لماذا تهدّد أوروبا "بآلية فضّ النزاعات" ضد إيران؟

الترويكا الأوروبية التي وقعت على الاتفاق النووي، تهدّد بتفعيل "آلية فضّ المزاعات" والذهاب إلى مجلس الأمن لفرض عقوبات على إيران. لكن هذا التهديد هو محاولة لارضاء أميركا التي تتوعّد أوروبا بعقوبات على تعرفة السيارات، ولا يكفيها التصعيد الاوروبي في الملف النووي.

  • لماذا تهدّد أوروبا "بآلية فضّ النزاعات" ضد إيران؟

الدول الأوروبية التي وقعت على الاتفاق النووي وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لا تزال تقول أنها ملتزمة بالاتفاق على الرغم من انسحاب واشنطن. ولا تزال تطالب إيران بالالتزام التام من دون أن تقدم أوروبا على خطوة عملية تدلل على التزامها بعد أن منحتها إيران فرصة طويلة لتفعيل آلية "أنستكس" القاضية بالتبادل بين إيران والدول الأوروبية في صندوق أوروبي خاص ولا يشمل الشركات الأوروبية الكبيرة التي يمكن أن تتضرر من العقوبات الأميركية.

الخطوات الإيرانية المتلاحقة كل ثلاثة أشهر، في تخفيض التزامها بالاتفاق إذا لم تبرهن أوروبا على التزامها فعلياُ، وصل إلى الخطوة الخامسة في زيادة التخصيب وفي تفعيل مفاعل فوردو للماء الثقيل. لكنها لم تخرج من الاتفاق وفقاً للبند 26 من "خطة العمل المشتركة" الذي ينص على حق التراجع في حال تراجع الطرف الآخر عن تنفيذ التزاماته. ولم تتراجع إيران عن مراقبة الوكالة الدولية للطاقة النووية وعن اتفاقية الحد من الانتشار النووي.

الخطوة الإيرانية الأخيرة رأتها الترويكا الأوروبية تراجعاً إيرانياً من طرف واحد، فهدّدت بتفعيل "آلية فضّ النزاعات" وفق البند 36 الذي ينصّ في حالة الخلاف إحالة الموضوع إلى اللجنة المشتركة المؤلفة بعد انسحاب أميركا من: إيران والصين وروسيا والدول الأوروبية الثلاثة (4+1). ثم إحالته بعد 30 يوماً إلى مجلس الأمن لفرض العقوبات التي اعتادت عليها إيران طويلاً.

التهديد الأوروبي هو بمثابة ضغط نفسي بسبب وجود الصين وروسيا في اللجنة المشتركة وحقهما باستخدام الفيتو في مجلس الأمن. لكنه يعبّر عن "تكبّر وغطرسة أمام الشعب الإيراني" كما قال الرئيس الإيراني الذي هدّد أوروبا بتحمل التبعات. لكن الدول الاوروبية التي عجزت عن الالتزام بتعهداتها في آلية "آنستيكس" تحت الضغط، تلجأ للتصعيد تحت الضغط الاميركي أيضاً. فصحيفة واشنطن بوست الاميركية كشفت أن مايك بومبيو هدّد الدول الاوروبية برفع التعرفة الجمركية بمقدار 25% لمجرّد حديث أوروبا عن الالتزام بالاتفاق النووي. وقد أكّدت وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كارينبارو كشف واشنطن بوست، كما أشار إليه المبعوث الاميركي إلى إيران براين هوك. لكن الإذعان الاوروبي للضغط الأميركي بشأن التصعيد ضد إيران، لا يرضي الادارة الاميركية التي تستمر بالضغط وتهديد أوروبا بالعقوبات لأسباب تجارية متعدّدة. فوزير الخزانة الاميركية ستيفن منوشين يهدّد أوروبا في دافوس بزيادة التعرفة على السيارات الاوروبية إذا أقرّت التعرفة "التعسفية" على الشركات الرقمية الاميركية.

معضلة أوروبا أنها تحاول الوقوف على قدميها وإثبات وجودها على خريطة السياسة الدولية، من دون توفير سياسة خارجية مستقلّة عن الولايات المتحدة. بل تحاول التلطي خلفها تحت إدارة ترامب الذي لا يعيرها أدنى اهتمام واحترام، أملاً بلملمة الفتات في مبيعات الاسلحة للسعودية ودول الخليج وبذريعة حماية مصالحها التجارية مع الولايات المتحدة. بينما تحمي مصالح بعض الشركات الاوروبية الكبرى، وهي ليست أوروبية صرفة، لكنها تضرب عرض الحائط آلاف الشركات المتوسطة والصغرى التي لا تستطيع المنافسة في السوق الاميركية وهي العمود الفقري للاقتصاد الاوروبي في العمالة والاستقرار الاجتماعي.

وفّرت إيران في الاتفاق النووي فرصة ذهبية أمام أوروبا للإعراب عن تمايزها عن الادارة الاميركية في سياسة خارجية تحفظ لها الحد الأدنى من استقلالية القرار، والمشاركة المؤثرة في التوازنات الدولية. لكن القارة العجوز كما يقرّعها الاميركيون، لم تفقد قدراتها وحسب بل يبدو أنها تفقد كذلك ذاكرة الشباب.