيز بشكل كلّي، لكن نخسر عملنا إن كتبنا شيئاً إيجابياً عنه. بالتالي وسائل الإعلام وسيلة للتلاعُب بالناس، وتتوافر وسائل كثيرة أخرى، ومنها دعم النخبة في معظم الدول واللياقة السياسية التي يريد الغرب أن يظهرها كتصرّفات توحي بتقبّل الآخر، هي في الحقيقة سيف ذو حدّين، وغالباً ما تقضي على أيّ تقدّم لأن الأمور التي يمنع نقدها هي ثقافة العنف والاضطهاد والخضوع، وتصوّر هذه الثقافة على أنها ثقافة البلد الحقيقية، ويحدث ذلك في كل مكان، وكل هذا التلاعب آلية معقّدة جداً، ولزميلي تشومسكي الكثير من المؤلّفات عن هذا الموضوع، وأكتب كثيراً عن الأمر، لكنه من الصعب إقناع حتى الغربيين بالأمر إذ تزُرع العقيدة في عقولهم غالباً أكثر من سكان تلك الدول حتى.

 

زينب الصفار: أندريه فلتشيك سنتوقّف الآن مع فاصل قصير وبعده سنناقش الانتخابات الرئاسية الأميركية، ونعلم جميعاً أن مواطني الولايات المتحدة يختارون رئيسهم مباشرة، ولكن نتائج هذه الانتخابات عالمية، وسنتطرّق إلى الأمر بعد الفاصل. فاصل قصير ونعود، لا تذهبوا بعيداً.

 

فاصل

 

زينب الصفار: وحدهم مواطنو الولايات المتحدة قادرون على التصويت في الانتخابات الرئاسية الأميركية لكنّ تأثير النتيجة يكون عالمياً. فهل نحن على وشك مواجهة أزمة مشابهة لأزمة الصواريخ الكوبية إبان الحرب الباردة؟ وعلى شفير حرب سواء ضدّ إيران أم ضدّ كوريا الشمالية؟

 

أندريه فلتشيك: لا شكّ في أننا كذلك، وليس ضدّ إيران أو كوريا الشمالية فحسب إلا أن ذلك الاحتمال وارد، فنمر في أيام صعبة إذ يعلن الرئيس الأميركي الجديد العداء لأكبر الدول من حيث عدد السكان، وهي الصين، ويظهر عنصرية علنية تجاهها، كذلك يستفزّها بشكل علني. وتاريخياً الصين أكثر الدول الكبيرة سلمية، فلم تغز أية دولة سوى فييتنام عن طريق الخطأ، وكان ذلك بعد أن حرّرت فييتنام كمبوديا من حكم حزب الخمير الحمر. كذلك تملك الصين قوى عسكرية ضعيفة جداً على نحو يبعث على السخرية، وإن زار المرء أي موقع إلكتروني وبدأ يدرس قدرات الصين النووية سيلحظ أنها أقل بكثير من قدرات دول كفرنسا أو بريطانيا حتى، ولا مجال لمقارتنها بالولايات المتحدة، لكن الأميركيين يضغطون على الصين من خلال تطويقها عسكرياً ومن خلال التحالفات الجديدة التي تحاول الولايات المتحدة إنشاءها في آسيا وأماكن أخرى. يحاول الأميركيون دفع الصين إلى اتخاذ وضعية الدفاع، وللمرة الأولى بدأت الصين عملية تسليح جدّية لأنها تشعر أنها تواجه تهديداً. في ظل إدارة أوباما، كانت روسيا هدفاً آخر، وستكون كذلك، وبينما نناقش الأمر ، نشهد اليوم تقارباً بين إدارة ترامب وروسيا.

 

زينب الصفار: أردت أن أسألك عن هذا الموضوع.

 

أندريه فلتشيك: انتهى ذلك، لم يدم إلا لفترة من الزمن وستعود روسيا إلى ما كانت عليه بسبب مستشاري ترامب.

 

زينب الصفار: كسرت الثقة وبقيت كذلك لفترة طويلة بين روسيا والغرب، أي أوروبا والولايات المتحدة، وقال البعض إنه لا عودة في الأمر، لكن كيف يبدو ذلك الآن في ظل إدارة ترامب؟

 

أندريه فلتشيك: تبدو العلاقات سيّئة بعد أن بدت جيّدة لفترة، ولم أصدّق يوماً تلك الإشارات الإيجابية، وللأسف تبين أنني كنت على حق، فقد صدرت اليوم والبارحة تصريحات بشأن روسيا مفادها أنه لا بّد من التعامل مع روسيا من موقع القوة وما إلى ذلك. اسمحي لي أن أخبرك التالي، وهو أمر مهم جداً سأعلن عنه. في السنة الماضية سافرت كثيراً إلى الصين وروسيا ولا أتحدّث عن زيارة موسكو فحسب، بل أتحدّث عن زيارة أماكن مثل بيتروبافلوفسك كامتشاتسكي وخاباروفسك، وفلاديفوستوك، وتحدّثت إلى الناس هناك، وأرسلوا رسالة واضحة جداً إلى الكرملين وموسكو وهي: لا تسمحوا للغرب بأن يفلت بفعلته، وإذا استفزّ روسيا فلتقاتلوا. والأمر سيّان بالنسبة إلى الصين لأنها دولة شيوعية بغضّ النظر عما يُقال. الصين دولة شيوعية ناجحة جداً، لكنها تستند ايضاً إلى ما يُعرف تاريخياً بالتفويض السماوي الذي يستند بشكل أساسي إلى مبدأ واحد وهو أن كل من يحكم الصين بغضّ النظر عن رتبته، سواء كان إمبراطوراً أو شيوعيا أو غير ذلك، يُعطى حقاً مؤقتاً ليحكم شعب وإن خالف هذا التفويض يمكن الإطاحة به. ويحترم القادة الصينيون شعبهم كثيراً ويعرفون ما يريده الناس. ولا يريد الناس تقديم المزيد من التنازلات ولا يريدون أن يجرى إذلالهم.

 

زينب الصفار: يعيدنا هذا الموضوع إلى سوريا، فقد قلت منذ فترة، ربما العام الماضي، قلت إنه في حال استسلمت سوريا، ما حل بمصر هو أفضل مصير يمكن أن تأمل به. لكن من المرجح أن يحل بها ما حدث للعراق وليبيا. هل لا تزال تعتقد أن هذه حال سوريا اليوم، ولا سيما بعد تحرير حلب والانتصار فيها؟

 

أندريه فلتشيك: أعتقد أن سوريا أظهرت الكثير من الشجاعة، وأثار الشعب السوري إعجابي وأشعر بالامتنان له، وأعتقد أن السوريين امتلكوا الخيار بأشكال شتّى، لكنهم تصرّفوا بذكاء لأنهم شعب مثقّف جداً، ورأوا ما يحدث في جميع أنحاء العالم وما حصل كان يستحق القتال لكي يحافظوا على كرامتهم وعلى هويتهم الوطنية، فقاتلوا من أجل وطنهم ومن أجل المنطقة بأكملها، وأدعو حلب "ستالينغراد الشرق الأوسط"، وهي كذلك لأن الشعب السوري ضحّى كثيراً، وبمساعدة سوريا وإيران وحزب الله هنا في لبنان تمكّن السوريون من هزيمة أقوى وأكثر تحالف سام على وجه الأرض. كان الانتصار باهظ الثمن، من أجل تحقيقه قضى الكثيرون ودُمّرت المدن، ولكن سأعيد صوغ ما قاله تشرشل الذي لا يعجبني أبداً : "لا حرية من دون انتصار، ولا حياة من دون حرية".

 

زينب الصفار: أندريه فلتشيك الفيلسوف والمخرج والروائي والصحافي الاستقصائي، شكراً جزيلاً لانضمامك إلينا من جديد.

 

أندريه فلتشيك: شكراً جزيلاً زينب

 

زينب الصفار: أنت دائماً موضع ترحيب. إذاً، لقاء جديد في الأسبوع المقبل مع ضيف جديد وقضية جديدة ودائماً من الداخل. السلام عليكم ورحمة الله. 

الشخصيات المشاركة

أندريه فلتشيك مفكرُ وروائي أمريكي.<BR>