عن العلاقة بين "طالبان" وباكستان

من الواضح جداً لقارئ تركيبة العلاقة الباكستانية – الأفغانية أنَّ باكستان دائماً ما تستخدم حلفاءها من البشتون في أفغانستان، عبر "توظيف قوّتهم" من أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

  • تمثّل أفغانستان منذ ثمانينيات القرن الماضي حجر الزاوية لباكستان
    تمثّل أفغانستان منذ ثمانينيات القرن الماضي حجر الزاوية لباكستان

يؤكّد أحمد رشيد، صاحب كتاب "طالبان: الإسلام المتشدد والبترول والأصولية في آسيا"، أنه كان يمتلك إيماناً راسخاً منذ بداية العام 1982 بأن سياسة إسلام أباد الأفغانية سوف تؤدي دوراً حَرِجاً في مستقبل الأمن الوطني لباكستان وللسياسات المحلية، وسوف تخلق أصولية رجعية في الوطن، فما يحدث في أفغانستان أصبح يشكّل أهمية أكبر لباكستان.

تمثّل أفغانستان منذ ثمانينيات القرن الماضي حجر الزاوية لباكستان، ضمن استراتيجيّة ما عُرف بـ"العُمق الاستراتيجي" حتى وسط آسيا، والتي كان الجيش الباكستاني وضعها في عهد ضياء الحق ومدير مخابراته العسكرية حميد غول، وكان هدفها الأول هو خط ديورند عند حدودها الشرقية مع أفغانستان، والذي يبلغ طوله نحو 2500 كيلومتر، فمن يحكم أفغانستان يشكّل مصدر تهديد دائماً لباكستان.

وللعِلم، فإن القادة الأفغان لا يعترفون، حتى يومنا هذا، بحدود هذا الخطّ، ويزعمون أن بعض المناطق الباكستانية التي توجد فيها عرقية البشتون هي في الحقيقة أراضٍ أفغانية.

من الواضح جداً لقارئ تركيبة العلاقة الباكستانية – الأفغانية أنَّ باكستان دائماً ما تستخدم حلفاءها من البشتون في أفغانستان، عبر "توظيف قوّتهم" من أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية. وأوضحُ من ذلك، أن باكستان، على الرَّغم من دعمها الدائم أهمَّ فصائل المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفياتي، فإن الجغرافيا السياسية تفرض على إسلام أباد أن يكون دعمها الأكبر لقومية البشتون التي تشكّل 40% من السكان، والتي حكمت أفغانستان 300 سنة، قبل أن تفقد الحُكْم في العام 1989 لمصلحة المجموعات العِرقية الأصغر ("تحالف الشمال").

لهذا السبب، كانت باكستان تعطي البشتوني قلب الدين حكمتيار نصفَ ما يقدَّم من مساعدات للفصائل الأفغانية السبعة حينذاك. واليوم، تَتَّبع المخابرات الباكستانية مع حركة "طالبان"، ذات الأغلبية البشتونية، الأمرَ ذاته، من خلال دعمها الكامل لها، فالقومية البشتونية المتصاعدة، والتي يبلغ عددها في شرقي باكستان أكثر من عددها كأغلبية في أفغانستان نفسها، تشكّل مصدر قلق دائماً لإسلام أباد أيضاً، من خلال وجودها عند خط ديورند من جهتي باكستان وأفغانستان.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، كانت سياسة باكستان الأفغانية في ركود، وكانت الحكومات الباكستانية المتعاقبة تطمح إلى فتح طرق مباشِرة للتجارة إلى آسيا الوسطى عبر أفغانستان. وكان العائق الوحيد هو الحرب المستمرة فيها. وقد تفاوضت مع أمراء الحرب في قندهار وهيرات وغيرهما، ووقعت معارك عنيفة ضد نظام نجيب الله، حتى تمت هزيمته في العام 1992.

كان من الواضح، بعد سقوط كابول، أن الذي يقرِّر مصير أفغانستان هو القوات الطاجيكية الأفضل تنظيماً، بقيادة برهان الدين رباني وقائده العسكري أحمد شاه مسعود، والقوات الأوزبكية في الشمال بقيادة الجنرال رشيد دوستم، لا البشتون، بسبب خلافاتهم الداخلية، على الرغم من التسلُّح الجيد لأحزابهم المتمركزة في بيشاور. 

شكّلت هذه الحقيقة ضربة نفسية مدمِّرة للبشتون الذين سيفقدون، لأول مرة، السيطرة على كابول، بعد أن سيطروا عليها مدة 300 عام. وحاول حكمتيار مباشرة، مع بَدء الحرب الأهلية، لَمَّ شَمْل البشتون، ففرض حصاراً على كابول، وبدأ قصفها مدفعياً.

في تلك اللحظة، تحرَّكت باكستان من أجل حلّ مأزقها الاستراتيجي، عبر دعم رجلها حكمتيار ضد أحزاب الشمال بقيادة شاه مسعود الذي لا ينسجم مع السياسة الباكستانية في أفغانستان، في محاولة منها لعودة البشتون إلى السلطة، وتشكيل حكومة مستقرة وصديقة لباكستان، تفتح الطريق أمام تجارتها في آسيا الوسطى. 

يكشف الكاتب الباكستاني طارق علي، في كتابه "صِدام الأصوليات"، أن إسلام أباد لم تكن تريد أيّ إصلاح حكومي في معناه الواسع، عقب الانسحاب السوفياتي في العام 1989 وانفراط عقد التحالفات بين الفصائل الأفغانية، مفضّلةً، بتأييد من الولايات المتحدة والسعودية، فرضَ بيدقها قلب الدين حكمتيار على البلاد. وكانت النتيجة سلسلةً من الحروب الداخلية الآثمة، تخلَّلها إيقاف غير مستقرّ لإطلاق النار، نتيجة مقاومة الهزار الذين تؤازرهم إيران وأحمد شاه مسعود والجنرال دوستم.

ويكشف أحمد رشيد في كتابه "طالبان" أنَّ "القوات المسلَّحة الباكستانية استمرّت بمساندة حكمتيار، وكانت مقتنعة بأن المجموعات الإثنية الأخرى لن تُقَدّم دعمها إلى باكستان. كان نحو 20% من الجيش الباكستاني من البشتون الباكستانيين، وظل المؤيدون للبشتون واللوبي الإسلامي الأصولي في جهاز المخابرات مصمِّمين على إنجاز نصر بشتون في أفغانستان."

ويبيّن رشيد أنه بدا واضحاً مع حلول العام 1994 أن حكمتيار فشل وخسر عسكرياً، وأدّى تطرفه إلى انقسام البشتونيين وكراهية أكثريتهم له. كانت باكستان تشعر بالتعب من دعم شخص خاسر. لذلك، كانت تبحث عن وكلاء بشتونيين آخرين.

بداية العلاقة مع طالبان

يؤكد الكاتب الباكستاني طارق علي، في كتابه، أنه عندما أصبح جلياً عدم مقدرة جيش حكمتيار على هزيمة هؤلاء الخصوم، حوّل الجيش الباكستاني مساعدته إلى "طالبان" التي كانت تتدرّب في المدارس الدينية عند الحدود مع أفغانستان منذ العام 1980.

في هذه الفترة، كانت الحرب الأهلية التي بدأت في العام 1992 في ذروتها، وأصبحت أفغانستان دولة مقسَّمة إلى إقطاعياتِ جنرالات الحرب. كانت مجموعة من الشبّان الذين أسّسوا "طالبان" في ما بعد تجتمع "للبحث في المحنة التي يعيشها الشعب الأفغاني تحت رحمة هؤلاء اللصوص"، كما يروي الملا حسن رحماني؛ أحد قادة طالبان.

وسط هذه الأوضاع، وُلِدت حركة "طالبان"، بقيادة البشتوني الملا محمد عمر، الذي كان عضواً سابقاً في الحزب الإسلامي الذي يقوده يونس خالصي. وقد أحكمت سيطرتها بصورة سريعة على المدن، واحدةً تلو الأخرى. وخلال عامين فقط، استولت على العاصمة كابول، وعلى نحو 90% من الأراضي الأفغانية، ففرضت الأمن في المناطق التي تسيطر عليها، وطبّقت الشريعة الإسلامية بحسم، ومدّت جسور التعاون مع المخابرات الباكستانية والمملكة العربية السعودية.

صدم أول ظهور مسلَّح لحركة "طالبان" أمراءَ حرب قندهار، عندما شنّت هجوماً مسلحاً في 12 تشرين الأول/أكتوبر 1994 عليهم في المركز الحدودي الصغير، "سبين بالداك"، عند الحدود الأفغانية – الباكستانية التي يسيطرون عليها، فنزعت السلاح منهم بعد معركة قصيرة وحادة، وأزالت نقاط التفتيش الموضوعة من أجل جمع الإتاوات في الطرق العامة.

كانت نقطة الحدود هذه محطةً مهمة للمقايضة والتزوُّد بالوقود لمافيا النقل، بحيث تقوم الشاحنات الأفغانية بالتقاط البضائع من الشاحنات الباكستانية التي لم يكن يسمح لها بالعبور إلى أفغانستان. وهاجمت "طالبان" حينها موقع حكمتيار العسكري في قندهار، فهرب رجاله بعد معركة قصيرة وحادة.

أقلقت سيطرة "طالبان" على "سبين بالداك" أمراءَ الحرب في قندهار، فاتَّهموا باكستان بدعمها، لكنهم، مع ذلك، استمروا بالتشاجر في ما بينهم، بدلاً من أن يتوحّدوا لمواجهة التهديد الجديد. وقد حقَّقت الحركة عبر سيطرتها على معبر "سبين بالداك" أحد أهداف باكستان، وهو وصول الشاحنات المحمَّلة ببضائعها المصدَّرة إلى آسيا الوسطى عبر أفغانستان.

تأكَّدَ لباكستان ومخابراتها مدى قوة "طالبان" وصلابتها، عندما أمر وزير الداخلية الباكستاني حينها، نصر الله باربار، بتحضير قافلة تجريبية انطلقت في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1994، مؤلفة من 30 شاحنة محمَّلة بالأدوية للسفر إلى عشق أباد، يقودها 80 سائقاً باكستانياً من سائقي الجيش السابقين. ورافق القافلة أحدُ جنرالات المخابرات الباكستانية واثنان من قادة "طالبان".

احتجز أمراء الحرب القافلة خارج قندهار، وطالبوا بالمال وبتوقّف باكستان عن دعم "طالبان"، فطلبت باكستان من "طالبان" تحرير القافلة بعد أن رأت أن خِيارات تحرير جيشها لها مباشرةً هي خِيارات خطيرة. تحرَّكَت "طالبان" في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1994، وهاجمت محتجِزي القافلة، فهربوا، ظناً منهم أن الغارة كانت من جانب الجيش الباكستاني.

أعدمت "طالبان" أحدَ القادة من محتجِزي القافلة مع 10 من حرّاسه، وعلّقت جثته فوق مدفع دبابة ليراه الجميع. وفي اليوم نفسه، هزمت أمراءَ الحرب في ثاني أكبر المدن الأفغانية، قندهار، بعد معركة دامت يومين. وبدا حينها لأيّ دبلوماسي أو محلِّل في إسلام أباد أن "طالبان" تلقَّت دعماً قوياً من باكستان.

كانت علاقة "طالبان" بباكستان عميقة، بحيث نشأ كثيرون من هذه الحركة، وتلقَوا تعليمهم في المدارس التي كان يديرها مولاي فضل الرحمن وجمعيته ("علماء الإسلام")، وهي جمعية دينية مدعومة من البشتونيين في بالوشستان وعند الحدود الشمالية الغربية.

لهذا السبب، أدّى فضل الرحمن، الذي كان حليفاً سياسياً لبناظير بوتو، دوراً مهماً في شرح هذه القوة الجديدة الناشئة للحكومة الباكستانية والجيش ووكالة المخابرات. واحتفلت الحكومة الباكستانية وجمعية "علماء الإسلام"، بقيادة فضل الرحمن بسقوط قندهار.

في هذه الأثناء، سارع آلاف الشبّان من الأفغان البشتون الذين يدرسون في بلشوستان والمقاطعات الحدودية الشمالية الغربية ومتطوعون باكستانيون من الجمعية إلى قندهار للالتحاق بـ"طالبان". ومع حلول شهر كانون الأول/ديسمبر 1994، التحق بـ"طالبان" في قندهار نحو 12 ألفاً من الطلاب الأفغان والباكستانيين. وفي الأشهر التالية، كانت "طالبان" حتى العام 1996 تسيطر على 90% من أفغانستان.

اليوم، بعد عودة "طالبان" مرة أخرى، وسيطرتها على 90% من أفغانستان، بإمكاننا القول إنَّ باكستان حققت ما كانت تطمح إليه، فوصول "طالبان"، التي تدعمها إسلام أباد وجهازها الأمني، إلى سدة الحكم في أفغانستان، يعني أن باكستان تتحكّم في ما يحدث في هذا البلد.

ظلّت باكستان تتحكّم في ما يحدث في أفغانستان طوال السنوات التي تلت انهيار حكم "طالبان"، من خلال إمداد الحركة بالعتاد والدعم اللوجستي والمساعدة التقنية والمستشارين العسكريين، عبر أجهزة المخابرات الباكستانية التي تجنّد عملاءها من بين اللاجئين الأفغان في مخيمات اللجوء داخل الأراضي الباكستانية.

هناك تأثير هائل لباكستان في "طالبان"، فأُسَرها وقياداتها مقيمة فيها، كما يقول أحمد رشيد. وذكر وزير الداخلية الباكستاني أنَّ عائلات كبار قادة "طالبان" تعيش في ضواحي إسلام أباد. ومن المعروف أنَّ هناك علاقة عميقة بين المخابرات الباكستانية وشبكة جلال الدين حقاني التي تُعتبر أقوى الفِرَق العسكرية لـ"طالبان" الأفغانية.

هواجس باكستان و"طالبان"

هناك تفاهم بين باكستان و"طالبان" يقوم على مراعاة إحداهما للأُخرى بشأن الهواجس التي تُقلق أمن كل من بلديهما، فعندما حذّرت "طالبان" دول الجوار من السماح بوجود أيّ قواعد أميركية على أراضيها، ردّت باكستان، عبر وزير داخليتها شيخ رشيد أحمد، في أواخر حزيران/يونيو الماضي، عبر إعلانه أن البلاد اتخذت قراراً محورياً يقضي بعدم منح الولايات المتحدة أيَّ قواعد فيها.

في مقابل امتناع إسلام أباد عن استضافة أيّ قوات عسكرية أميركية في الأراضي الباكستانية، تريد باكستان من "طالبان" الأفغانية أن تكبح نشاطات "طالبان باكستان" وجماعات أخرى، فدعم باكستان لـ"طالبان" يتوقف في الأساس على حماية الأمن والمصالح الباكستانية على طول "خط ديورند".

تطمح "طالبان" من خلال علاقتها بباكستان إلى أن تربط الطريق الرئيسي عند حدودها مع باكستان بالعاصمة التجارية الباكستانية كراتشي ومينائها الواسع والمطلّ على بحر العرب، والذي يُعَدّ ركيزة أساسية في تجارة الهيروين الأفغاني التي تدرّ مليارات الدولارات، والتي شكّلت مصدراً أساسياً لتمويل حرب "طالبان" على مرّ السنين.

هناك وجهة نظر أخرى، من عدد غير قليل من الباحثين، ترى أنَّ استيلاء "طالبان" على السلطة لا يقلِّل خطر "طالبان باكستان" بالنسبة إلى إسلام أباد، بحيث أعلنت أن "النصر" الذي حقّقه حلفاؤها في "طالبان" الأفغانية ألهمها تصعيد "جهادها" الخاص ضد الدولة الباكستانية. 

وأعلن زعيمها نور والي محسود لموقع "سي. أن. أن"، عبر وسطاء، أنَّ "قتالنا في باكستان فقط، ونحن في حالة حرب مع قوات الأمن الباكستانية. نتمنى السيطرة على المناطق الحدودية القبلية الباكستانية وجعلها مستقلة". وتعهَّد قائد "طالبان باكستان"، نور والي محسود، بشنِّ "حرب مقدسة" ضد حكومة عمران خان الباكستانية، وقال إنه تمنى الحصول على دعم من "طالبان" الأفغانية التي حصلت على دعم من حركته خلال صراعها المسلَّح.

على الرغم من ذلك، إنَّ مايكل كوجلمان، نائب مدير برنامج الشؤون الآسيوية في مركز ويلسون في العاصمة الأميركية واشنطن، يعتقد أنَّ إسلام أباد لديها نفوذ واسع النطاق على "طالبان"، لكن الحركة التي تخوض حرباً تعتقد أنها ستنتصر فيها، لديها مساحة تتيح لها مقاومة الطلبات الباكستانية، من أجل تخفيف حدة العنف والالتزام بالمحادثات؛ فمن جانب "طالبان"، تبدو الحسابات بسيطة: لماذا تتراجع ما دمت متقدماً على الأرض؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد علي فقيه

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

بعد دخول "طالبان" إلى كابول.. ما هي خيارات الصين تجاه أفغانستان؟

لن تسمح الصين لنفسها بالوقوع في فخ الدخول العسكري إلى أفغانستان التي كانت مقبرة لثلاث...

نهاية رجل اليمن الأول

المصدر المسؤول في أنصار الله يؤكّد بأنه "دائماً ما كان أنصار الله ينظرون بإيجابية إلى الرئيس...