قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

التصعيد الأميركي إلى أين؟

حديث بومبيو عما سمَّاه "استراتيجية جديدة بدأت باغتيال سليماني"، والتلويح بكياناتٍ مذهبيةٍ وعرقية، يتناغم مع حديث ترامب بالاستيلاء على النفط السوري والعراقي. لكن الإجماع العراقي على سَحْب القوات الأميركية، يدعم محور المقاومة بتدشين المرحلة التاريخية الجديدة.

  • حديث بومبيو يتناغم مع كلام ترامب بالاستيلاء على النفط السوري والعراقي

المُغامرة الأميركية في اغتيال القادة الشهداء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما، يُعلّلها مهندس التصعيد مايك بومبيو بأنها "جزء من استراتيجية أكبر لردع إيران" لكنها تشمل أيضاً روسيا والصين بحسب قوله. فهو يتوعَّد روسيا بإثارة الاضطرابات في أوكرانيا ويتوعَّد الصين بالمناورات في بحر الصين الجنوبي.

لكن استراتيجيته الجديدة "الأكبر" موجَّهة "لردع إيران" كما يشتهي، وفي هذا محاولة للمضيّ قُدُماً في التصعيد العسكري بذريعة أن المغامرة التي هَنْدَسها مع خَلَف جون بولتون وتلميذه في التعصّب التلمودي لـ"إسرائيل" وطائفة المورمون روبرت أوبراين، هي التي تحثّ إيران على الرضوخ للمفاوضات، كما يُراهِن أوبراين، بعد فشل المُراهنة على الضغط الأقصى وسياسة العقوبات.

الردّ الإيراني باستهداف القواعد العسكرية الأميركية على شفا حرب مفتوحة، كسر الهيبة الأميركية وصعَّد من محاصرة إدارة ترامب في الكونغرس الذي يتدرَّج لمنع المغامرة العسكرية في مشروع قرار يدعمه بعض الشيوخ الجمهوريين. وفي هذا السياق يحاول بومبيو ردّ ضغط الكونغرس والرأي العام المُناهِض للحرب، في تسويق نجاح المغامرة بردع إيران على خلاف وزير الدفاع مايك إسبر الذي كذّب رئيسه بشأن مزاعم معلومات استخبارية عن تهديد السفارات.

استراتيجية ترامب المُتّهم في أميركا بفُقدانه لاستراتيجية ورؤية وسياسة خارجية مُنسَجِمة، هي استراتيجية رجل أعمال يسعى إلى عقد الصفقات ونهب الثروة النفطية على وجه خاص في المنطقة العربية وغربي آسيا.

وفي هذا السياق قد يكون لديه ثابت سياسي وحيد هو مصالح "إسرائيل" بسبب مُعتقداته الإنجيلية بتفوّق العرق الأبيض وتأثّره العائلي بصهره جاريد كوشنر، وبسبب ثقل هذا الخيار في قاعدته الشعبية التي يعوِّل عليها لإعادة انتخابه في الرئاسة. وفي هذا الإطار يحلم ترامب بأن تؤدّي العقوبات والضغط الأقصى وكذلك بعض المغامرات العسكرية إلى "تغيير سلوك إيران لأن تصبح دولة عادية" كالسعودية مثلاً التي تُتيح له الاستيلاء على الثروة النفطية وفرض سلوك التحالف مع "إسرائيل" في صفقة القرن، أو حتى دولة عادية كتركيا تتسنّى لها المناورة شرقاً وغرباً لكنها تحفظ الانتماء إلى الحلف الأطلسي والتطبيع مع "إسرائيل".

أساس المحافظة على الوجود الأميركي في سوريا والعراق، هو طمع ترامب بالثروة النفطية ورعاية مصالح "إسرائيل" في ظل المُتغيّرات التي تدفع بها الإدارة الأميركية إلى ما تتخيّله أميركا للمصالح الإسرائيلية في صفقة القرن. ففي حملته الانتخابية يُشدّد ترامب بحسب غرائز جمهور الولايات على منجزاته لـ"إسرائيل" وعلى طمعه بالثروة النفطية. وفي معرض تبرير سرقة النفط السوري في ولاية ويسكونسون الأميركية يقول ترامب "كان ينبغي أن نفعل ذلك منذ زمن بعيد في العراق" أيضاً. فهو في كل الأحوال اتخذ الإجراءات المالية للتصرّف بالأموال العراقية من حساب العائدات النفطية المُقدَّرة بحوالى 35 مليار دولار في نيويورك، وعمد إلى خفض التمويل العسكري من 250 مليون دولار إلى 100 مليون دولار في ميزانية العام 2021 ويُلمّح إلى حسمها من الحساب العراقي. وفي هذا المنحى يتجاوز ترامب مُجرَّد التلويح بتجويع الشعب العراقي من أجل منع تنفيذ قرار البرلمان القاضي بسحب القوات الأميركية، بل يُعبِّر عن ندم التأخير بسرقة النفط العراقي.

في هذا السبيل يعود بومبيو في ما يُسمّيه "استراتيجية الردع الجديدة: المثال الإيراني" إلى التلويح بتقسيم العراق بين "كيانات سنّية وشيعية" وكيان كردي مستقل. فالجولة التي قام بها مساعده ديفيد شينكر في أربيل وأبو ظبي، تشير إلى هذا التوجّه الأميركي للتنسيق مع "النواب السنّة" ورئيس مجلس النواب محمّد الحلبوسي في الإمارات، كما رشح عن شينكر الذي يتخيّل استطاعته إنشاء "كيان سنّي في أية لحظة" وإنشاء " كيان أربيل" يحظى بشراكة مركزية مع أميركا، بحسب تعبيره، "لتحقيق العديد من أهدافنا في الشرق الأوسط".

هذا التوجّه الأميركي يعوّل على إعادة إحياء "داعش" على الحدود العراقية ــ السورية، لاستخدامه بشدّ العَصَب المذهبي ضد إيران والعراق من جهة وفوضى أمنية إجرامية ذات طابع مذهبي من جهة أخرى. لكن العودة إلى ما فات تعبّر عن مأزق المُراهنات الأميركية. فقد تجاوز العراق هذه المحنة على الرغم من الذيول العالِقة التي لا تتجاوز ثوابت الإجماع العراقي على وحدة أراضي العراق وخروج القوات الأميركية والمحافظة على المصلحة الوطنية في النفط والثروات الطبيعية. فهذه الثوابت العراقية هي الداعِم لمحور المقاومة في تدشين مرحلة تاريخية جديدة هدفها إخراج القوات الأميركية من المنطقة. وفي أول الغيث أثمر لقاء فصائل المقاومة العراقية في مدينة قم الإيرانية، عن حملات مليونية شعبية لتنفيذ قرار مجلس النواب بانسحاب القوات الأميركية. وبموازاة هذه الحملات الشعبية قد تبدأ فصائل الحشد الشعبي بعملية استنزاف تقلب المُراهنات الأميركية رأساً على عقب.