سأقذف كلّ حجر... ملحمة الشهيد يوسف صبح

"يوسف مصاب". بهتين الكلمتين، حاول صديق يوسف أن يلقي بطرف الخيط في يد أمه، لتبدأ، بشعور الأم، بنسج تفاصيل الحكاية، ولكنها في خيالها نسجت "حكاية يوسف العريس".

  • هذا الاحتلال لم يقتل يوسف فحسب، بل قتل المفاهيم والمصطلحات أيضاً
    هذا الاحتلال لم يقتل يوسف فحسب، بل قتل المفاهيم والمصطلحات أيضاً

أمام عتبة المنزل، تقف أم يوسف مرتدية الثوب الفلسطيني المطرز بالتراث التاريخي للحكاية الفلسطينية. تضع الحناء على يديها، وتزيّن يديها بأساور الذهب، وتطلق زغرودة فلسطينية من فمها، معلنة فرحة العمر بابنها العريس. تنثر الورد المختلط بحبات الحلو على رؤوس الشباب الفلسطينيين الذين يدبكون على أنغام "إحنا شبابك فلسطين"، وتستقبل النسوة المهنئات بالعرس. مشهد يلخّص حلم ولادة يوسف؛ يوسف العريس.

هكذا كان يجب أن يكون المشهد في الحياة الطبيعية، ولكن يأتي الاحتلال ليقتل الحلم، وليس الجسد والروح فقط. يغير المشهد، يقلبه رأساً على عقب. يتحول الفرح إلى ترح. وبدلاً من الزغاريد، تنطلق الدموع. وبدلاً من حبات الحلو، توزع فناجين القهوة السادة، ويتوقف الشباب عن الدبكة، ويبدأون بهتاف "بالروح بالدم نفديك يا يوسف". 

وبدلاً أيضاً من ثوب الفرح، ترتدي أم يوسف الطرحة السوداء؛ طرحة الحداد، وتستقبل المعزيات برحيل الشاب الوحيد لديها، وهن جاراتها اللواتي يشربن فنجان القهوة صباحاً، ويتحدثن عن المشاكل اليومية، عن طبخة المقلوبة التي احترقت، وعن منشر الغسيل الذي لا تتوقف ملاقطه عن استقبال الملابس.

هذا الاحتلال لم يقتل يوسف فحسب، بل قتل المفاهيم والمصطلحات أيضاً، وقتل العادات والتقاليد، وهو يأتي بكلّ حقده الأسود وسلاحه ومركباته العسكرية وجنوده المدرّبين على الإجرام فقط، ويقتحم البيوت، ويطلق الرصاص، ويروع الأطفال والنساء والشيوخ، ويدنّس ساحة كرة القدم التي يلعب فيها الأطفال بكرة مصنوعة من الجوارب ويمزّقونها، ويسرقون أحلام الشيخوخة لعجوز يحلم بنوم هادئ وفي حضنه حفيده.

الساعة الثانية والنصف فجراً من يوم الأحد الموافق 26 أيلول/سبتمبر 2021، توقف عقرب الساعة عن الدوران. بدأ العقرب كأنه يحتج هو الآخر على غياب يوسف. بدا عقرب الثواني كقلب أم يوسف. يحاول الصعود مثقلاً بالقهر، ويعود ويهبط من جديد تحت وطأة الغياب. لم تكن تلك اللحظات في عقل أم يوسف تقاس بوحدة الزمن، ولكنها اخترعت وحدة جديدة؛ "وحدة الخوف من الفقدان".

"يوسف مصاب". بهتين الكلمتين، حاول صديق يوسف أن يلقي بطرف الخيط في يد أمه، لتبدأ، بشعور الأم، بنسج تفاصيل الحكاية، ولكنها في خيالها نسجت "حكاية يوسف العريس". رفضت رفضاً قاطعاً تلك الحكاية التي تقول "إنه شهيد". كان الخوف أصعب عليها من الرصاص الَّذي يعاقب فيه الاحتلال جسده من مسافة صفر. جسدها الذي يقاوم بكل حواسه تلك الدموع التي تخنقها، يقف رافضاً أن تصلب على قبر ابنها، وتتذكّر أن جسد يوسف الصغير خاض معركة للدفاع عن ابتسامة يحاول الاحتلال منذ 73 عاماً سرقتها، عندما فجرت عصابات الاحتلال قطار حيفا في العام 1948.

تدرك أم يوسف أن كلمة "مصاب" كانت مراوغة للتمهيد لقصة أخرى مختلفة تماماً في الألم، وكانت تدرك أنَّ الشعب الفلسطيني يستخدم تلك الكلمة محاولاً ترميم "الوجع". تبدأ الحكاية: "هو بخير إن شاء الله". في نصف الحكاية: "لا، هو مصاب ووضعه جيد". تستمر الحكاية: "صحيح. هو مصاب ووضعه صعب نوعاً ما". تنتهي الحكاية بكلمة "شهيد".

أذكر جيداً هذا المشهد عندما استشهد شقيقي. كان الموقف يتطلب إيصال الخبر لأمي. أخبروها بأنه مصاب في رأسه، ووضعه الصحي جيد. وصلت أمي إلى المستشفى. جلست إلى جانب والدي الذي حاول مراوغتها بالقول إنه مصاب، وإن إصابته بسيطة. بعد قليل، وعندما سألته أمي عن عدد الناس المتواجدين في المستشفى، قال لها الحقيقة، لتقف أمي أمام تلك الحقيقة وجهاً لوجه، وتدرك أن ابنها مصاب برصاص في الدماغ، ووضعه خطير جداً. وبعد 7 شهور و8 أيام من غيبوبة مستمرة، لم تسمع خلالها حوار ابنها مع الموت، أصبح شهيداً.

سرير يوسف فارغ، وسلة الغسيل هي الأخرى فارغة من ملابسه. كل شيء داخل البيت يفتقده. بات الفراغ ألماً من نوع آخر يحاصر أمه. يصنع الاحتلال الفراغ ويريد أن يحشوه بما يريد، لأنه يعلم أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، يريد يحشوه بالظلم والقهر، ولكنه دائماً ما يفشل أمام صمود الشعب الفلسطيني الذي يحشوه الأخير بالصمود والمقاومة.

تجلس أمّ يوسف وتضع كفّيها فوق بعضهما البعض، وتنتظر رائحة قميصه المحتجز لدى الاحتلال؛ القميص الذي قُدَّ من قُبُلٍ بعد أن صعدت آليات الاحتلال فوق جسده. 

تريد أن يرتد لها بصرها عندما ترتمي فوق قميصه. تجهش بالبكاء المعبأ بالحزن، وتصرخ بملء حنجرتها: "عريس يما والله عريس.. حكيتلي نفسك تستشهد، وهي استشهدت يما طلبتها ونولتها يما.. كنت بقول طفل مراهق صغير بكرا بتشغلوا الحياة، وكنت بالصمت بجاريك، ولكن فعلك كانت أقوى.. الله يرضى عليك يما دنيا وآخره".

في ذاكرة الأب حكاية عن يوسف كأنّها حطب. توقد نيران الحزن المشتعلة في قلبه على ابنه. "في إحدى المرات، اتصل بنا. حمدت الله أنه لم يخرج إلى المواجهات التي اشتدّت حينها بين الشبان وقوات الاحتلال، لكنه ردَّ بابتسامته الودودة لي: كنت موجود بس خفت أنادي عليك وانت معلق على عمود الكهربا، تسيب شغلك وتضلك خايف علي"، يقول.

يعلم الأب والأم أن يوسف كان يرفض الاحتلال، ولم يملك سوى الحجر لمقاومته. ربما لو عاد الآن وسأله والداه: هل سترمي الحجارة من جديد؟ لابتسم وقال: "سأقذف كل حجر".

العشق الذي يحمله يوسف للزراعة في ساحة المنزل، كان عشقاً طفولياً لفلسطين، وكان العشق الأخير يدفعه إلى قول "لا" دائماً لهذا الاحتلال. كان يحب تربية القطط والكلاب، ليثبت أن الاحتلال لا يمنعنا من الحياة ومن ممارسة إنسانيتنا، وأنَّ السبحة التي قدمها هدية لوالدته، والتي أحضرها بعد زيارته للمسجد الأقصى، تدل على أن حباتها يجب أن تبقى متماسكة لتحرير هذه المدينة.

على كرسيها الذي تجلس عليه، وأمام الخيمة التي نصبها يوسف بأوتاده، والتي كان يستقبل فيها أصدقاءه، بدأت أم الشهيد يوسف تغني:

ميلي ميلي يا شجرة السريس

ميلي ميلي يا حاملة سريس 

ميلي ميلي على يوسف هالعريس

 ميلي ميلي مية اسم الله عليه

وترد عليها النسوة:

ميلي ميلي يا شجرة التفاح

ميلي ميلي يا حاملة تفاح

ميلي ميلي على يوسف الفلاح 

ميلي ميلي مية اسم الله عليه

ويرد الشهيد يوسف:

يـــا يمّــــا حــس الفـــرح

فـــي دار لخـــــوالـــــي

يمّــــا رمــانــي الهـــوى

وغيـــــرلـــي أحــوالـــي

ضليـــــت أدوّر علـــــــى

لجــــــواد تـــــلاقيهـــــن

يمّــــا رمــانــي الهــــوا

جـــــوا عـــــلاليهـــــــن.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ثائر أبو عياش

ناشط فلسطيني

إقرأ للكاتب

الأم الشّجاعة وأبناؤها.. إسراء خزيمية

كانت إسراء المرأة والزوجة والأم والابنة والأخت والصديقة والرفيقة. كانت قبل كلّ ذلك الإنسانة،...

سبع دقائق.. حكاية كافكا مع الشهيد حسين مسالمة

أَفرج الاحتلال عن مسالمة في شباط/فبراير 2021. ومنذ الإفراج عنه، مكث في مستشفى "هداسا"...

مفتاح الخزنة.. النفق

تبقى القضيّة الأكثر تعقيداً من نظام السجن هي كيفية إخفاء التراب. بحسب بعض الأدبيات واللقاءات...

عندما يكون البيت هو السّجن.. الأسير غسان زواهرة

لم تنتهِ حكاية غسان. كتبت هذه السطور فيما الأسير غسان زواهرة معتقل منذ 18 آب/أغسطس 2021. بهذه...

الولادة في السّجن.. الأسيرة أنهار الديك

سيأتي هذا الطفل حاملاً حكايته معه؛ تلك الحكاية التي ستقوم بتشكيل حياته. هو الذي ولدت فيه فلسطين،...

جدار الأحبّة

صور الشهداء المعلقة على الجدران تزعج الاحتلال وتذكّره بتاريخه الإرهابي، ولكنه لا يدرك أن هذه...