"إسرائيل" وأذربيجان... ما ليس خافياً

في علاقتها مع أذربيجان، سعت "إسرائيل" من وراء تطبيقها سياسة "شدّ الأطراف" للوصول إلى مركز نفوذ في الشرق الأوسط، يتيح لها التأثير في تشكيل الاستراتيجيات في مناطق العالم.

  • اتّهمت إيران أذربيجان أكثر من مرة، بتقديم تسهيلات لجهاز الموساد الإسرائيلي
    اتّهمت إيران أذربيجان أكثر من مرة، بتقديم تسهيلات لجهاز الموساد الإسرائيلي

لا ينذر التوتر الأخير بين أذربيجان وإيران باتجاهات خطرة حتى الآن، فيما يبدو أن الأزمة سلكت مسارات دبلوماسية بعد رسائل النار الإيرانية، والمناورات التي سبقتها من الجانب الأذربيجاني، وجمعت قبل أسابيع أذربيجان وتركيا وباكستان، ثم أعقبتها بمناورات تركية أذربيجانية في مقاطعة نخجوان، انتهت الجمعة 8 تشرين الأول/أكتوبر.

أكثر من عنوان تصدّر تصريحات المسؤولين الإيرانيين، بالتزامن مع المناورات عند حدودها الشمالية الغربية، والتي وُصفت بالأضخم منذ 30 عاماً. أعلنت طهران أنها لن تقبل بأي تغييرات جيوسياسية في منطقة القوقاز، في ما يبدو أنه إشارة إلى رفضها تثبيت وقائع جديدة تمسّ مصالحها، كانت أفرزتها المعركة الأخيرة بين أرمينيا وأذربيجان، والتي تمرّ ذكراها الأولى هذه الأيام. ومثّل منع عبور باكو لشاحنات إيرانية واحتجاز اثنين من السائقين الإيرانيين على الطريق الذي كان في السابق تحت سيطرة يريفان، وانتقلت السيطرة الجزئية عليه إلى باكو بعد تحريرها مناطق واسعة من  ناغورنو كاراباخ، مثّل أحد تجليّات هذه التغييرات التي تثير حفيظة طهران وريبتها.

الأزمة أعادت الحديث عن وجود مجموعات إرهابية في أذربيجان كانت تقارير صحافية تحدّثت عن استخدام أعداد منها خلال الحرب بين باكو ويريفان قبل عام. وأفادت التقارير وقتها عن نقل هذه المجموعات، من سوريا وبرعاية تركية، للقتال إلى جانب حليفة أنقرة، لاستعادة  ناغورنو كاراباخ. 

إلا أن العنوان الأبرز التي طفا على سطح التوترات الأخيرة، وبرز رجْعُ صداه في الإعلام الإيراني، وعلى لسان معلقيه، تمثّل في الوجود الإسرائيلي على أراضي أذربيجان. لم تكن تلك المرة الأولى التي تتهم فيها طهران باكو بإيواء إسرائيليين أو تأمين ملاذ لهم بالقرب من حدودها الشمالية الغربية، إذ سبق أن حمّل مسؤولون إيرانيون "إسرائيل" المسؤولية عن هجمات استهدفت البرنامج النووي الإيراني انطلاقاً من أذربيجان. كما اتّهمت إيران أذربيجان أكثر من مرة، خلال السنوات الفائتة، بتقديم تسهيلات لجهاز الموساد، ولا سيما في ما يتعلق باغتيال علماء نوويين إيرانيين، وتوجه بعض المنفذين إلى أراضيها، قبل سفرهم إلى "إسرائيل".

اتهامات رفضتها باكو على الدوام، مطالبة جارتها بإبراز الأدلة على ما عدّته مزاعم، وإن لم تنفِ الجوانب المعلنة من العلاقة الاستراتيجية التي تربطها بـ "تل أبيب". بقيت الأدلة مكتومة لدى الجانب الإيراني، وربما لأسباب تتعلق بحساسيتها الأمنية، إلا أن "ويكيليكس" تكفّلت، إلى جانب تقارير نُشر كثير منها في الصحافة الإسرائيلية وبعضها في وكالات أجنبية، بالكشف عن بعض المستور منها.

في نيسان/ أبريل عام 2012، وفي خضم ما كُشف لاحقاً عن مساع قامت بها إدارة أوباما سراً لإبرام صفقة نووية مع إيران، نشرت مجلة "فورين بوليسي" تقريراً أشارت فيه إلى أن "إسرائيل" وجدت موطئ قدم لها في القواعد الجوية لأذربيجان، ما يقرّبها، بحسب الصحيفة، من احتمال ضرب إيران انطلاقاً من حدود هذا البلد.

وأضاف التقرير أن بعض المسؤولين في إدارة أوباما يرى أن الجزء غير المعلن من التحالف الإسرائيلي الأذربيجاني يتعلق بالتعاون الأمني بين البلدين، و"هو ما يعزّز مخاطر توجيه إسرائيل ضربة لإيران".

لم تحدث هذه الضربة، لكن في وقت لاحق على صدور التقرير في المجلة الأميركية المتخصصة في الشؤون الخارجية، نشرت "ويكيليكس" برقية أميركية مصدرها البعثة الدبلوماسية الأميركية في باكو وموجهة إلى واشنطن بعنوان: "التكافل  الأذربيجاني الإسرائيلي المكتوم"، تفيد بأن "إسرائيل" تستخدم الأراضي الأذربيجانية من أجل التجسّس على إيران.

تعود البرقية إلى العام 2009، وهي استندت، بحسب صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية (التي أفردت لها إلى جانب الصحف الإسرائيلية مساحة واسعة من التغطية) إلى محادثات بين دبلوماسيين في السفارة الأميركية ونظرائهم الإسرائيليين في باكو. أما أهداف "إسرائيل" من هذه العلاقات، بحسب ما جاء في البرقية، فقد تمثّلت في الحفاظ على أذربيجان حليفة ضد إيران، ورافعة من أجل الحصول على معلومات استخبارية، عدا عن كونها سوقاً لمنتجات عسكرية.

في هذه البرقية ترد العبارة التي باتت شائعة لاحقاً للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ويصف فيها العلاقات مع "إسرائيل" بأنها تشبه "جبل الجليد"، حيث إن معظمها مُخفًى.

ورغم نفي الأمر رسمياً في "إسرائيل" وأذربيجان، فإن ضابطين سابقين في جيش أذربيجان تربطهما صلات بجنود في الجيش، ومصدرين في المخابرات الروسية، قالوا لوكالة "رويترز"، في تقرير نشر بحدود الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2012، إن البلدين يدرسان كيف يمكن للقواعد والمخابرات الأذربيجانية الإسهام في أي هجوم محتمل على إيران. 

وفي نيسان/ أبريل 2016، تحدث الخبير الأمني الإسرائيلي في صحيفة "معاريف"، يوسي ميلمان، عمّا وصفه بـ"العلاقة الغرامية" بين "إسرائيل" وحليفتها الشيعية في بلاد القوقاز، في ظل التعاون الأمني الاستخباري بينهما. وأشار إلى أن هذا التحالف يزداد قوة على خلفية اندلاع الصراع المتجدّد بين أذربيجان وجارتها أرمينيا حينذاك. كما أوضح أن أهمية أذربيجان في نظر "إسرائيل" تكمن في أنها دولة تطل على بحر قزوين، ولديها حدود مع إيران وأرمينيا وروسيا وجورجيا، وهي أسباب تثير اهتمام "تل أبيب"، فضلاً عن كون أذربيجان دولة مصدّرة للنفط. ونقل ميلمان عن تقارير صحافية أجنبية أن أذربيحان تضم قاعدة كبيرة لجهاز الموساد الإسرائيلي، يستغل قربها الجغرافي من إيران لتعقّب ما يحصل داخلها من تطورات.

بالعودة إلى العام 2009، وعندما حلّ أفيغدور ليبرمان على رأس الخارجية الإسرائيلية، أنشأ قسماً جديداً باسم "أوراسيا"، يضم دولاً عديدة أهمها أذربيجان. وألّف ليبرمان طاقماً معظمه من اليهود ذوي الأصول الروسية، حيث كُلّف بتنمية العلاقات مع تلك الدول، وكان لافتاً أن يجري تنفيذ المهام بالتنسيق مع أجهزة الموساد والاستخبارات العسكرية، عدا عن مكتب رئيس الحكومة.

التوجه الإسرائيلي نحو أذربيجان بشكل عام جاء منسجماً مع السياسة التي ابتدعتها "إسرائيل" منذ السنوات الأولى لإنشائها، وعُرفت باسم "شد الأطراف". قضت هذه السياسة بإشعال الفتن، وخلق الأزمات في أطراف العالم العربي المعادي آنذاك، مستغلة التنوع الإثني والعرقي والمذهبي، وكل ذلك بهدف شل قدرات أطرافه. 

في علاقتها مع أذربيجان، سعت "إسرائيل" من وراء تطبيقها لسياسة "شد الأطراف" للوصول إلى مركز نفوذ في الشرق الأوسط، يتيح لها التأثير في تشكيل الاستراتيجيات في مناطق العالم، بعيداً من حصر نفسها في إطار جغرافي ضيّق.

وكانت صحيفة "تايمز" البريطانية نشرت عام 2012 تقريراً أوردت فيه شهادة لعميل إسرائيلي دعته "شيمون"، أكد فيها أن وجود الاستخبارات الإسرائيلية في أذربيجان "هادئ لكنه جوهري"، لافتاً إلى أن الوجود الإسرائيلي تزايد في السنوات الأخيرة في هذا البلد، للاقتراب من إيران بشكلٍ أكبر. 

لم يأت ذلك إلا ليؤكد تقريراً للخبير الإسرائيلي "بوعاز مزراحي" بتاريخ 11/10/2011. فخلال العدوان الإسرائيلي على غزة (2008-2009) حظرت باكو تنظيم تظاهرات احتجاجية قبالة السفارة الإسرائيلية، ما دفع بدبلوماسي إسرائيلي سابق إلى القول "إن الاستخبارات الإسرائيلية في أذربيجان تشعر كأنها في بيتها".

أما في في تموز/ يوليو من العام الماضي، فقد أفاد موقع "جويش نيوز" عن تعطّل سيارة وزير الاتصالات الإسرائيلي السابق أيوب قرا لعدة ساعات، بسبب مشكلة فنية في السيارة التي كانت تقلّه، عند الحدود الإيرانية الأذربيجانية، خلال زيارة لأذربيجان، "في مهمة مجهولة". 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي فواز

صحافي من أسرة الميادين

إقرأ للكاتب

خطورة كمين الطيونة.. لبنان إلى أين؟

يتزامن وجود فيكتوريا نولاند في بيروت مع حدثين ساخنين في لبنان وسوريا، فهل من رابط بين الأحداث...

متى تغرق "التايتانيك" الإسرائيلية؟

يتضافر حديث قائد "منظومة الدفاع الجويّ" الإسرائيلي مع كلام سبق أن أدلى به خبراء ومسؤولون...

الأمن المائي.. هل يلتفت لبنان إلى الأزمة قبل وقوعها؟

السيناريو الكارثيّ ليس وشيكاً بالضرورة، والحلول موجودة لكنها تحتاج إلى قرار، فهل تستجيب السلطات...

أبعد من سفينة.. أكبر من باخرة

القرار بالمعنى السياسي والاستراتيجي أكبر من باخرة. هو حدث سيرافق السفينة بعد انطلاقها، ولن يتوقف...

لاعب جديد في وسط آسيا.. ماذا بعد سيطرة "طالبان"؟

التطورات المتلاحقة والسريعة في أفغانستان سرعان ما تغلق أسئلة وتشرّع أخرى، لكن تداعيات الحدث على...

الحزورة التي عجزت "إسرائيل" عن حلّها

أهمية الرد الذي حدث هو أنه حسم هذا النقاش، وأجاب عن "الحزورة". تبقى معادلة الردع مُكرسة عند...