السادس عشر من أيلول/سبتمبر: أمل بعيد جديد للبنان

سيوزّع النفط وفق آلية نظامية منضبطة، كما أعلن السيد حسن نصر الله؛ آلية مؤسّساتية تعطي دروساً في تجربة راقية ومتطوّرة، ولا تحرم أية منطقة.

  • إنه تأسيس لوطن جديد أكثر تحرراً من السيطرة الغربية
    إنه تأسيس لوطن جديد أكثر تحرراً من السيطرة الغربية

إنّه السادس عشر من أيلول/سبتمبر. ليس اليوم يوماً عادياً، رغم أنه يبدو كذلك مع دخول الطاقة النفطية قادمة من الشرق، من إيران، عبر سوريا، وبالتعاون بينهما، في عملية كاسرة للحصارات التي مارسها الأميركي على المنطقة، وليست الحكاية مجرد تأمين المازوت أو البنزين أو سواه للمؤسسات أو المواطنين. إنه تأسيس لوطن جديد أكثر تحرراً من السيطرة الغربية، ودولة جديدة، وسلطة جديدة. 

يبدو الأمر على شيء من التضخيم أو المفاخرة، لكنه في الحقيقة مقارنة بين دولة وسلطة حالية متهالكة تصارع من أجل البقاء، ووطن ودولة وسلطة قادمة منفتحة على الشرق ومتفاعلة معه، بدءاً من سوريا، وامتداداً إلى الساحات الأخرى، لتحل محل تلك السلطة الآفلة التي أسسها الغرب الاستعماري، فاستمرت بقوته، وصارعت، وباتت اليوم في نزاع الموت.

منذ العام 1943، تاريخ استقلال لبنان، تحكَّمت في الوطن ودولته وسلطته قوى مختلفة، ارتكزت على توزيعة طائفية دائماً، وأسَّست البلد على نظام اقتصادي وسياسي كامل التبعية للغرب، وفي صورة مهجّنة ومشوهة عن تجارب الغرب الصناعي. 

ما يهمّنا من الحديث هو ما آلت إليه الأمور مع هذه الدولة منذ حركة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بلوغاً إلى اليوم كنقطة ذروة لتلك الحركة التي بدأت بهدف فكفكة الحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي سادت البلد منذ نشأته، على علاتها، كحاضنة للمقاومة التي قضت مضجع الإسرائيلي والأميركي، ولم يبق أمامهما إلا تعريتها، ظناً منهما أنَّ المقاومة ستسقط، وسيسهل ضربها. 

كانت سلطة هجينة تتحكّم في البلد منذ عقود، وتغوص عميقاً في تاريخ تأسيسه، لكن وضعها تفاقم منذ اتفاقية "الطائف" التي فتحت الدولة ومؤسساتها على مراحل انهيار قبل حركة السابع عشر من تشرين الأول، حتى إذا جاء الموعد التشريني، وتقاسم الشارع والمصرف المركزي إدارة الانهيار، أمكن إسقاط الدولة بالتدريج، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه من شبه انعدام في التيار الكهربائي، وشحّ في الطاقة بكل أصنافها، وكشف المستور في نظام الخوة المصرفي، وبتنا في حالة يطغى فيها كل ما هو أسود في سوق المال والنفط والكهرباء... حتى الطابع الأميري وإخراج القيد صارا سوقاً سوداء، وتحول البلد مع دولار السوق السوداء، وبنزين ومازوت السوق السوداء، إلى بلد يقوم على السوق السوداء، تشارك فيها كثرة لبنانية، ولا نعرف إن كانت أكثرية. 

حصيلة 17 تشرين الأول/أكتوبر لم تكن تعرية المقاومة بالنتيجة، إنما تحويل البلد ونظامه إلى سوق سوداء، بآليات المصرف المركزي الذي غامر بكلّ ما لديه من احتياط نقدي، ولا هم له سوى مزيد من النهب، فالانهيار، وصولاً إلى وهم حصار المقاومة، وبات المصرف عاجزاً عن توفير الأموال لتأمين السلع وفق آلية نظامه المتبع، فشحّت المواد، وخصوصاً مواد الطاقة، وانخفضت كمية الكهرباء والبنزين والمازوت والفيول، وهي المواد التي تشكل العصب الحيوي لأي مجتمع، وتجرد المواطن من قدراته أمام الانهيار الاقتصادي وارتفاع أسعار مختلف حاجات الحياة. 

اليوم، لم نعد في لبنان ذي النظام المقلد لليبرالية، على بشاعته، بل بتنا في سوق سوداء لمختلف السلع، لا يتوانى فيها إنسان عن استغلال ظروف بقية الناس، فينخرط في اللعبة إلى حدودها القصوى. بات البلد سوق نهب أسوأ من السوق السوداء. تغيب المواطنية بالتمام والكمال، ويقوم الناهب بكلِّ ما أوتي من قوة بالاعتداء على المواطن الآخر، سالباً إنسانيته وحقوقه وأبسط مقومات حياته.

أمام هذا الواقع الأسود، تغيب السلطة وأجهزتها عن القيام بأيِّ دور رادع محافظ على ما تبقى من مقومات وطن، وربما انخرطت أطياف واسعة منها في السوق السوداء التي بات متعذراً جداً وقفها ومنعها من ممارسة أعمالها، فإذا الساحة اللبنانية في مشهدية غير مسبوقة من تاريخه: كيان منهار ليس هناك من يحافظ على خارطته، ودولة مفكّكة، وسلطة غائبة، ومصرف مركزي على شفا الجفاف.  

في مقابل هذا الواقع المأسوي المنهار كلياً، تطلّ بادرة مستجدة يظنّ كثيرون أنّها مجرد عملية تجارية، هي استيراد "حزب الله" للنفط الإيراني. هنا، تستقرّ لعبة الصراع على عصب أساسي في عصر الحداثة، إذ تؤدي الطاقة النفطية الدور الأساس في استمرارية الحياة.

يبدأ النفط الإيراني بالوصول. وتنزل إلى السوق آخر دفعة من نفط الشركات عبر تحويلات المصرف المركزي بالدولار، والذي لم يعد لديه ما يحوله، لتخدم السوق الرائجة لأيام قبل نهاية مفعولها.

يتوزّع النفط القادم من الشرق على مختلف أنحاء لبنان. والمؤكد أنّه سيلقى رواجاً منقطع النظير، نظراً إلى شحّه أولاً، وثمنه ثانياً، وعدم خضوعه للدولار المذلّ للكرامة الوطنية ثالثاً.

سيوزّع النفط وفق آلية نظامية منضبطة، كما أعلن السيد حسن نصر الله؛ آلية مؤسّساتية تعطي دروساً في تجربة راقية ومتطوّرة، ولا تحرم أية منطقة من النفط، وسيوزع برقابة مشددة تضرب السوق السوداء، وسيغرق السوق بالتدريج في قوافل سفن متتالية. 

وبالتدريج، ستعود الحياة إلى طبيعتها، وتعود حركة السيارات العادية بأرخص الأسعار بالعملة الوطنية. وما هي إلا أسابيع حتى يشهد البلد عودة طبيعية للحياة التي كانت قبل 17 تشرين الأول/أكتوبر، وباتجاهات مؤملة بالأفضل، إذ ستتركز تداولاته الأساسية على العملة الوطنية، وبأسعار غير ربحية لا تخنق المواطن، ولن يكون هناك دور للمصرف المركزي في ملاحقة المواطنين و"تشليحهم" أموالهم والتلاعب بمصير الوطن.

ينتظر الحالمون بناء دولة مؤسَّساتية عادلة، تضع مصلحة المواطن في أولوياتها، وهموم الوطن في مقدمة الاهتمامات. ينتظرون حياة عادية لم يسبق لهم أن عاشوها، وسلطة جديدة منتظمة وراشدة وعادلة تحلّ محلّ سلطة جائرة تآكلها الفساد.

يأتي اليوم السادس عشر من أيلول ليكون موعد بناء دولة جديدة منفتحة ومتفاعلة مع المحيط المشرقي، تحلّ محل سابقتها. إنها أشبه بثورة من دون ضربة كفّ، تقلب الأوضاع رأساً على عقب. إنها ثورة تغيير، أداتها نفطيّة، وهي الأولى من نوعها في التاريخ، على أمل أن يكون السادس عشر من أيلول عيداً للبنان جديد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

الطيونة.. كي ينام الإسرائيلي باطمئنان

التطورات اللاحقة، حتى الأيام القليلة، دمّرت لبنان، وأعادته إلى ما يشبه العصر الحجري، بحيث لا...

"عاشوراء 2021": نقطة تحوُّل مفصلية نحو لبنان جديد

يستفيد السيد نصر الله من التجربة الأفغانية الأخيرة ليُعطي درساً لمن لا يريد أن يفهم أن الأميركي...

في مثل هذا اليوم.. بدأ زمن الانتصارات

قبيل المساء، ظهرت على الشاشة صورة سيد المقاومة حسن نصر الله. في تلك الفترة، كان مجرد ظهور هذه...

شرق جديد قاب قوسين أو أدنى

بين مبادرات الزعامات اللبنانية ممثلة لقواه الميثاقية الأساسية، والضغط الشرقي في وجه الخارج...

مسارات في فلسطين... إصرار على التمسك بالأرض وتحدي الاستيطان

تحت عنوان "نمشي وتمشي في دمنا البلاد"، واصل فريق "موطني" مساراته في اكتشاف المزيد من مناطق...

آخر المعارك الوطنيَّة: التحرّر من الدّولار بالتوجّه شرقاً

لم يكن سلاح الدولار مصادفةً ووليداً لتطوّرات موضوعيَّة، إنما كان مخططاً له، وجرى رسم دوره على يد...