حكومة أميركيّة - فرنسيّة على باخرة إيرانيَّة!

كلّ هذا حصل بعد أن انطلقت "باخرة السيّد" من شواطئ الجمهوريّة الإسلاميّة باتجاه الشواطئ اللبنانية – السوريّة، لتحطّ رحالها في مرفأ بانياس.

  • حكومة أميركيّة - فرنسيّة على باخرة إيرانيَّة!
    حكومة أميركيّة - فرنسيّة على باخرة إيرانيَّة!

فشلنا في "الخطة أ". لا بأس بـ"الخطة ب"، وهي تهدئة الأوضاع والمساكنة مع حكومة جديدة، ريثما تنجلي الأمور أكثر، ونصل إلى زمن الانتخابات النيابية. وفي ضوء نتائجها، نقرّر ماذا نفعل. هذا باختصار ما آلت إليه الأوضاع في لبنان، "فالخطّة أ" التي كان الهدف منها تضييق الخناق على اللبنانيين وتقليبهم على المقاومة اللبنانية لم تؤدِ إلى نتيجة، بل انقلبت نتائجها على أتباع أميركا في لبنان، فارتفع الصراخ حتى وصل إلى البيت الأبيض، من خلال بعض أعضاء الكونغرس الأميركي الذين حذروا من أنَّ "البلد" سيصبح في قبضة "المقاومة اللبنانية" إن لم نتدارك الأمور ونخفّف القيود التي فرضناها على الشعب بأكمله، من خلال "قانون قيصر" و"تجفيف الدولار" و"الخنق الاقتصادي".

كلّ هذا حصل بعد أن انطلقت "باخرة السيّد" من شواطئ الجمهوريّة الإسلاميّة باتجاه الشواطئ اللبنانية – السوريّة، لتحطّ رحالها في مرفأ بانياس، وحمولتها من مادة المازوت في البقاع اللبناني، إذ سيتمّ توزيع الكميات بحسب الأولويات على المناطق اللبنانية كافة، بعد الانقطاع المتعمّد للمازوت والبنزين والأدوية والمواد الغذائية بفعل الحصار الأميركي.

انطلقت الباخرة من إيران، وقفزت السفيرة الأميركية في بيروت باتجاه أسيادها في واشنطن، فتحولت من توزيع الكمامات على الطرقات إلى مطالبة إدارتها بتأمين الحلول، و"إلا" فالسيّد "سيفعلها" ويتوجّه شرقاً، وسيغرق البلد بالمشتقات النفطية والأدوية والحليب والطحين من الشرق.

عندها، استعانت بمستشاريها اللبنانيين، من "الأصدقاء الخُلّص" الذين اقترحوا عليها "تفعيل مشروع مد الغاز المصري عن طريق الأردن وسوريا إلى لبنان"؛ هذا المشروع الذي عمل عليه سيزار أبي خليل وزير الطاقة والمياه اللبناني الأسبق، في إطار عقد تصدير الغاز المصري إلى لبنان، الموقّع في العام 2009، إذ أعلنت مصر حينها "الاستعداد لتقديم كلّ أوجه المعاونة في مختلف مجالات صناعة البترول والغاز في لبنان، ووضع إمكانيات الشركات البترولية المصرية وخبراتها لتلبية احتياجات لبنان المستقبليّة في مجال المشروعات البترولية". وقد أُجهض المشروع في حينه بعد حملة الضغوط التي مورست على الوزارة اللبنانية، بحجّة أنّ "التمديدات ستمر عبر سوريا"، وكان للسفارة الأميركية وعملائها وأصدقائها الدور الأكبر في عملية الإجهاض.

لم تكن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لتولد حتى اللحظات الأخيرة، فقد كانت نيّته تتأرجح بين الاعتذار والاعتكاف، إلى أن تم الاتصال "الفرنسي" مع كلٍّ من الرئيسين ميشال عون ونجيب ميقاتي وحثّهما على الإسراع في تشكيل الحكومة، "لأن الأوضاع لا تحتمل"! ولا بد من تشكيلها "بالناقص أو بالزائد". المهم "شكل حكومة" و"الضمانة داخلها" (بعض أعضائها الموالين للإدارتين الأميركية والفرنسية)، لتلبية حاجات "الخطة ب"، فالمرحلة هنا لا تتطلب الأميركي وحده في هذه الظروف الأميركية المعقدة أساساً بعد الخروج المذل من أفغانستان، بل لمن يستطيع باحتراف أن يكون البديل الأمين، ومن سيكون غير المستعمر القديم، وما المانع من أن يكون فرنسياً – أميركياً! وهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ الفرنسي والأميركي ليس باستطاعتهما إيجاد الحلول للتحوّلات العالمية التي أدت دوراً أساسياً في منطقتنا التي تتعرض لنزيف منذ بداية ما سمي "الربيع العربي" لغاية الساعة.

لن تستطيع الحكومة العتيدة أن تصنع المعجزات، ولن تستطيع أن توقف الانهيار الاقتصادي، فنيات الحكومة الجديدة ظهرت من خلال تصريحات وزرائها، وعلى رأسهم رئيسها، وهي إدارة الأزمة واستعطاء المال من الدول العربية والغربية وصندوق النقد الدولي، أي الإمعان أكثر في إغراق البلد والشعب في قعر الهاوية، من خلال ديون جديدة تضاف إلى حزمة الديون القديمة ورهن مصير البلد واللبنانيين بالبنوك الدولية على مختلف أنواعها.

باستطاعتنا القول إن الحلول موجودة في ما لو خرقت هذه الحكومة كلّ القيود التي أتت بها، ولكن رئيسها ووزراءها والذين أتوا بهم لا يوافقون على الحلول الواقعية، وهي الابتعاد عن كل ما سلف من استعطاء الغير والتركيز على المشاريع المقدمة من الصين وروسيا وإيران، والتي لن تكلّف الخزينة اللبنانية واللبنانيين إلا اليسير اليسير مقابل الكثير الكثير من الغرب! ولكنَّ هذا مشروط بإرادة وتوجه سياسي مختلف كلياً عما يجول في أروقة الوزارة الجديدة، وهو يكاد يكون الحل الأوحد، مهما وضعوا العراقيل لتنفيذه.

إنَّ التحولات القادمة إلى المنطقة هي لمصلحة "الحلف المضاد" للتبعية الأميركية والغربية، وبالتالي لا بدَّ من ملاقاته، فالانسحاب الأميركي من أفغانستان، وبهذه الصورة المذلّة، والاتصالات القائمة مع العراقيين وجيرانهم لتأمين انسحاب مطمئن من العراق، وبوادر الحلول التي نُفّذ جزء منها ويتم ترقّب الجزء الآخر في سوريا، إضافة إلى الاتصالات القائمة في فلك العودة إلى مفاوضات فيينا، واللقاء الرابع المرتقب بين السعودية وإيران في العراق، وتبادل التمثيل الدبلوماسي بينهما، والهزيمة تلو الهزيمة للكيان الصهيوني منذ انتصار لبنان في العام 2000، مروراً بنصر تموز 2006، وانتصار معركة "سيف القدس" حتى "نفق الحرية" في سجن جلبوع، كلها مؤشرات إيجابية على مستوى المنطقة ككلّ لمصلحة محور المقاومة، ودلالة على انحدار قوس النزول إلى المحور الآخر.

"السحر الفرنسي" أعاد الاتصال بين الرئاسة الأولى والرئاسة الثالثة، وأنتج هذه الحكومة، فهل يستطيع الرئيس نجيب ميقاتي أن يلتقط اللحظة كما يجب، وأن يلعبها بالشكل الصحيح، وأن يتحول إلى منقذ للبلد أم أنه سيبقى أسير "نادي رؤساء الوزراء السابقين" وأوهامهم المتعلقة بوعود السياسة الأميركية، والتي لا تأبه لا بهم ولا بأمثالهم ولا بالشعب المسكين؟

من كان يتوقع أن يكون لـ"باخرة السيّد" هذا التأثير والمفعول الإيجابي، إذ هرعت الدول الغربية لتشكّل "الحكومة الجديدة" بعد استعصاء وتعطيل متعمّد دام أكثر من 16 شهراً؟ وماذا عن البواخر القادمة وحمولاتها؟ وماذا عن نتائجها؟ لا أعلم! ولكن أحد الخبثاء همس لي وقال: "لبنان الشرق!".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أكرم بزي

كاتب وباحث لبناني

إقرأ للكاتب

ميقاتي بين "عقارب" ساعتي "النادي" و"التيار"!

لبنان يئنّ تحت الضغوط، وسياسيو البلد يتلهّون بتحصيل المكاسب الانتخابيّة وتسجيل النقاط والتشفي،...

ذئاب x ذئاب: ديمقراطية اللحّام والخروف!

قبل أحداث أيلول/سبتمبر 2001، كانت دوائر المخابرات الأميركية تخطط لغزو أفغانستان، وبعدها العراق...

حلقات التآمر على لبنان مستمرة.. ماذا عن استغلال انفجار المرفأ؟

لم تيأس الإدارة الأميركية – الصهيونية، فالعقلية الخلاّقة لآليات التدمير والتجويع والقتل ما زالت...

عملية "الخفاش الأزرق".. من عام 1958 إلى عام 2021 مستمرّة

التدخل الأميركي كان بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، كميل شمعون، لكن لم يكن لكميل شمعون...

ترامب أوصل رئيسي إلى الرئاسة الإيرانية!

لا شكّ في أن السيد رئيسي ينتظر تحديات كثيرة، على مستوى الوضع الداخلي، وخصوصاً الاقتصادي، نتيجة...

هارفارد: آن الأوان لتأديب "إسرائيل"

يبدو أن الماكينة الإعلامية في إدارة البيت الأبيض أعطت الإشارة لبعض كتّابها، بالإضافة إلى نخبة من...