الأقطاب الثلاثة.. ما بين رؤى واستراتيجيات

إن النظرة إلى الصين لا يمكن أن تغفل بحر الصين الجنوبي، "البحيرة" التي يتنازع عليها الجيران، والدور الأميركي هناك، والمتنامي في أكثر من بقعة في المحيطين الهندي والهادئ.

  • الصين بقدراتها المترامية الأطراف سوف تسعى إلى الريادة مع عدم إغفال الوضع الأفغاني القريب حدودياً
    الصين بقدراتها المترامية الأطراف سوف تسعى إلى الريادة مع عدم إغفال الوضع الأفغاني القريب حدودياً

يعيش العالم فوق صفيح ساخن تُسعّر لهبه قوى كبرى كتبت مراحل جديدة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً على مدى عقود، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، وقوى تحاول استعادة دورها التاريخي، كروسيا المتسلحة بالإرث النووي للاتحاد السوفياتي مع نظرة أكثر منهجية، وقوى صاعدة على بساط حكم العالم كالصين، والتي استفادت كثيراً من الرؤى الاستراتيجية التي وضعها الحزب الحاكم والنظرة النهضوية، وخصوصاً منذ منتصف السبعينيات وحتى بداية الألفية الجديدة، إضافةً إلى قوى إقليمية صاعدة كإيران المنطلقة من صبر استراتيجي، رغم كل الضغوط ومحاولة زعزعة استقرارها تارة أمنياً وطوراً اقتصادياً، وتركيا "العدالة والتنمية"، التي تقوم بوظائف أطلسية - أميركية لكبح جماح إيران من جهة، وروسيا من جهة أخرى، رغم التقارب مع إيران في أكثر من مكان، ومع روسيا في أكثر من ملف.

بداية مع الولايات المتحدة الأميركية القابعة في نزاعات داخلية تؤرق أمنها واستقرارها الداخلي، أفرزتها أكثر فأكثر الظاهرة الترامبية، والتي أصبحت أمراً واقعاً، رغم كل ما ظهر من تباين بين توجهات بايدن والركائز التي ارتكز عليها ترامب في حكمه، من "أميركا أولاً" في المضمون، إلى الفجاجة والفظاظة الطاغية في الأسلوب شكلاً، إلى تحييده الروس ووضع الصين في قلب الصراع الطاغي حاضراً والمستمر مستقبلاً.

ما بين دولة عميقة تستدعي قراراتها الآنية والاستراتيجية اختيار أدوات حكم بأساليب مختلفة، ودور المؤسسة التصنيعية - التسليحية - المالية في اختيار التوجهات، يشهد أبناء العم سام ركوداً على مستوى الفكر السياسي في أكثر من منحى، فنرى التشتّت في أكثر من ملف، كأفغانستان والشرق الأوسط، وفي التعامل مع الدورين التركي والسعودي، والذي يتغير ظرفياً مع كل حدث، وحتى في التعامل مع أوروبا، فما يريح الولايات المتحدة هو عدم وجود قيادة سياسية رائدة تستطيع أن تدير الدفة سياسياً، وتذهب في اتجاه استقلال استراتيجي عنها، رغم كل دعوات ماكرون السابقة، والتي لا ترقى إلى مستوى التنفيذ لعدة اعتبارات شخصية وسياسية وتقنية، وحتى اقتصادياً، فأوروبا تودع العجوز ميركل المتربعة على عرش الدولة الأوروبية الأولى اقتصادياً (ألمانيا)، والتي ستترك المكان، بحسب ما يظهر، لـ"روبوت السياسة" أولاف شولتس؛ اليميني التوجّه في الحزب الاشتراكي!

وإلى روسيا الباحثة عن دور عاد تدريجياً، بدءاً من جورجيا، فالقرم وأوكرانيا، والتي تضع حداً لتقدم الغرب والناتو شرقاً، مضعضعة سياسة احتوائها. يؤدي الدب الروسي دوراً كبيراً في البحرين الأسود وقزوين مع الحفاظ على دوره الغازي في تغذية أوروبا (السيل الشمالي 2)، رغم كل تهديدات الولايات المتحدة، ولكن يُخشى أن يكون كلّ هذا الحضور البارز في أكثر من نقطة (سوريا، وأفريقيا، والقطب الشمالي، وطبعاً شرق أوروبا) مرتبطاً ارتباطاً جوهرياً بشخصية الرئيس بوتين الفولاذية، وأن لا يكون الرئيس الحديدي قد بنى منظومة سياسية تجنح نحو الاستفادة من المقومات الاقتصادية الموجودة، والتي تحررت من الأعداء الذين يناصبونها العداء بناء على الأيديولوجية، فيذهب كل ما يبنيه بوتين من قواعد عسكرية هنا وهناك، ومن حضور سياسي بارز جعله رقماً صعباً دولياً وإقليمياً، أدراج الرياح. إن حنكة الرئيس الروسي في التعامل بليونة وحزم مع تركيا في أكثر من ملف تجعله مطالباً بدور أكبر نسبةً إلى تشعّب روسيا الجغرافي والتاريخي والجيوسياسي.

إلى التّنين الصيني الصاعد الذي يحصد ما زرعه طيلة العقود الماضية، بعد حرب أهليّة أفرزت قيادة بارزة وضعت الأسس والمداميك، وزاد ناتجها المحلي منذ بداية الثمانينيات، بعد أن كانت توازي هولندا وإسبانيا، حتى أصبحت تقارب الولايات المتحدة.

إن النظرة إلى الصين لا يمكن أن تغفل بحر الصين الجنوبي، "البحيرة" التي يتنازع عليها الجيران، والدور الأميركي هناك، والمتنامي في أكثر من بقعة في المحيطين الهندي والهادئ، لمحاولة تطويق الصين بالـ"كواد"، بالاستعانة بأستراليا واليابان والهند وغيرها. 

الصين التي أسّست الزعامة الاقتصادية - التكنولوجية - التقنية، وتابعتها عبر الـ5G وطريق الحرير البرية والبحرية، والتي تصل آسيا بأوروبا بسكك حديد ومطارات ومرافئ، لن ترضى بأقل من مركزها الوظيفي الذي يتظهّر هنا وهناك. 

فلننظر إلى التنّين في جيبوتي، وحتى في مرفأ حيفا، رغم تعنّت الولايات المتحدة في دورها هناك، ولننظر إلى صراع الفضاء القادم مع الولايات المتحدة. إنَّ الصين بفكرها الشمولي ذي النزعة الانفتاحية الحالية لن تقبل بأقلّ ما يناسب حجمها الاقتصادي والتكنولوجي وحتى العسكري الآخذ في التحديث والتسليح والتطوير، وخصوصاً من الناحية البحرية (فرقاطات وحاملات طائرات)، ففي ظل وجود قوى مشاة بحرية ذات عقيدة وثبات منقطعي النظير.

لا شكّ في أنّ الصين تقدمت على الولايات المتحدة في معيار الأبحاث العلمية، وفي الإنفاق على البحث والتطوير، فقد أنفقت في العام 2020 حوالى 378 مليار دولار، بينما أنفقت الولايات المتحدة 139 مليار دولار، أي أقل بكثير من الصين، وهي ترغب في أن تكون أول دولة في العالم تملك محطة فضاء مستقلة بعد الولايات المتحدة. وفي العام 2020 أيضاً، ولأول مرة، أصبح الأسطول الصيني هو أكبر أسطول في العالم من حيث عدد القطع.

لا شكّ في أنّ الصين بقدراتها المترامية الأطراف سوف تسعى إلى الريادة مع عدم إغفال الوضع الأفغاني القريب حدودياً، وقضية الإيغور الصينيين، وكسر محاولة تطويقها، وحل قضية هونغ كونغ.

تبدو الأقطاب الثلاثة في مدّ وجزر، فما بين استعادة القيصر الروسي الأمجاد القديمة بعيداً عن مجموعة المفاهيم السائدة سابقاً، وترتيب الأميركيين أوراق البيت الداخلي، وما يتخلله من نزعات عنصرية متمادية وتفسيرات دستورية متجددة ما بين الديمقراطيين والجمهوريين، وسيطرة الصين على العالم، سيقبل الأخير على مشاحنات ونزاعات، ليس أولها آسيا الوسطى، ولن يكون آخرها بحر الصين الجنوبي، وما بينهما شرق أوسط جديد بنكهة ما يسمى "التطبيع"، ليبقى ملتهباً، رغم كل التقدم للمحور المناوئ لقوى الاستكبار، والذي يتبلور يوماً بعد يوم عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سامر كركي

إعلامي وكاتب لبناني

إقرأ للكاتب

لعبة الدّم القواتية والمقاومة المنتصرة

القوات اللبنانية التي لم تتخلَّ عن المنطق الميليشياوي، حتى بعد خروج قائدها من السِّجن بعد حلّها...

سوريا والمقاربة الاستراتيجية

مع كلّ هذا التقدم الميداني والدور الجيوسياسي الذي تعرف دمشق أنها تتقنه، ويعرف القاصي والداني...

أستراليا "الكومبارس" في لعبة الكبار

تبدو المنطقة على صفيح ساخن، إذ ينتظر العالم ردّ الفعل الصيني الذي يتميَّز دوماً ببرودة جليديَّة...

الولايات المتّحدة.. ما بين حلم وحقيقة

يتعثّر الأميركيون في أكثر من مكان، من أقصى الكرة الأرضيّة عند القطب الشمالي وحول القارة...

ما بين القاهرة وباريس.... ألا من يتّعظ؟

برز في الآونة الأخيرة تحركان أساسيّان؛ التحرّك الفرنسي الذي خرج بمبادرة العام الفائت، والمسعى...

حتى الوصول إلى الوطن الموعود

منذ "دولة لبنان الكبير" (1920)، جاهدنا لنصبح دولة، لكننا بقينا عاجزين. حتى منطق المواطنة كان...