فلسفةُ عبيد التطبيع مع "إسرائيل" ضد الطليان!

في كلّ الأحوال، إن المسألة أخلاقية أولاً، إذ لا يمكن ذكر "إسرائيل" من دون أن يقفز اسم فلسطين إلى الأذهان، والعكس غير صحيح هنا.

  • التّطبيع الحالي هو فرض وإجبار من قبل السيد على العبد
    التّطبيع الحالي هو فرض وإجبار من قبل السيد على العبد

"سوف نقف مع القاتل، لكننا لسنا ضد القتيل!". إنها عبارة الاستغباء المتوحش في عمقه، والتي تحاول أنظمةُ التطبيع بثَّها إعلامياً، بحيث تُصدَّر بصورة أكثر وقاحة وسذاجة عندما تُصاغ بطريقة مضحكة، مفادها "أن العلاقات مع إسرائيل لا تعني الوقوف ضد الشعب الفلسطيني!".

لنبسّط المسألة في صَوغٍ جديد يعبر عن فحوى المقولة ودلالتها: "نحن المطبعين أدناه نعلن تعاطفنا اللفظي مع القتيل وتعاوننا التَّبعيِّ العضوي الكامل مع القاتل"! يبدو الأمر هنا بشكله الخارجيّ نوعاً من الشيزوفرينيا السياسية، لكنه ليس كذلك، بل هو في صُلبه مُعبرٌ عن انحطاط قِيَميٍّ أخلاقي وإنساني وقانوني يرتكز على خضوع عبوديٍّ، وينتمي إلى منظومة اقتناع قَسري من قِبل المُطبِّع تجاه المُطبَّع الذي هو كيان الإرهاب الصهيوني.

لقد مرَّ عبر التاريخ مهزومون كثر، وهم - في رأينا - غالباً شرفاء مهزومون ليس إلا، سواء أكانت هزيمتهم مؤقتة أم مستدامة. مرحلة الهزيمة المؤقتة هذه كان الشعب الفلسطيني ذاته قد مر بها منذ العام 1948؛ عام النكبة، حتى تخلص منها في العام 1964 إثر إنشاء منظمة التحرير، ومن بعدها اندلاع الكفاح المسلح، حتى جاء العام 1982، ليدخل أتون الهزيمة من جديد المستمرة حتى العام 1987؛ عام انتفاضة الحجارة، وهكذا دواليك.

أما الهزيمة الدائمة، فلم يعرفها خلال تاريخه الممتد إلى آلاف السنين، فالهزيمة الدائمة إقرار باستحالة الصمود والاستمرار والمقاومة، وهي فَقدٌ كامل للأمل بالمستقبل، وموتٌ بعينه وبِحدِّ ذاته، وهي أمر لا يبدو أنَّ أكثر الفلسطينيين إحباطاً يُقيم له أي اعتبار أو يفكّر فيه.

جئتُ بما سبق كإشارة إلى أنَّ من تعرَّض لما تعرض له من إرهاب صهيو – إسرائيلي - دولي لم يُهزم، لكنَّ الطريف، بل والمضحك، هو أمر أنظمة العرب التي هزمت من دون أن تقاتل أو تتعرَّض لأي من إرهاب الصهيونية ومذابحها، و"استسلمت" على الرغم من أنَّ الاستسلام يتبع المحاربة كما هو معلوم!

هذا ما يبدو ظاهرياً. أما في العمق، فالأمر ليس كذلك. إنّه ببساطة حالة ارتباط مصالح جذرية واستراتيجية وعضوية، وبالتالي فشل لهذه الأنظمة في حكم بلدانها من دون الاستعانة بالأجنبي، فأنظمة التطبيع تسعى لتلقّي دعم الكيان النازي، لإدراكها مدى عمق اتساع البَون والحالة العدائية التحفزيَّة، بينها وبين شعوبها، وحتى مع بقية الشعوب العربية.

هنا يكمن سر اللهاث الخَنوع نحو التطبيع. هذا بخصوص الأنظمة. أما في ما يخصّ الأفراد، فهم إما انتهازيون واهمون - كأولئك الكتاب الحالمين بنوبل مثلاً - أو فاشلون ومحبطون من واقعهم. توهموا للحظة أنّ دفة النجاة تكمن تحت قوة حذاء النازي المتفوّق ببطشه وسلطته الإعلامية بعد ثُبوت فشلهم من حيث السوية والأهلية، واقتناعهم باستحالة تحقيق مكانة لهم بين الكتاب والفنانين والمثقفين أو حتى السياسيين من أقرانهم ومجايليهم، وربما هم مفلسون مالياً ينتظرون تلقي الفُتات ثمناً لغدرهم بدماء ضحايا إخوتهم...

في كلّ الأحوال، إن المسألة أخلاقية أولاً، إذ لا يمكن ذكر "إسرائيل" من دون أن يقفز اسم فلسطين إلى الأذهان، والعكس غير صحيح هنا، ففلسطين تُذكر منذ آلاف السنين منفردةً، ذلك أنَّها حقيقة ديمومة قائمة تلقائياً، وليست وهماً مبتكراً أو واقعاً مؤقتاً أو مفروضاً قسرياً. هناك إذاً تمثُّلٌ للنقيض الدائم، فالشعب الفلسطيني راسخ موحد في السمات واللغة والتاريخ والهوية والمصير.

 أما شعوب "إسرائيل"، فهم كائنات متناثرة جُمعت خلال لحظة تاريخية مواتية. هذه بديهية تاريخية، وهم كأيّ تجمّع أفراد مختلفي السمات والهويات والأعراق ركبوا في باخرة، ثم استولوا عليها بالقوة، وبدعم لصوص العالم، فرموا مالكيها وربانها في البحر، ثم اعتبروا أنفسهم "شعب الباخرة". هذا هو جوهر ومعنى الاسم المبتكر - الإطار المُحدِّد للمستوطنين في فلسطين تحت اسم "إسرائيليين".

التطبيع يعني أن يبدو ما أسلفناه من لصوصية وإرهاب ومذابح طبيعياً ومشروعاً ومنطقياً واعتيادياً، فما المانع إذاً من أن نعترف بملكيّة أيّ بنك لشاغله الحالي في حال استولت عصابة لصوص مسلحة عليه، فالتَّطبيع يعني أنّه يجب، أو لنقل من الطبيعيّ، حدوث ذلك وتقبّله بصدر مفتوح!

لذا، يجب تثبيت ملكيّته ومشروعيّته وتحويله إلى أمر طبيعي في الذهنية الثقافية البديهية، وألا يُحاسَب أي لص أو مجرم أو إرهابي أو أي مرتكب لمجازر في هذا العالم، وخصوصاً أنَّ الأمم المتحدة شَرْعنته وكرَّسته في سابقة تاريخيّة لا مثيل لها أبداً.

أظنُّ أن ذلك يُلخّص بقوة المعنى الأخلاقي للاعتراف بـ"إسرائيل" أو تشريع أو تطبيع وجودها. من هنا، إن اللصوص والقتلة وإرهابيي العالم وأعداء شعوبهم ورافضي الحقيقة لا مناص لهم من الارتباط بالصهيونية والعمل على جعل وجود كيانها طبيعياً، نظراً إلى التماثل والتشابه والعلاقة البينية التلقائية.

نحن المطبّعين بأشكالنا كافة، مع كلّ القابلين بذلك، نقف متعاطفين مع المسروقة بيوتهم، لكنَّنا ساعون لعلاقات اعتيادية تحالفية مع السارق، ولسنا ضد ضحايا المجازر، وتدمير 421 قرية، وتهجير أصحابها، ومنع عودتهم، واعتقال مئات الآلاف من أصحاب البلاد، ومهاجمة الشعب الأعزل بالطائرات الحربية والأسلحة الفتاكة والدبابات والقناصات، وسرقة التراث التاريخي ومكوناته الإنسانية والحضارية، وقتل الأطفال المنظّم، لكننا نعتبر ذلك اعتيادياً، ونعتبر المجرم الذي قام به طبيعياً!

هذا الأمر يُفضي بنا إلى عدم استغراب أسباب الفعل التطبيعي ومكوّناته، ومستوى هشاشة لبِّ الفكرة من أساسها، فالسبب هنا لا يرتبط في المقولة العلنية الركيكة الساعية لتغطيتها أو يكمن فيها، بل في العلاقات السرية التي اتسعت، بحيث لم تعد مساحة الغطاء القماشي قادرة على تغطية عفنها، فقد أضحى سرير التعاون واسعاً. أما غطاؤه، فبات صغيراً لا يغطي جزءاً من الوسادة!

في الحقيقة، إنَّ العلاقات العميقة بين الكيان الصهيوني وكيانات الأنظمة العربية بدأت قبل ولادة الاثنين، عبر الوكالة اليهودية والاحتلال البريطاني والفرنسي، وقبل لحظة تأسيس "سايكس بيكو" حتى، أي من لحظة تلقّي مشايخها وعوداً من قبل الوكالة اليهودية وبريطانيا وفرنسا، بتمكينها من كرسي السلطة وسحق رقاب شعوبها والاستيلاء على المال العام والثروات مقابل العمالة السرية للمشروع الاستعماري، بما يعنيه من ارتباط عضوي يأخذ شكل العمالة، مع خطاب مراوغ رنان يستخدم كغطاء لذلك. وبعد زمن طويل، رأت الصهيونية أنَّ هذا الغطاء يجب أن يزول.

لهذا، إنَّ التّطبيع الحالي هو فرض وإجبار من قبل السيد على العبد، وإلا سوف يتم سَحْبُ الكرسي، وهو ليس خياراً للتابع، فهذه الأنظمة اللاشرعية تدرك مدى تحفز شعوبها لإطاحتها، وهو ما تخشاه، كما تدرك أنَّ بقاءها مرتبطٌ بعمالتها للكيان الإرهابي الصهيوني وتنفيذ إراداته.

أما "الشخصيات" التطبيعيَّة، فكما أسلفنا، تذهب نحو هذا الخيار، إدراكاً منها لفشل مشاريعها الشخصية: "كاتب فاشل، فنان محبط، طامح مغمور"، وهذا يتطلّب ردّ فعل سيكولوجياً من حيث أصلها، أو خطوة نفعية مالية لإقناع الذات والمحيط بالوهم النفعي، فتعتمد الليبرالية الشكلانية، تماماً كما يقنع أي لص أو مجرم نفسه، بهدف خفض وطأة وقع ذنب الجريمة عليه، من خلال إقناع نفسه بأن الجريمة أمر طبيعي، وربما ضروري أحياناً، وأنَّ ذلك تحصيل حاصل لوضع مُعين.

وهكذا وُلد التبرير الغبي الساذج: "لسنا ضد المذبوح، لكننا مرغمون بسبب طول ذراع الخنجر على جعل الذابح كائناً طبيعياً، لكن، ومع كلّ هذا، من المؤكّد أن فرانكشتاين سيقوم في النهاية بافتراس مصنوعيه ومؤيديه وأتباعه. عقبها، لن تنفعهم صياغة المقولة، وإن كانت بصيغة: "نحن مع إسرائيل ضد الطليان"! 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وليد عبد الرحيم

كاتب ومخرج سينمائي