التعريفات #الكرد

القرار الأميركي بالإنسحاب من سوريا رغم ضبابيّته والتشكيك بمصداقيته، إلا أنه شكّل تهديداً حقيقياً بالتخلّي عن التنظيمات الكردية التي طالما شكّلت الذراع العسكرية لواشنطن في الشمال الشرقي من الجغرافية السورية، الأمر الذي يتطلّب أو يشكّل دافعاً  لهذه القوى بإعادة تقويم خياراتها ومراجعة رهاناتها في البحث عن حلول أقل ضرراً عليها في المرحلة القادمة، ولاسيما بعد فشل مراهناتها على دعم واشنطن والدول الغربية بإنشاء دولة مستقلة لها في الشمال السوري، وتعرّض الحلم الكردي العراقي لهزّة وانتكاسة أقل ما يمكن وصفها بأنها (قصمت ظهر البعير).

التهديد الأميركي بالتخلي عن التنظيمات الكردية في سوريا، يضع هذه التنظيمات أمام ضرورة إعادة تقويم مراهناتها على دعم واشنطن والدول الغربية في انشاء الفدرالية في سوريا. لكنه يضعها أمام إعادة تقويم عمق الأزمة الفكرية والسياسية، في المراهنة على مقولات الديمقراطية الليبرالية الجديدة الداعية إلى تفتيت الدولة في إنشاء كيانات عرقية واثنية وطائفية.

لا تستطيع تركيا أن تنصاع لرغبات واشنطن ولا تستطيع هجرها. السياسة التركية محكومة بتوازنات دقيقة بين المحاور. تراكم أنقرة أوراقها للتأثير في مجريات الإقليم. في سوريا أكبر مخاوفها وفي الداخل انكماش اقتصادي ومع أميركا علاقة متوتّرة. التحديات التركية لهذا العام ليست صغيرة. هذا المقال يُضيء على أبرزها بالاستناد إلى آراء الباحث في مركز كارنيغي أوروبا سينان أولغن. جزء من أبحاثه يتركّز على السياسة الخارجية التركية والعلاقات العابرة للأطلسي.

المُباغتة الأميركية المتعلّقة بالانسحاب من سوريا، ترتبط بشكلٍ مباشرٍ بالاستراتيجية الأميركية الفجّة الباحِثة عن بواعث تُرضِخ حلفاءها، فالنهج الترامبي يأتي ضمن قالب الغطرسة وفرض الأهواء والمزاجية، هو نهج مرتبط بما تُمثّله فضاءات الشرق الأوسط الغنية بتشعّباتها وتناقضاتها، وإمكانية الاستثمار المُعتمِدة على خلط الأوراق وتباين المصالح، لا سيما حين الوصول إلى مرحلة انعدام الخيارات وضياع الرؤى البعيدة والقريبة، المُرتبطة بالشأن السوري.

العشائر أيضاً كانت بضاعة أنقرة لمواجهة الكرد، عملت أنقرة على استفزاز الهويات القبلية  لدى العشائر في الشمال ، لاستدعاء التدخّل التركي وتحرير مناطقهم من سيطرة القوات الكردية.

يوري أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يكشف أن موسكو ستقترح عقد قمة روسية إيرانية تركية بشأن سوريا في روسيا. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يرى أنّ "واشنطن مصرة على اتهامنا بأننا ننتهك معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى وهذا غير صحيح"، ويشير إلى أنّ المحادثات الروسية الأميركية في جنيف أكدت إصرار السياسة الأميركية على زعزعة الاستقرار الاستراتيجي.

إردوغان يعلن توصّله إلى اتفاق تاريخيّ مع نظيره الأميركيّ دونالد ترامب بشأن سوريا خلال الاتصال الهاتفي بينهما، متحدثاً عن منطقة حدودية آمنة بعمق 20 ميلاً، فكيف تتقاطع المصالح وتتصادم بين انقرة وواشنطن.

الخارجية الروسية تؤكد اليوم الجمعة أنّ مغادرة القوات الأميركيّة للمناطق السورية يجب أن يتمّ تحت إشراف الحكومة السورية، وتشير إلى أنّه "من المهم عدم السماح بتعطيل المفاوضات بشأن ادلب". 

أنقرة تقول إنها ستنفذ عمليتها ضد المسلحين الكرد إذا ماطلت واشنطن بسحب قواتها من سوريا ولا تستبعد مشاركة جميع الأطراف في عملية إدلب.

مَثَّلَ القرارُ الأميركي بالانسحاب من شرق الفرات، صدمةً وجرحاً عميقاً لدى الكرد، يعادل حجمَ الآمال التي بنوها على وجود أميركي مديد في شرق سوريا، وربما وعود أميركية بإقامة ما يشبه الدولة هناك. والآن يريد أردوغان أن يُعيد الكرد إلى جبال قنديل، ثم أن يحاربهم هناك كما حاربهم في عفرين بمجموعاتٍ من المرتزقة والإسلامويين.

إن المراقب للتطوّرات في الشرق الأوسط، يُدرِك بأنه ثمّة الكثير من المطّبات التي لم يُفلِح الكرد بإعادة صوغها أو الاستفادة من تجارب سابقة، وتأسيس منهج سياسي فاعِل، فقد ظنّ الكرد أنهم الرقم الصعب في أية معادلة تؤسّس للحل في سوريا، لكن المعادلات الدولية أقصت اللاعب الكردي باكراً وفي مناسبات عديدة

ترددات صدى الانسحاب الأميركي من سوريا وصلت إلى العراق، حيث أعربت القوى الكردية عن قلقها بينما شددت كتائب حزب الله على وجوب حماية الكرد من الجماعات الإجرامية، واعتبرت ألا خوف على العراق من فراغ عسكري أميركي عند الحدود بل إن الخطر في وجوده أساساً.

أما إعلان أميركا انسحابها من سوريا الآن هو لدافع استراتيجي بحت وهو بقاء تركيا أداة أميركية في المنطقة ورأس حربة للمشروع الأميركي، والجميع يعلم كيف سمح إردوغان للمخابرات الأميركية بالسيطرة بشكل شبه كامل على جنوب سوريا من أجل دعم الجماعات الإرهابية في شمال سوريا.

الناطق العسكري باسم كتائب حزب الله العراق جعفر الحسيني يكشف عن استعداد الكتائب للمشاركة مع الجيش السوري لحماية المدنيين الكرد السوريين على الحدود، ويوضح أنه بعد الانسحاب الأميركي من سوريا "تم تسليم دورها على الارض الى السعودية والإمارات".

تشير هذه التطوّرات إلى أن روسيا تُدرِك جيّداً ماهيّة الأوضاع التي وصلت إليها التطوّرات السياسية في سوريا، ولابدّ من التحرّك السريع على الاتجاهات كافة، والربط بين المسارين السياسي والعسكري للوصول إلى تفعيل الحل السياسي.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلوّح بعملية عسكرية ضد الكرد شرق الفرات في سوريا، ويشير إلى أنه بحث مع ترامب العملية العسكرية التركية "المرتقبة" في سوريا وكان رده "إيجابياً".

أميركا استعانت بالورقة الكردية، ولم تتّجه إلى تلك الورقة لولا وجود ثغرات في جسد المُكوّن الكردي السوري، إلا أن قرار الكرد بتشكيل حُكم ذاتي (فيدرالية)، سهَّل لأميركا استغلال هذا التوجّه لتمدّ لهم المُساعدة والعون، لعلّها بذلك تستطيع تثبيت أقدامها في جزءٍ هامٍ من الشمال والشمال الشرقي في سوريا.

لا تزال تداعيات مقتل أحد شيوخ العشائر في الرقة وتوجيه أصابع الاتهام للقوات الكردية تتصاعد من دون قدرة الأكراد على احتواء الاحتقان الذي يبدو فرصة للعشائر العربية للانقلاب على القوات الكردية وسلوكها في مناطق سيطرتها.

على جبهتين تحتدم المعارك في وجه "قوات سوريا الديمقراطية" شيئاً فشيئاً من شمال سوريا إلى شرقها، تقصف تركيا مواقع هذه القوات ويهاجمها داعش، فيما يبدو أنه مؤشّر على تحوّلات قد تكون قادمةً على هاتين المنطقتين.

وفيما يتمسّك الكرد بفيدراليّتهم كحلٍ للتنوّع السوري وينبغي تغيير طريق إدارته سياسياً كما يقولون، يرى فيها مراقبون مناورة سياسية  لتحصيل تمثيل في عملية سياسية أقصيوا عنها في جنيف وأستانة مُسايرة للأتراك، خاصة بعد سيطرتهم على مساحة تقارب 25% من مساحة سوريا بدعمٍ أميركي.

المزيد