إزدهار سوق الفتاوى السياسية

إزدهر سوق الفتاوى و في كل تفاصيل الحياة , مفتون يفتون على الهواء مباشرة بدون علم أو بصيرة , فتاوى حسب الطلب , حسب المقايسات و المقابسات و الطلبات , و لكل فتوى ثمن , و لكل فقيه راتب , فالسلطان يدفع , و المخابرات تدفع , و المنحرفون يدفعون , و أصبح دين الله لعقا على ألسنة مدعي الفقاهة و الإفتاء , و في الحديث إذا استعمل السفهاء، ورفعت الاصوات في المساجد، واتخذت طاعة الله بضاعة، وكثر القراء وقل الفقهاء، فعند ذلك توقعوا ثلاثا: توقعوا ريحا حمراء وخسفا وزلازل.

التفاصيل

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

يا الله، عندما كان الدين ديناً، وعندما كانت التقوى والورَع مدماك الفتيا، كانت الأحكام الشرعية تصنع بدعامتي العلم والعرفان، وكان المفتي يستحضر وقوفه بين يديّ الله تعالى، فلا يوقّع عن الله إلا ما إطمأنّ علمياً وعرفانياً أنّ هذا الحُكم هو مُراد المشرّع من خلال النصوص التفصيلية.

وفي كتاب "عقلاء المجانين" بسنده عن محمّد ابن يحيى البصري، قال " دعا المنصور أبا حنيفة والثوري ومسعراً وشريكاً ليولّيهم القضاء فقال أبو حنيفة أتحامق فيكم تحميقاً أما أنا فأحتال وأتخلّص، وأما مسعر فيتحامق ويتخلّص، وأما سفيان فيهرب"، وقال محمّد ابن المنكدر "إنّ العالِم بين الله تعالى وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهما".

وقال محمّد ابن عجلان "إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله"، أما أمير البيان علي ابن أبي طالب، قال "إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنّط الناس من رحمة الله ولا يؤمّنهم من عذاب الله ولا يرخّص لهم في معاصي الله ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، ولا خير في عبادة لا علم فيها ولا خير في علم لا فهم فيه ولا خير في قراءةٍ لا تدبّر فيها".

وقد ورد في الحديث الشريف عن حبيب القلوب صلّى الله عليه وآله وسلّم "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار". يقول المناوي في شرح الجامع الصغير في شرح هذا الحديث، أجرؤكم يعني أقدمكم يعني أسرعكم إقداماً على إجابة السائل عن حكمٍ شرعيٍ من غير تثبّتٍ وتدبّر، والإفتاء بيان حكم المسألة، أجرؤكم على النار أقدمكم على دخولها لأن المفتي مبيّنٌ على الله حكمه، فإذا أفتى على جهلٍ أو بغير علمٍ أو بغير ما علّمه أو تهاون في تحريره أو استنباطه فقد تسبّب بإدخال نفسه إلى النار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبّار.

"آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ" في سورة يونس. هذه فرية على الله جل وعلا، ومع ضياع العلم والتقوى والورع، إزدهر سوق الفتاوى، وفي كل تفاصيل الحياة، مُفتون يفتون على الهواء مباشرةً من دون علمٍ أو بصيرة، فتاوى حسب الطلب، حسب المقايسات والمقابسات والطلبات، ولكلّ فتوى ثمن، ولكلّ فقيهٍ راتب. السلطان يدفع والمخابرات تدفع والمنحرفون يدفعون وأصبح دين الله لعقاً على ألسنة مدّعي الفقاهة والإفتاء.

وفي الحديث "إذا استُعمِل السفهاء ورُفِعت الأصوات في المساجد وإتُّخِذت طاعة الله بضاعة وكثر القرّاء وقل الفقهاء، فعند ذلك توقّعوا ثلاثاً، توقّعوا ريحاً حمراء وخسفاً وزلازل وأموراً عظيمة". والزلازل هنا ليست فقط حركة في باطن الأرض تفضي إلى اضطراب الأرض، فالفتن والهرْج والمرْج والقتْل واللا استقرار كلها خسفٌ وبراكين أجهزت على الطمأنينة والسلام.

كان لأفغانستان فتاوى، وللبوسنة فتاوى وكانت عجلة الفتاوى تدور عند كل تحوّل أمني في دولة عربية وإسلامية حتى أصبحت الفتاوى نذير شؤمٍ أو بوم الخراب. هكذا أصبحت الفتاوى.

ازدهار سوق الفتاوى السياسية عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من سوريا الحبيبة الدكتور الباحث الكبير علي الشعيبي، ومن تونس الحبيبة الأستاذ الفاضل الدكتور صلاح الدين المستاوي. مرحباً بكم جميعاً.

دكتور علي، ماهية الفتيا؟

 

علي الشعيبي: أهلاً وسهلاً.

 

يحيى أبو زكريا: الفتيا بين جيل عبد الله، وكانت فرائسه ترتعد إذا سُئل في حكم شرعي، والفتاوى اليوم التي تطلق على عواهنها من دون استحضار الله تعالى، ونحن نفتي في حربٍ هنا، في فتنةٍ هناك، في تحريضٍ هنالك، في قضيّةٍ مذهبية.

لماذا خرجنا من التقوى إلى العفونة الأخلاقية، وبالتالي العفونة الفتوائية؟

 

علي الشعيبي: أحسنت يا دكتور، أحسنت، جزاك الله كلّ خير عمّا تقدّمه للفكر الإسلاميّ وللمسلمين الضائعين المساكين، من جاكرتا إلى طنجة، فهم بحاجة إلى المنارات الفكريّة.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وبعد. إنّي أستفتي الله سبحانه وتعالى أن يكون كلامي في ما يرضيه، بمعنى إنّي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون كلامي في ما يرضيه، أسأله تعالى ذلك.

الفُتيا يا سيّدي، إذا تجاوزنا المعنى اللغوي الذي أتيت على ذكره، السؤال، إلى الاصطلاح الشرعي، الإخبار، وردت في القرآن الكريم، "يستفتونك عن النساء"، بمعنى يسألونك عن أحكام، مشكلة في قضايا النساء، وهذه الفُتيا كانت حصناً، قلعة متينة، لا يجرؤ أيّ إنسانٍ على الدخول فيها، بل على العكس، كان العلماء، صناديد العلماء، البدريّون كانوا يهربون من الفُتيا، وفي أكثر من حديث لأكثر من راوٍ، أنّ البدريّين كانوا في مسجد رسول الله، فيُسأل أحدهم عن مسألة فيحيلها إلى أخيه، ويحيلها أخوه إلى أخيه، وهكذا، وكان أبو حنيفة الذي أتيتَ على ذكره يقول "لولا الفرق الخوف من الله لما أفتيت"، الخوف أن تقع أو يقع كثيرٌ من أبناء الأمّة في المعصية لما أفتيت. لكن هنا، الفُتيا التي أتيتَ على ذكرها جنابك الفاضل في العصر الحديث، وازدهار سوقها في واقع الحال لها مدماك قديم، ويلفت النظر، ذلك المدماك البعيد الذي أسّسه أبو عبد الله، الذي كان يفتي، هذا أبو عبد الله سيأتي إسمه الآن، كان يفتي بأنّ المنافقين في المدينة أفضل عند الله من جبرائيل وميكائيل وملائكة الرحمن.

هذا أبو عبد الله، الغرام ابن غرام، هذا المتوفى سنة 255، كان يفتي بهذا، والذي يلفت النظر أنّ ابن تيمية أخذ أفكار إبن غرام واحتفظ بها وأفتى بموجبها وأفتى بما هو أفظع من ذلك وأشنع وبما هو كبير جداً، فكان مدماك إبن غرّام الذي بنى عليه ابن تيمية هذا قد أساء إلى الأمّة في القرون الوسطى، غير أنّ إبن رشد الحفيد في بداية المجتهد كان قد التفت إلى هذا الموضوع ولفت نظره هذا الموضوع، بأنّ الفُتيا إذا جاءت لأهداف دنيئة أو غير دنيئة، أهداف لها ما يخالفها في الشرع ستكون طامّة على الأمّة، وتحدّث عن ذلك.

واستمرّ مدماك الفتيا المنحرف هذا إلى القرون التي بدأت فيها حركات الاستعمار، فنحن نلاحظ في القرن التاسع عشر السفير الفرنسي أو القنصل الفرنسي في تونس لاروش كان قد تحدّث بموضوع غريب، بيد أنّه جريء، قال إنّه استغرى بمعنى أنّه أغرى كثيراً من المفتين فأصدروا له الفتاوى التي يريدها، وذكر على سبيل المثال مفتين في القرويين وفي الإسكندرية وفي مكّة، كان قد استغراهم وطلب منهم أن يصدروا فتوى بعدم مقاومة الفرنسيّين في الجزائر، واعتبار وجود الفرنسيّين في الجزائر وجوداً شرعياً. فإذا وضعنا هذا الملف على يميننا وأخذنا الملف الآخر المشابه تماماً، والذي أصدره ابن باز والألباني وعبد الله عزام، ومن مشى في هذه المدرسة، أنّه لا يجوز مقاومة الصهاينة في فلسطين ولا يجوز محاربتهم.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، سوف نأتي إلى تفاصيل عن كلّ ذلك، عن هذه الفتاوى المعاصرة إن صحّ التعبير، لكن يهمّني أن أؤسّس وأن أقعد للمسألة.

دكتور صلاح الدين المستاوي، هنا الفتيا تتقاذف بين الشرعي والسياسة، سواء السياسة القديمة ونرجو أن نبقى في الحاضر لأن أجيالنا لا تقرأ، ربما هي تعنى بأمر المشاهدة اليومية، لو حدّثناهم عن العصر الأموي والعباسي والسلجوقي والصفوي لا أحد يلتفت يقيناً، لكن لنعطي مصاديق معاصرة عساهم يلتفتون إلى ذلك.

اليوم الفُتيا صارت يصطَرع حولها بين السياسة والشرع. ماذا تقول في ذلك؟

 

صلاح الدين المستاوي: بسم الله الرحمن الرحيم. ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلّل عقدة من لساني يفقه قوي.

شكراً جزيلاً أخي العزيز على اختيار هذا الموضوع الهامّ والدقيق في هذه المرحلة الصعبة التي تمرّ بها الأمّة ويمرّ بها دينها الحنيف، ذلك أنّ الفتيا هذه اليوم مع الأسف الشديد يتولاّها غير أهلها ممّن أنت قبل حين، وفي المقدّمة الظافية، أشرت إلى مواصفاتها التي هي ورعٌ بدرجةٍ أولى، خشيةٌ وخوفٌ من الله تبارك وتعالى، ولكنّ ذلك غير كافٍ، لا بدّ من أن يكون معه علمٌ راسخٌ. هذا الورع يكون حصانةً لذلك العِلم كي لا يُنحرَف به ذات اليمين وذات الشمال، وكي لا يُوظَّف التوظيف الرخيص الذي ينزل بالدين من سموّه، من عرفانه، من قداسته، من دعوته إلى تجسيم القِيَم الخالدة، النبيلة، التي اشتملت عليها كلّ الدّيانات، واكتملت في دين الإسلام الحنيف، على يدي رسول الرحمة سيّدنا وحبيبنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، القائل فيه ربه "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"، هذا السمو وهذه الرفعة للدين الذي ينهض بالإنسان ويجعله في مرتبة النفس المُطمئنّة الراضية عن ربها سبحانه وتعالى.

قلت عوض أن يكون في ذلك السمو الرفعة، نجده اليوم في أسواق، يُباع ويُشترى من طرف الخاص والعام، ويا خيبة المسعى، اليوم هذه الوسائل المتطوّرة في الاتصال، سواء كان ذلك هذه الفضائيات التي هي كشعر الرأس في تعدادها، أو هذه الوسائط الاجتماعية التي جعلت من هذه المضامين المحرّفة والمنحرفة عن صميم الدين وجوهره ولبّه، تدخل كلّ بيت ويتلقّفها الجميع من دون استثناء، وتؤخذ على أنّها مسلّمات، فإذا بها تستباح بها الدماء والأعراض، وتُنتهَك بها الحرمات وتتشتّت وتتمزّق بها الأمّة التي أرادها الله تبارك وتعالى أن تظل وتبقى واحدة، "وأنّ هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".

نعم أخي يحيى، حقيقة وأن مصيبتنا اليوم هي في هذه الفتاوى التي يتولاّها من هبّ ودبّ، والتي كما قلت تلاحظ وأن جهات مشبوهة غريبة عن الأمّة حتى في التاريخ الماضي وفي الحاضر غريبة عن الأمّة هي التي تدفع إلى استصدار هذه الفتاوى الغبيّة، ويُقدِم عليها بعض الرموز الذين يُتصوَّر وأنهم المثل والقدوة بالنسبة للأمّة وبالنسبة لعوام الأمّة، والأمّة حقيقةً مصابة بهؤلاء، وهي ترى فيهم القدوة والأسوة، وهم لا يراقبون الله تبارك وتعالى في الأمّة، من خلال ما تنطق به ألسنتهم، مستهينين بأنّ الكلمة يلقي الواحد بها، تهوي به 70 خريفاً في نار جهنم. وكم كان الإمام مالك رضي الله تعالى عنه، كم كان على صواب عندما قال من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه، والله تبارك وتعالى يكره لنا قيل وقال وكثرة السؤال، وكثرة السؤال إذا لم تجد من الطرف المقابل من يردّ عليها، "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، من لم ينسق وراء هذه الأسئلة التي حقيقةً الكثير منها ما أنزل بها الله تبارك وتعالى من سلطان.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور صلاح الدين، إذاً نحن أمام أزمة خطيرة جداً، فوضى الفتاوى وتجيير الفتيا لصالح السلاطين والحكام والجماعات المنحرفة، وللأسف بات حتى الذي لا يملك عِلماً شرعياً أو ثقافة قرآنية أو تقوى يتحدّث وينسب الأشياء إلى الله، وكأن لله وكلاء على الأرض.

 

صلاح الدين المستاوي: لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي الشعيبي، لسنواتٍ عدّة، سُخّرت الفتاوى برمّتها ضدّ سوريا، كُفّرت سوريا العربية، زُندِقت سوريا العربية، عمائم ضخمة أفتت بكفر الرئيس السوري والجيش العربي السوري وأنت متابع لهذا الأمر بدقة.

بعد ذلك، انقلب المشهد العربيّ، ونشبت فتنة بين الدول الخليجيّة، فحدث أنّ العلماء الذين يتبعون المحور القطريّ قالوا فتاوى في حق السعودية، وعلماء السعودية قالوا فتاوى في حقّ قطر.

أريد في هذه اللحظة التاريخية، تميط اللثام عن هكذا فتاوى، في ظلّ هكذا مشاهد متناقضة.

 

علي الشعيبي: مرّةً أخرى أقول إذا جُيّرت الفتاوى الدينية لصالح الأمر السياسيّ انهدم ركن أساسيّ، لأنّ الفتاوى تخضع للدين ولا تخضع للسياسة، ولكنّهم جيّروها لصالح السياسة، مستخدمين الإطار الدينيّ، وقد قلنا إنّ المدماك الذي بناه إبن تيمية بتكفير فصائل المسلمين في سوريا، هذا المدماك التكفيريّ الذي قاله إبن تيمية في فتاواه هو الخزّان البشريّ أو الخزّان الذي ينهل منه المكفّرون، والحركات التكفيرية تنهل من هذه الفتاوى، علماً أنّ ما قاله إبن تيمية هو خبر شقيق الإنشاء، يحتمل الكذب ويحتمل الصدق، وغير أنّ الباحث حين يسير ويبحث في ما قاله يجده كذّاباً، أشراً على الله، في كلّ ما قاله، حتى أنّ الناقض في باب اللغة والنقد.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، من فضلك، في السياق ذاته، وتعرف وقتنا ضيّق، دعنا نفيد المشاهدين، إبن تيمية كفّر الشيعة، الإسماعيلية، الدروز، حتى السنّة الأشاعرة، والماتريدية.

 

علي الشعيبي: كفّر الجميع.

 

يحيى أبو زكريا: أنا أريد أن أفهم كيف عالِم يكفّر مثلاً سوريا، وبعد حين دولته تدخل في صراع مع دولة خليجية أخرى فيكفّر الدولة الأخرى. دعنا من إبن تيمية الآن. أعطِنا النماذج المعاصرة الجديدة. بعد إبن تيمية، جاء مليون إبن تيمية. اتركنا في التيميين المعاصرين.

 

علي الشعيبي: أنا أريد أن أؤسّس للكلام الذي سأقوله، أريد أن أقول، هل الذين كفّروا السوريين، كلّ الفصائل السورية كفّروهم، هل اتقوا الله في ذلك؟ هل خطر في بالهم أن يبحثوا في أمر السوريين؟ ألم يروا ويشاهدوا تماماً تقوى وصلاح ودين وصلاة الرئيس السوري؟ ألم يلاحظوا؟

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، لديّ فاصل فقط، حتى لا أقطع أفكارك، أعود إليك بُعيد الفاصل، وهي ضرورات التلفزيون، بودّنا أن نقدّم جملاً سريعة حتى لا يداهمنا الوقت، ونقدّم أكبر كمية ممكنة من المعلومات.

فاصل قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديدٍ. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع ازدهار سوق الفتاوى، صارت جزءاً من البورصة العالمية للأسف الشديد.

دكتور علي، تفضّل. أكمل ما كنت تودّ قوله.

 

علي الشعيبي: نأخذ مثلاً يوسف كرازاي لأن يوسف القرضاوي هو في الأصل أفغاني من قبيلة يهودية، كرازاي. يوسف كرازاي هذا حين زار دمشق قبيل الحرب الظالمة على سوريا تحدّث حديث المفتي عن إسلام القائد السوري وعظمته، وعن الجيش السوري، حين ذهب إلى هناك طلبوا منه أن يغيّر فتياه فغيّر فتياه، حين حدث ما تفضّلت به الآن من خلاف وانشقاق في الرأي وفي الموقف والعقيدة حتى بين السعودية وقطر عادوا فغيّروا ذلك، وتوجّهوا بهذا الذي كانوا قد توجّهوا به إلى سوريا توجّهوا به إلى السعودية. بالمقابل، وقف علماء سعوديون فتوجّهوا بهذا إلى القطريين، لكرازاي وغير كرازاي. هذه الفتيا صارت لعبة لكنها الآن هي الفتيا الفضائيّة دعني أقول، والفتيا السياسية كما تفضّلت في تقديمك، فتيا تحت الطلب. ماذا تريدون؟ الجيش أو الشعب المغربي غير مسلم وغير تابع لله وعليه ما عليه؟ انتهى، يقولون ذلك. الشعب الإسرائيلي شعب هيّن، ليّن، طيّب، يجب أن نمدّ الجسور بيننا وبينه كما يسعون الآن ويقولون الآن، يفعلون ذلك، وأكير مصيبة يا سيّدي، وهذه يعرفها قلّة من المسلمين والعرب، أكبر مصيبة ما أتى به جورج بوش، وحين قدّم لهم كتاب الفرقان في الكويت، فما صدرت فتيا واحدة تكفّر هذا الكتاب أو تنسف هذا الكتاب، ولا فُتيا واحدة من أولئك الذين كفّروا السوريين أو المصريين أو الجزائريين قبل، في حرب العشر سنوات في الجزائر أو كفّروا التونسيين إلى غير ذلك، فُتيا واحدة ما صدرت بحقّ هذا الكتاب المصطنَع الذي سمّاه جورج بوش الفرقان، وما يحدث الآن وما صرّح به تلرسون الآن أنهم في محاولة لإلغاء هذا الفكر الوهّابي الجديد للفتيا التكفيرية، لماذا؟ من أجل المجيء بأفكار أخرى وستصدر فتاوى كثيرة جداً قريباً تقول لك نحن أبناء العائلة الإبراهيمية، فلا فرق بين الإسرائيليّ والمُعتدي المُغتصب الذي اغتصب أرضك وبلدك وطرد شعبك، لا فرق بينه وبين ابن الجزيرة، وقولوا يا رب وهيا، وزيارات متبادلة وهكذا.

فالتلاعب بالإسلام صار بيد العلماء الفضائيين، أصحاب الدولارات الخضراء، أصحاب السياسة والأهواء والتلاعب بهذه الفتيا السياسية، أذهب بريق الإسلام وعظمة الإسلام وفكر الإسلام، وقلنا في البداية أنّ الفُتيا حصن قوي متين، ما كان أيّ إنسان يتجرّأ عليه، والحديث الذي ذكرته جنابك وأخرجه الدارمي، أشدّهم على الفتيا، أجرؤهم على الفتيا أجرؤهم على النار، ويشرح إبن عباس هذا الحديث بما نراه وكأنه في العصر الحديث، هذه الفتيا التي ظهرت في خوارج العصر الحديث يكفّرون كما يشاؤون.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، "قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى". المفسّرون قالوا إنّ الله لا ينسى فما مفهوم هذه الآية، فعُقّب بأنّ الله ينساه في النار.

يبدو أنه في جهنم الكثير من العلماء والكثير من المفتين والكثير من المعمَّمين. سأعود إليك بعد أن أمضي إلى تونس الحبيبة.

سماحة الدكتور صلاح الدين المستاوي، الغاية من إرسال الأنبياء وإقرار الأديان هو تعريف البشر بالمولى عزّ وجل، القاعدة العقائديّة أنّه جلّ في عُلاه لا تدركه الأبصار، وهو فوق الأين والكيف، وهو لا يحدّه حدّ جلّ في عُلاه، فأراد أن يتعرّف إليه البشر فأرسل الأنبياء مصداقاً لقوله تعالى "وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون"، فالعلماء دورهم في الحياة أن يقدّموا المولى عزّ وجلّ للناس كما أراد نفسه أن يقدّم نفسه، من خلال أسمائه الحُسنى، من خلال التفاصيل الشرعية الكبيرة.

عندما عالِم يجيّر هذا الدين لصالح السياسات، الأنظمة، المخابرات، الجماعات، المنحرفين، كل أصحاب ذي عاهة، ألا يكون قد دكدك أهم قاعدة في إرسال الأنبياء وهي النقل الصريح والواضح عن الله تعالى كما أراد الله أن يُنقَل عنه؟

 

صلاح الدين المستاوي: نعم، وهو كذلك، العلماء هم وَرَثة الأنبياء، والأنبياء لم يتركوا لا درهماً ولا ديناراً، وإنما هذه سرّ النبوة التي اختصّهم بها المولى سبحانه وتعالى بختم النبوة والرسالة، آلت إلى هؤلاء العلماء، فمنصبهم رفيع، "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العِلم درجات إنما يخشى الله من عباده العلماء"، ولكن هؤلاء العلماء إذا انحرفوا كما تفضّلت وبيّنت وأطنبت، لسان حالي يردّد ما قاله سفيان الثوري، أيها العلماء يا ملح البلد لا يفيد الملح إذا الملح فسد. العلماء يوقّعون عن ربّ العالمين ويسلكون بهم الصراط المستقيم ويجنّبونهم كل المهاوي والانحرافات ذات اليمين وذات الشمال، لأنّ هذه السياسة عابرة ومارّة، هي من قبيل الدنيوي، نحن لا نقول ولا نحرّم زينة الحياة الدنيا ودين الإسلام، "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ"، ولكن يا خيبة المسعى عندما تصبح هذه الدنيا هي أكبر هم الإنسان ومبلغ علمه، فهو خاسرٌ للصفقتين، صفقة الدنيا وصفقة الآخرة، "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتّقين".

العلماء هم أولى من يتدبّر هذه الآيات البيّنات ويجعلون نُصب أعينهم في ما يوقعونه عن ربّ العالمين، وفي ما يبلّغونه للناس أجمعين، أن يكون دقيقاً، صحيحاً، خالصاً لوجه الله، لا يبتغون عليه وبه أجراً ولا ثمناً قليلاً زائلاً. الأمّة اليوم علماؤها شتى مع الأسف الشديد، رغم تنادي كثير من المصلحين والعلماء ومنهم علاّمة الشمال الإفريقي سماحة الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور رحمه الله في أنّ أمر الفتيا في هذا الزمن بالذات لا يمكن أن يوكَل إلى الأفراد مهما كان هؤلاء الأفراد بعلمهم وتقواهم، لا بدّ من أن تتولاه هيئات، وهذه الآيات "لا تجمع أمّتي على ضلالة"، وعلى كل حال إذا ما انحرف طرف فيها فيقوّمه الطرف الآخر. أما والحال على ما هي عليه، يطلّ علينا في كل لحظة وحين شذّاذ آفاق بفتاوى حقيقةً لا تمتّ إلى الدين في جوهره وثوابته وكمالاته وجمالاته بصلة. أستغرب أنا وأقول أيّ دليل هؤلاء الذين يستبيحون سفك الدماء وانتهاك الأعراض وتشتيت دول المسلمين وأوطان المسلمين، أقول أيّ دليلٍ شرعيٍ مُحكَم يستندون إليه ويعتمدون عليه؟ وأيّ مقصدٍ من مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة الداعية دائماً وأبداً إلى إصلاح ذات البين، إلى الوقوف في وجه الفتنة والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، نحن في زمن تكاثرت فيه علينا الفتن.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور صلاح الدين، وفي هذا الزمن لا بدّ لنا من أن نرفع الصوت عالياً لنبيّن للناس مَن هو العالِم الربّاني المُتقي، تأمّل علي ابن أبي طالب الذي يقول يا دنيا غرّي غيري، هذا الرجل العملاق، عملاق الإسلام الذي كان يرقّع ثوبه.

 

صلاح الدين المستاوي: رضي الله تعالى عنه، الله أكبر.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي الشعيبي، آن لنا الآن أن نقدّم للناس أنماطاً وصوَراً لعُلماء حقيقيين، هذا الإسلام جاء لخدمة الإنسان، وكلّ فتيا إسلامية ضدّ الإنسان فهي شيطانية. لكن لماذا ما زالت جماهير مسلمة تصفّق لعُلماء السوء؟ لماذا ما زال الناس يلهثون وراء أشرطة الغلاظ الشداد؟ لماذا ما زال سوق المفتنين سوقاً رائجاً لدى السلطات والجماهير؟

 

علي الشعيبي: يا سيّدي، هذه الأسئلة الاستنكارية الرائعة جداً في مكانها. هؤلاء العلماء، اسمح لي أن أقول، أنّهم ليسوا بعلماء، وأنا هنا لا أتجرّأ على نفي العِلم عندهم، العالِم، المفتي العالِم هو الذي لا يؤذي الناس بفتواه، وهذا ما جعل المفتين القدامى الأتقياء يجدّون ويبحثون عن الحِيَل الشرعية كي لا يحملوا الناس على المركب الصّعب، فظهر ما عُرِف بالحِيَل الشرعية، ولكن ما نعرفه أو ما نجده اليوم، والإعلام هو الذي سمّاهم عُلماء، الإعلام هو الذي أضفى عليهم بهذه الصفات. خذ مثلاً، ولا ضير بذكر الأسماء، خذ مثلاً مؤلّف كتاب "التوحيد" الذي يدرَّس في 320000 مدرسة في السعودية، صالح الفوزان، في الصفحة 66، يفتي بتكفير الأشاعرة والجهمية والمعتزلة. خذ مثلاً ما قاله الكرزاي يوسف، وماله، وماله، أن تُهدَر الدماء، هؤلاء الذين يتجرّأون على الفتوى، يتجرّأون على الدم، يتجرّأون على حقيقة الدين، يتجرّأون على خلق محمّدٍ العظيم، يتجرّأون على مساحة السماحة العظيمة في الإسلام، يتجرّأون على سبب نزول الأديان، إنما نزلت الأديان من أجل مصلحة الإنسان، لا من أجل شقائه، ولذلك هؤلاء ليسوا بعلماء.

هذا الكرزاي الذي وقف يستنجد بأميركا أن تضرب سوريا وأن تضرب شعب سوريا، وحين سُئل تُسفَك دماء، قالوا ما له، وما له، هكذا بكل جرأة على الدم المسلم، هكذا بكل جرأة على دماء شعبٍ كاملٍ وجيشٍ كاملٍ، ولم يكن هذا في سوريا وحدها، بل تجرّأ على هذا في ليبيا وفي تونس وفي العراق وفي اليمن، والآن تبدّل الحال. خطر في بالي مرّة أن أبحث وراء السبب الذي كان من أجله يتجرّأ الكرزاي، فوجدت أن له 370 مليون دولار في مصارف جزر الهند الغربيّة، من أجل هذا صار جريئاً، حين يكون مثل هذا الرجل بائعاً لنفسه، يبيع نفسه للشيطان، لا للإنسان، لا لرحمة الله، "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك"، علّمنا الإسلام وهو يخاطب نبيّنا الأعظم أن نقتدي به.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، الإشكال أين؟ الإشكال ليس في شخصٍ واحد، وربك في كل زقاق عندنا ألف مفتي، في كل شارع 2500 مفتي، في كل حيّ كامل 116000 مفتي، في خط طنجة جاكرتا عدد المفتين أكثر من عدد النجوم والكواكب.

 

علي الشعيبي: ملايين الملايين.

 

يحيى أبو زكريا: المشكلة الدين صار بضاعة وصار دكاناً.

شيخ صلاح الدين المستاوي دكتورنا الفاضل من الزيتونة الحبيبة، وذكرت طاهر بن عاشور رحمة الله عليه الذي علّمنا مقاصد الشريعة، وأنا شخصياً تعلّمت من مبانيه الكثير.

الدكتور علي عندما كان يتكلّم، هكذا لا أعرف، ذهبت إلى يوم القيامة، واستحضرت وقوفنا بين يديّ الله تعالى، وحملي للكتاب الذي لا يفارق صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها.

كيف نواجه ربّنا شيخ صلاح؟

 

صلاح الدين المستاوي: أنا في الحقيقة، قبل هذا السؤال المحوري الذي ينبغي أن يلقيه كلّ واحد على نفسه، كلّ واحد منّا على نفسه، "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا"، هذه من أولويات اليقين والإيمان والإخلاص لله في دينه تبارك وتعالى، أن يكون الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. كلامك حقيقةً هو الصميم وهو الذي ينبغي أن نتواصى به جميعاً، ويتواصى به بالخصوص أهل الذّكر من العلماء، هؤلاء الذين يكوّرون العمائم، ويطلقون اللحى ويظهرون على الشاشات ولا يدركون مخاطر ما تنطق به ألسنتهم من فتنةٍ وفرقةٍ وتنازع في البلد الواحد، الذي كلّ شعبه في بعض الأحيان على دينٍ واحد وعلى عقيدةٍ واحدة وعلى لغةٍ واحدة، ويأبى هؤلاء إلا أن يفرّقوهم جماعات متنازعة تسفك دماء بعضهم البعض.

أنظر يا أخي الآن ما يدور في إفريقيا، ما وراء الصحراء الآن، تلك الشعوب الآمنة المُطمئنة التي تقبّلت أجيالها المتعاقبة إسلام السماحة واليسر والرحمة والفرقة، وإذا بها بأموالٍ خارجة عن هذه الديار تصبح فتنة في الأسرة الواحدة وفي القبيلة الواحدة، وفي مقابل ذلك، الطرف المقابل الذي يريد استئصال الإسلام والمسلمين، يخلو له المجال بهذه المنازعات والاختلافات.

أخي العزيز، أنا أقول رغم هذه الأوضاع التي نراها متردّية حيثما التفتنا وهذه الفرقة والفسيفساء التي جعلت من المسلمين ليس أمّة واحدة ولكن أمماً متصارعة مختلفة متنازعة في ما بين بعضها البعض، أقول وإنّ لغة القلب ولغة الصدق ولغة الإخلاص، والعبد الضعيف تتوافر لي مناسبات وفرص كثيرة، لعل آخرها هذه العشر الأواخر التي أقضيها كل عام بفضلٍ من الله تبارك وتعالى ورضوانه مع المسلمين في الديار الفرنسيّة، الذين يُعَدّون بالملايين والذين تكتظّ بهم المصلّيات والمساجد إلى ساعات متأخّرة من الليل، ويرابطون في المساجد في قيلولات باريس والمدن الفرنسية، والحال أنّ موعد الإفطار في الساعة العاشرة مساءً، حقيقةً أمرٌ ينعش المسلم عندما يرى وهو بجهده المقل وبإمكانياته المتواضعة وبوسائله المحدودة، ولكن إن شاء الله بإخلاص وبثبات على الطريق القويم الذي يجمع ولا يفرّق، والذي ينشر الرحمة والرفقة، ويشغل المسلم بنفسه قبل كلّ شيء ليكون صالحاً، وليس قنبلة موقوتة تريد أن تنفجر على أقرب المقرّبين إليها ممّن يشترك معها في كل شيء إلا أنه لربما يختلف في بعض الجزئيات البسيطة التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون صميم الدين وجوهره، تجد تلك القلوب والوجوه المنقبضة على بعضها البعض، ولكن عندما تسمع خطاب السماحة واليُسر والرفق والرحمة والحبّ، والدين حب أو لا يكون، تذهب إلى غير رجعة إن شاء الله كل هذه الدعوات لتصبح بضاعة هؤلاء المفتين الفتّانين، المفتين وأقول الفتّانين، الذين يفتنون الأمّة في أقدس أمر بالنسبة إليها وهو دينها العزيز العظيم، الذي خصّه الله تبارك وتعالى، يا خيبة المسعى، هذا الدين دين الرحمة، دين المحبة، دين الأخوّة، ينقلب بين عشيّة وضحاها على أيدي هؤلاء الدُخلاء الوسطاء، أقول إنهم وسطاء في عمليةٍ خبيثة وخطيرة لتمزيق الأمّة والقضاء على دينها، مع الأسف الشديد أقول أنه آن الآوان للمخلصين لله ربّ العالمين، بهذا الخطاب الربّاني الروحاني الصادق المُخلص الداعي إلى إصلاح ذات البيْن وجمْع الكلمة وجعل من الدين فوق كل اختلاف، نجعل من الدين فوق كلّ اختلافٍ وتنازعٍ أياً كان من الجوانب الدنيوية السياسية الحياتية، ونرتفع إلى مستواه.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور صلاح الدين، وهنا ينبلج السؤال الجوهري الذي طُرِح منذ بدايات الإسلام.

دكتور علي الشعيبي، كيف نصنع فقهاء الحب؟ كيف نصنع فقهاء العشق الإلهي؟ كيف نصنع الفقهاء الذين يقدّمون الله للناس جميعاً على أنّه الرحمن الرحيم، على مَن غلبت رحمته غضبه؟

قيل لأحدهم هل تخاف الآخرة، قال لِمَ أخاف الآخرة، جلّ في علاه كان معي كريماً في دار الدنيا، كنت فقيراً فرزقني، ضعيفاً فقوّاني، فريداً فعددني؟ الذي أعطاني كل هذا في دار الدنيا أخاف منه يوم القيامة؟

كيف نصنع هؤلاء الفقهاء يا دكتور علي؟

 

علي الشعيبي: يا سيّدي بَدَرت من جنابك كلمة في المقطع ما قبل السابق، مؤدّاه ألا يوجد مفتون بالمقابل يحملون الوجه الصحيح للإسلام والإفتاء الصحيح. دعني أقول، في تاريخنا وفي أدبيّاتنا الإسلامية، لمّا قام سفيان الثوري على المهدي بثورته المعروفة، ودرس المواقف الشرعية بعد ذلك، عاد عن مواقفه، عاد عن مواقفه، وفي خلال تاريخنا نجد مثلاً شخصيّة مثل الأعمش، الأعمش، المحدّث المشهور، سُئل عنه يحيى بن معين، فقال أحسبه على الله من الصالحين وهو صدوق، وقيل للأعمش، أشيعيٌ أنت، قال نعم وأؤمن بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فوحّد الأمّة بهذه الكلمات الطيّبة.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، أحسنت، أحسنت.

 

علي الشعيبي: ثم بعد ذلك نقفز إلى العصر الحديث يا سيّدي. في العصر الحديث، أول ما بدأت هذه الحرب الظالمة علينا في سوريا، سُئل رجل دين عندكم في الجزائر، في إحدى ولايات الصحراء، عن هذه الحرب، فقال للذين سألوه، أسألُكم إسرائيل وأميركا مع بشّار الأسد أم ضد بشّار الأسد، فقالوا له ضدّ بشّار الأسد، قال إذاً بشّار الأسد على حق، طالما أنّ الصهاينة والأميركان بخبثهم ومكرهم ودهائهم ضدّ بشّار الأسد، معنى ذلك أنّ بشّار الأسد على حق.

ثمّ الآن أقول أمراً أعتقد أنه مهم، وتشاركني الأهمية وفضيلة أخي الدكتور صلاح الفاضل، يا إخوتي، في تونس، منذ عام 1886، هناك فتاوى صدرت بفعل القنصل الفرنسيّ وضعت الأراضي الزراعية التونسية تحت إمرة الفرنسيّين الأجانب، والخيرات وما يوجد في تونس من نفط، التونسيون قد لا يعلمون حتى الآن أنه يُعمَل بتلك الفتاوى من عام 1886.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي، أذكّرك، أشرتَ إلى مفتي هنا أو هناك، أذكّرك فقط بالعملاق الجزائري الشيخ عبد الحميد بن باديس، عندما طلبت منه فرنسا أن يدعمها بفتوى لمُقاتلة الألمان في حرب الحلفاء والمحور، فقال "والله لو طلبت منّي فرنسا أن أقول لا إله إلا الله لما قلتها".

 

علي الشعيبي: أحسنت. رحمه الله، رحمه الله.

 

يحيى أبو زكريا: في هذه الأمّة بقايا أشراف، في هذه الأمّة بقايا أطهار، في هذه الأمّة مَن يغارون على إرث محمّد.

 

علي الشعيبي: تسمح لي أخي الدكتور يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: وقتي انتهى دكتور، وقتي انتهى. هناك مَن في هذه الأمّة مَن يغارون على رسول الله وعاهدوا الله أن يُعيدوا له الألق.

 

علي الشعبي: فقط كلمة واحدة، لو سمحت لي.

 

يحيى أبو زكريا: كليمة، كليمة.

 

علي الشعيبي: كلمة واحدة، كليمة، أريد أن أقولها، ليست من باب الثناء أو المديح أو الإطراء، نحن في سوريا نجلّ سماحة المفتي الشيخ العلاّمة الدكتور أحمد بدر الدين حسّون لمواقفه الإسلامية السليمة الصحيحة.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دكتور علي، ونحن نكنّ له كلّ احترام، وكلُّ فقيهٍ يدعو إلى وحدة الأمّة، إلى الحب، إلى التلاقي، إلى الحوار، وربّك نقبّل جبينه ونقبّل يده أيضاً.

 

علي الشعيبي: بارك الله فيك.

 

يحيى أبو زكريا: ومن هنا دعني أرفع الأذان، أرفع الأذان، حيّ على الحب، حيّ على اللقاء، حيّ، على الاجتماع، كفانا خراباً، كفانا دماءً، كفانا قتلاً.

دكتور علي الشعيبي شكراً جزيلاً لك، الدكتور صلاح الدين المستاوي شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.