الولايات المتّحدة.. ما بين حلم وحقيقة

يتعثّر الأميركيون في أكثر من مكان، من أقصى الكرة الأرضيّة عند القطب الشمالي وحول القارة الأفريقية مع الدب الروسي، ومحاولتهم زرع الألغام أمام طريق الحرير الصيني والصلابة التي تبديها الجمهورية الإسلامية في المفاوضات.

  • تبدو البلاد المتوّجة على عرش الحربين العالميتين في سبات عميق
    حالة الانقسام في المجتمع الأميركي ظاهرة للقاصي والداني

في زمن الصّعود الصّينيّ المهيب، تتوالى الإخفاقات الأميركيّة وحسابات الحقل التي لا تطابق حسابات البيدر، من أفغانستان التي تؤدي دوراً حيوياً نظراً إلى موقعها الجيوستراتيجي وحدودها مع خصوم الولايات المتحدة (روسيا والصين وإيران) وأعدائها إلى أكثر من مكان، حيث تبدو السياسة الأميركية متحفّظة، ويتعذّر على الأميركيين إعادة صوغ سياسات آنية أو استراتيجية مُجدية.

يتعثّر الأميركيون في أكثر من مكان، من أقصى الكرة الأرضيّة عند القطب الشمالي وحول القارة الأفريقية مع الدب الروسي، ومحاولتهم زرع الألغام أمام طريق الحرير الصيني والصلابة التي تبديها الجمهورية الإسلامية في مفاوضات العودة، إلى الاتفاق النووي الذي خرجت منه إدارة ترامب في العام 2018، إلى التمايز في أكثر من نقطة وملفّ مع الكيان الصهيوني، مع عدم إغفال الخطوط العريضة والمبادئ العامة التي تجمعهما، إذ يبدو أبناء العمّ سام في تخبّط كبير، فهل نحن أمام مرحلة أفول نجم الإمبراطورية الأميركيّة؟

هناك 4 أوجه شبه بين ما يحصل للولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين وما حصل لبريطانيا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وجه التشابه الأول هو تراكم الديون، ففي العام 1918، كانت نسبة ديون بريطانيا تبلغ 109% من الناتج المحلّي، ثم قفزت إلى 200% في العام 1934. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنَّ الدّين تجاوز 100% من الناتج المحلّي، وسيصل إلى 110% بعد وقت قريب جداً.

الوجه الثاني هو تراجع القوة، ولو نسبياً، إذ ظهرت قوى صاعدة نافست بريطانيا حتى اقتصادياً، كالولايات المتحدة نفسها وألمانيا والاتحاد السوفياتي الَّذي تفوّق اقتصاده عليها في العام 1930. والجدل دائر الآن: هل تفوّقت الصين على الولايات المتحدة؟ وإذا احتكمنا إلى معادلة القوة الشرائية، فالصّين تفوّقت على الولايات المتّحدة منذ العام 2014.

الوجه الثالث هو عمليّة الاسترضاء التي بدأتها بريطانيا، بغضّ الطرف عن ألمانيا وإيطاليا في أوروبا واليابان في آسيا، والأمثلة عديدة عند استيلاء ألمانيا على قسم من تشيكوسلوفاكيا. ردّ رئيس الوزراء البريطاني آنذاك تشمبرلين: "هذا شجار في بلد بعيد بين شعوب لا نعرف عنها شيئاً". واستولى هتلر لاحقاً على كامل تشيكوسلوفاكيا تمهيداً لغزو كامل أوروبا، والحال نفسه الآن بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذ تسعى دول مواجهة للتوسّع في محيطها الإقليمي، والولايات المتحدة تغضّ الطرف، والأمثلة عديدة، ومنها سيطرة الروس على القرم والوجود الروسي في سوريا والصيني في بحر الصين.

وجه التشابه الرابع هو النخب المتمرّدة والساخطة على بلدها، وهو ما شاهدناه في بريطانيا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ونراه في الولايات المتحدة اليوم من تذمّر من العنصرية وعدم المساواة وغيرهما، والروس والصينيون يقرأون هذا التناحر الكبير ويحاولون الاستفادة منه.

ويُلاحظ أنّ الولايات المتحدة تعاني 4 مواطن ضعف تظهّرت في العقد الأخير، أولها تململ الأميركيين من الخدمة في بلاد النزاع الصّعب كأفغانستان والعراق وغيرهما، ثانياً: عجز مالي وضعف اقتصادي لا يمكّنها من الإنفاق على حملاتها العسكرية. ثالثاً: اهتمام الناخب الأميركي بأمور أخرى، فقد يؤيّد رئيساً أميركياً في التدخل في بلد ما، ثم بعد شهور أو سنوات قد يضغط لإعادة الأبناء إلى البلد، ما يضع ضغوطاً على صانع القرار الأميركي.

رابعاً: النقص في القدرة على التعلم من تاريخ الولايات المتحدة، فضلاً عن تاريخ الدول الأخرى، فالولايات المتحدة لم تتعلّم من درس بريطانيا في الثلاثينيات عندما سئل روزفلت تشرشل: ماذا يجب أن نسمي الحرب العالمية الثانية؟ فقال: حرب غير ضرورية، وما كان لبريطانيا وحلفائها أن يخوضوا هذه الحرب لو تصدوا باكراً للحضور والطموح الألماني والإيطالي والياباني. 

إنَّ حالة الانقسام في المجتمع الأميركي ظاهرة للقاصي والداني، فبعد أن كانوا ينقسمون حول الضرائب والإجهاض وغيرهما، أصبح الانقسام عمودياً وجوهرياً، ورأينا حملة لتظهير العام 1619 والاحتفاء بها (عام وصول السفينة التي تحمل أفارقة إلى فرجينيا لخدمة المستعمر البريطاني)...

تبدو البلاد المتوّجة على عرش الحربين العالميتين في سبات عميق، رغم حضورها الكبير في قارات العالم أجمع وحجم القوة البحرية التي تمتلكها، فمن سمح لروسيا بالعودة على طبق من ذهب، ومن لم يُعر هذا التقدم والتطور الصيني اهتماماً على مدى عقود، فلا عجب أن تفاجئه دول أخرى تسهم في خلط الأوراق. وكما كانت أزمة السويس والعدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 النقطة التي أسقطت بريطانيا عن عرشها، فهل ستكون تايوان في أيّ مواجهة مقبلة هي التي ستُعرّي المارد الأميركي وتجعل الإمبراطورية الأميركية مجرد ماضٍ بائد أم سيكون هناك حدث آخر سيمضي قدماً؟ لا شكّ في أنّ كلّ التصوّرات تقود إلى ولايات متحدة، باعتبارها قوّة غربيّة كبيرة، لا كما كانت منذ العام 1989 حتى العام 2009... إنَّ غداً لناظره قريب!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سامر كركي

إعلامي وكاتب لبناني

إقرأ للكاتب

ما بين القاهرة وباريس.... ألا من يتّعظ؟

برز في الآونة الأخيرة تحركان أساسيّان؛ التحرّك الفرنسي الذي خرج بمبادرة العام الفائت، والمسعى...

حتى الوصول إلى الوطن الموعود

منذ "دولة لبنان الكبير" (1920)، جاهدنا لنصبح دولة، لكننا بقينا عاجزين. حتى منطق المواطنة كان...