الثورة السّودانيّة المختطفة: لم ينتهِ الأمرُ بعد!

بعد تأمين الغطاء السياسي من الولايات المتحدة والدعم المالي من السعودية والإمارات، شعر جنرالات السودان بأنهم في وضع قويّ للجلوس بشكل مريح في السلطة وإحكام قبضتهم على صنع القرار في البلاد.

  • سرعان ما اتضح أن الثورة المجيدة تعرضت
    سرعان ما اتضح أن الثورة المجيدة تعرضت "للاختطاف" على يد مثلّث من القوى

كانت ثورة عظيمة. 111 يوماً من الاحتجاجات والإضرابات والتظاهرات المتواصلة بين 20 كانون الأول/ديسمبر 2018 و11 نيسان/أبريل 2019 بقيادة جيل ثوري شجاع وشاب من السودانيين، رجالاً ونساءً، نجح أخيراً في هزيمة الديكتاتور القديم عمر البشير. 

وعلى الرغم من وحشية أجهزة البشير الأمنية، والتي خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى من المتظاهرين، فإنَّ الثوريين الشباب تمكَّنوا من الحفاظ على سلمية تحركاتهم، وهو ما مكَّنهم من الحصول على دعم شعبي كبير أدى في نهاية المطاف إلى سقوط الديكتاتور الذي كان على رأس السلطة منذ 3 عقود.

وللأسف، سرعان ما اتضح أن الثورة المجيدة تعرضت "للاختطاف" على يد مثلّث من القوى التي يبدو أنها أبرمت صفقة تقاسم سلطة في ما بينها للسيطرة على البلاد، مع استبعاد القوة الحقيقية التي قادت التغيير: الجيل الثوري الشاب! وعلى الرغم من أن حركات الشباب المناهضة للبشير كانت مدعومة من "تجمع المهنيين السودانيين"، يصعب القول إنَّ الثورة كانت مركزيّة القيادة والتوجيه، وبقيت بلا "زعيم" معروف أو كاريزمي يمكنه الادّعاء بأنه يمثل الجماهير التي ساهمت في الثورة. هذه الحقيقة ساعدت انتهازيين وبقايا من النظام القديم ومكّنتهم من "اختطافها"!

الضلع الأول والأهم من هذا المثلث هو العسكر. قرَّر الجنرالات الذين خدموا في عهد البشير لعقود التدخل ومنع الانهيار التام للنظام القديم، وبالتالي ظهور نظام ديمقراطي جديد حقاً بقيادة الثوار الشبان. أحد أبرز الجنرالات هو محمد حمدان دقلو، المعروف باسم "حميدتي"، وهو قائد "قوة الدعم السريع" شبه العسكرية التي أسَّسها البشير للقتال ضد حركة المعارضة في محافظة دارفور في العام 2003 وما بعده.

قوة الدعم السريع (الجنجويد) متهمة من قبل هيئات العدالة الدولية بارتكاب عمليات قتل عشوائية وجرائم حرب مروعة في دارفور (تشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 300 ألف شخص وتشريد مليوني شخص آخرين). حميدتي الَّذي يشغل الآن منصب نائب رئيس "مجلس السيادة" الذي يحكم السودان في عهد ما بعد البشير، كان الذراع القوية للبشير، وتمتع بنفوذ لا مثيل له في البلاد، بما في ذلك استخراج الذهب وتعدينه وتصديره.

الضلع الثاني هو مجموعة من البيروقراطيين الذين تلقّوا تعليمهم في الغرب، والذين خدموا في الأمم المتحدة والبنك الدولي والمنظمات الدولية الأخرى. تم إحضار عبد الله حمدوك، الَّذي أمضى السنوات الـ32 الأخيرة خارج السودان، لرئاسة الحكومة الانتقالية، وبالتالي إعطاء وجه "مدني" لسودان ما بعد البشير. وبهذه الخلفية، فإنَّ مهمته هي ببساطة قيادة السودان إلى الامتثال الكامل لمعايير صندوق النقد الدولي والمنظمات المالية الدولية الأخرى التي تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية.

الضلع الثالث من المثلث هو الأحزاب التقليدية القديمة في السودان. أصبحت مريم المهدي، ابنة الصادق المهدي من حزب الأمة، وزيرة للخارجية في الحكومة الانتقالية. ومن الواضح أنَّ تعيينها كان يهدف إلى إظهار "الدعم العام" في البلاد للترتيبات السياسية الجديدة. وعلى الرغم من أنَّ حزب الأمة متجذّر بعمق في تاريخ السودان الحديث، فإنه أصيب بحالة جمود فعلية على مدار العقود القليلة الماضية، ولا يمكنه أن يدعي أيَّ اتصال حقيقي بجيل الشباب الناشئ في السودان.

يدرك القادة العسكريون الذين لهم اليد العليا في السودان اليوم أنهم لا يستطيعون الاستمرار من دون الحصول على الدعم الأجنبي الحيوي لإبقائهم في السلطة. لذلك، تحركوا في اتجاهين: الولايات المتحدة (و"إسرائيل") ودول الخليج النفطية. بدأوا بإعلانهم قبول السودان المسؤوليةَ الأخلاقية والقانونية عن الهجمات التي استهدفت سفارات الولايات المتحدة في شرق أفريقيا في العام 1998، والتي نفّذها تنظيم "القاعدة" بزعامة أسامة بن لادن، حتى إنهم جعلوا السودان (الدولة الفقيرة المحرومة عملياً من النقد الأجنبي) يدفع 335 مليون دولار للولايات المتحدة كـ"تعويض"، ثم أعلنوا استعداده للانضمام إلى سيرك "التطبيع مع إسرائيل" المعروف باسم "اتفاقيات أبراهام" بقيادة الإمارات. 

التقى رئيس "مجلس السيادة" الفريق عبد الفتاح البرهان رئيسَ الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، ثم أُعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2020 أن السودان توصل رسمياً إلى "اتفاق تطبيع" مع "دولة إسرائيل". طبعاً، شعر دونالد ترامب واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة بالسرور الشديد لما قام به جنرالات السودان. وفي المقابل، قام بحذف اسم السودان من القائمة السوداء الأميركية لـ "الدول الراعية الإرهاب"، وبالتالي فتح الباب لاستعادة أهليته للحصول على القروض والمساعدات المالية من البنك الدولي.

الحرب في اليمن هي شأنٌ خارجيّ آخر يحرص جنرالات السودان على استخدامه كأداة للحصول على المال. الديكتاتور القديم عمر البشير كان قد سارع للانضمام إلى الحملة الحربية السعودية على اليمن في العام 2015، وقام بإرسال الآلاف من القوات السودانية إلى مناطق الحرب هناك (التقديرات تتراوح بين 15 و30 ألف جندي).

ومن الواضح أن البشير تلقى مبالغ مالية كبيرة مقابل مساهمته تلك (خلال مثوله أمام المحكمة، تم الكشف عن أن البشير تلقى شخصياً حقائب محملة بالدولارات الأميركية من مندوبين سعوديين). ونظراً إلى انعدام وجود أي عداء أو صراع بين السودان واليمن، كان الجميع (بمن فيهم السعوديون أنفسهم) ينظرون إلى القوات السودانية التي تقاتل في اليمن على أنها مرتزقة.

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تقريراً مهماً عن اليمن بعنوان "على خط المواجهة في الحرب، وفي يوم 28 ديسمبر 2018، السعودية في اليمن: جنودٌ أطفالٌ من دارفور"، كشف حقائق مروعة عن تجنيد أطفال من محافظة دارفور في السودان وإرسالهم إلى جبهات الحرب اليمنية من قبل الجنرال حميدتي.

وذكر التقرير أنَّ 40% من القوات السودانية المرسلة إلى اليمن تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً! لذلك، من الطبيعي أن يكون انسحاب القوات السودانية من اليمن أحد مطالب الثورة السودانية. ومن هذا المنطلق، أعلن الرئيس المدني للحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك في 9 كانون الأول/ديسمبر 2019 أن السودان سيخفض وجوده العسكري في اليمن من 15 إلى 5 آلاف جندي، ولكن من المؤكد أنَّ حمدوك ليس له أي كلمة على الإطلاق في الأمور أو الترتيبات العسكرية.

وفي 22 تموز/يوليو 2021، أعلنت حركة "أنصار الله" في اليمن أنها قتلت وأسرت عدداً كبيراً من الجنود السودانيين خلال عمليات عسكرية في المناطق الحدودية السعودية اليمنية. يبدو من المؤكّد أنَّ الجنرالات السودانيين يحافظون على وجودهم النشط في الجبهات اليمنية لإرضاء داعميهم السعوديين ضدّ إرادة الغالبية العظمى من السودانيين.

بعد تأمين الغطاء السياسي من الولايات المتحدة والدعم المالي من السعودية والإمارات، شعر جنرالات السودان بأنهم في وضع قويّ للجلوس بشكل مريح في السلطة وإحكام قبضتهم على صنع القرار في البلاد، مع ترك الحكومة الانتقالية "المدنية" لتتحمّل مسؤولية الفوضى الاقتصادية والظروف السيّئة في البلاد.

فشلت حكومة حمدوك فشلاً ذريعاً حتى الآن. بلغ معدل التضخّم أرقاماً قياسية في نيسان/أبريل الماضي (300%)، وفقد الجنيه السوداني 85% من قيمته، وبالكاد يمكن العثور على العملات الأجنبية في السوق، وارتفع سعر الوقود والخبز بشكل كبير مع نقص حادّ في إمدادات الكهرباء للجمهور. 

لم يُلاحظ أيّ تحسن اقتصادي، ولم يتم إطلاق مشاريع جديدة، ولم يحدث شيء حقيقي يمنح الناس الأمل. تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، والطاعة الكاملة للأوامر الأميركية، والالتزام التام بتعليمات البنك الدولي... كلّ ذلك تم تسويقه للناس على أساس أنه سيحقّق الرخاء والحلول لمشاكل البلاد. وقد ثبت خطأ ذلك، ويدرك الناس مع كلّ يوم يمر أن الأمر كله كان عبارة عن كلام وأوهام.

في 25 أيلول/سبتمبر، بدأت التظاهرات في المحافظات الشرقية في السودان (البحر الأحمر والغضارف)، وأغلق المتظاهرون مطار بورتسودان، وقاموا بإيقاف خطوط تصدير النفط. وفي 30 أيلول/سبتمبر، اندلعت تظاهرات كبيرة في الخرطوم، وخرج عشرات الآلاف إلى الشوارع، وألقوا باللوم على السيطرة العسكرية على البلاد، وهتفوا "مدنية مدنية". لم تتلاشَ روح الثورة في السودان، وعلى حكامها الحاليين توقّع أوقات عصيبة ستأتي عليهم في قادم الأيام.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام عبد الكريم

كاتب وباحث من الأردن

إقرأ للكاتب

في وداع محمَّد جواد ظريف

لا شكّ في أنَّ إيران سوف تفتقد شخصيّة بحضور محمد جواد ظريف وخبرته. ولو كان الوزير الجديد القادم...

أميركا تخذلُ زبائنها في أفغانستان

صحيحٌ أنَّ أشرف غني يحمل لقب "رئيس" لبلدٍ حليف، إلا أنه، في نظر أميركا، يبقى مجرد زبونٍ لها، أتت...

في ذكرى حرب تموز 2006.. ترابط جبهات محور المقاومة بدأ مبكّراً

قوى المقاومة صارت اليوم كالجسد الواحد، "إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر...

أحمد جبريل.. الرجل الذي بقي وفياً للبندقيّة

لم تكبّله الأيديولوجيا، ولم يكن يميِّز بين إسلامي ويساري ووطني وقومي عربي، ما دامت فلسطين هي...

الثلاثي الصهيوني - التايواني – الأبارثايد: تشابُه النشأة وحتمية الزوال

كما تحالفت الأنظمة الثلاثة المصطنعة مع بعضها البعض، كذلك فعلَ أعداؤها! فصارت العلاقات وثيقة بين...

قراءة في نتائج الانتخابات الإيرانية

الآن، وقد فاز إبراهيم رئيسي في الانتخابات الإيرانية، فإنه يواجه مهمة شاقة وعسيرة، تتمثل في إخراج...