في مثل هذا اليوم.. بدأ زمن الانتصارات

قبيل المساء، ظهرت على الشاشة صورة سيد المقاومة حسن نصر الله. في تلك الفترة، كان مجرد ظهور هذه الصورة كافياً ليحتشد المئات لمعرفة ما سيقوله. رفع السيد إصبعه، وتحدث عن مفاجأة بعد قليل. 

  • كانت المرَّة الأولى التي تيقَّن فيها جمهور المقاومة أن عصر الهزائم ولّى، وبدأ عصر الانتصارات. 
    كانت المرَّة الأولى التي تيقَّن فيها جمهور المقاومة أن عصر الهزائم ولّى، وبدأ عصر الانتصارات. 

في مواسم العزّ 2006 التي تتوافق مع تواريخ يومنا، كان علينا متابعة أخبار النصر تتوافد إلينا عبر المتوافر من وسائل الاتصالات في حينه. ومن أول المعركة حتى نهايتها، اتخذنا من البحر موئلاً نراقب فيه حركة الطيران الإسرائيلية الصامتة تتسرَّب إلى أجوائنا، فنتهيأ للغارة التي ستقع بعد إياب طائرة الاستطلاع التي تكون قد عبرت منذ قليل.

أكثر أخبار القصف التي تلت الاستكشاف كانت مؤلمة. ومن تتبّع الخط الذي يربط بين هذه المواقع، كان يلاحظ أنها ترسم أمراً ما مجهولاً. لم نكن لنعرفه قبل انتهاء الحرب. ثمّة جسور دمّرت في مختلف مناطق الحدود الشمالية المتاخمة لسوريا، وقبلها أيضاً، حتى البعيدة منها جرى تدميرها بحجة تسهيلها نقل أسلحة المقاومة.

تقطَّعت أوصال المناطق الشمالية للبنان وما قبلها باتجاه الجنوب. بات التنقل متعذراً، لكن أساليب المقاومة المختلفة دفعت الناس إلى تأمين بدائل جانبية، مكَّنت من إعادة فتح الطرقات، لكن بصعوبة، لضيق الطرق التي فتحت كبديل. ونظراً إلى ضيق الطرق، بات التنقل عليها ممكناً، لكن ببطء، لكونها غير معبدة، من جهة، وضيقة، إذاً، وشديدة الازدحام من جهة ثانية. وقد يستغرق عبور مسافة ساعة سابقاً 4 ساعات على الطرق المستحدثة.

قصف الطيران المعادي الجسور، كما قصف مواقع الجيش اللبناني الذي سقط له عشرات الشهداء. لم يكن في المناطق الشمالية حضور مباشر للمقاومة، لكن قصفها كان كثيفاً ومؤذياً ووحشياً كعادة العدو.

بعد توقّف القتال وبدء طرح الحلول، طرح الألمان وضع قوة دولية تراقب الحدود الشمالية مع سوريا، على افتراض أنَّ تلك القوة هي من ضمن اليونيفيل، لكن ممانعة المقاومة وتحالفها في حينه وانتصاراتها، مع شعار ثلاثية الجيش والمقاومة والشعب، أسقطت المقترح الألماني.

على شاطئ البحر، كان بالإمكان تلمس التطورات السياسية المقبلة، وإجراء قراءة مبسطة للآتي عبر حركة الطيران الاستكشافي الذي كان يبدو أكثر وضوحاً متى دبّ الليل وسادت العتمة.

من المرات التي كان المشهد فيها مدوياً أن إشعاع انفجارات ضخمة ظهر فوق قمم جبل القرنة السوداء الفاصلة بين البقاع والشمال اللبناني. كان المشهد مدوياً وصارخاً من الشاطئ إلى القمم البعيدة جداً. وكم كان السرور كبيراً عندما تواردت أنباء عن إحباط المقاومة إنزالاً إسرائيلياً في أحد المواقع البقاعية، وتكبيد العدو خسائر فادحة دفعت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، الراعية للحرب من الجانب الأميركي-الإسرائيلي، إلى مزيد من الضغط على القيادة العسكرية الإسرائيلية للمضي في المعركة، بينما كان الإسرائيليون يميلون إلى وقفها بعد سلسلة الهزائم التي لحقت بهم في أيام الحرب الـ33.

عصر الرابع عشر من تموز، أي في مثل هذا اليوم بالذات، كان رصيف الكورنيش مليئاً بالناس الذين يمضون عصرهم كبقية الأيام. وعلى جانب الرصيف، أقام الشيخ محمد نشار بسطته لبيع الكعك بالجبن وبعض المسليات الأخرى. ولأن نشار كان منتمياً إلى "حركة التوحيد الإسلامي"، المنتصرة للمقاومة، فقد كان مسيَّساً، ولا يريد أن تفوته الأنباء المتواترة عن سير المعارك. أحضر تلفزيوناً صينياً أحمر صغيراً يعمل على بطارية السيارة التي كان يستخدمها كمنصة لبيع الكعك، وكان يترك الشاشة مضيئة طوال الوقت، فتنقل الأخبار والدعايات عند غياب الحدث.

قبيل المساء، ظهرت على الشاشة صورة سيد المقاومة حسن نصر الله. في تلك الفترة، كان مجرد ظهور هذه الصورة كافياً ليحتشد المئات لمعرفة ما سيقوله. رفع السيد إصبعه، وتحدث عن مفاجأة بعد قليل. 

وبعد قليل، عاد وصوَّب بإصبعه نحو البحر، وقال انظروا وشاهدوا كيف ستغرق "ساعر". وما هي إلا عدة ثوانٍ، حتى ظهر انفجارها في البحر قبالة الشاطئ البيروتي. أما على الشاطئ الشمالي، فقد انفجر الناس تهليلاً وصراخاً حماسياً تأييداً للضربة القاصمة التي انتظروا مثيلاتها منذ بداية الصراع العربي-الإسرائيلي، ولم ينجحوا بمشاهدتها، لكنهم تحققوا منها أول مرة في حياتهم وفي صراعهم المرير مع الاحتلال. 

كانت المرَّة الأولى التي تيقَّن فيها جمهور المقاومة أن عصر الهزائم ولّى، وبدأ عصر الانتصارات. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

شرق جديد قاب قوسين أو أدنى

بين مبادرات الزعامات اللبنانية ممثلة لقواه الميثاقية الأساسية، والضغط الشرقي في وجه الخارج...

مسارات في فلسطين... إصرار على التمسك بالأرض وتحدي الاستيطان

تحت عنوان "نمشي وتمشي في دمنا البلاد"، واصل فريق "موطني" مساراته في اكتشاف المزيد من مناطق...

آخر المعارك الوطنيَّة: التحرّر من الدّولار بالتوجّه شرقاً

لم يكن سلاح الدولار مصادفةً ووليداً لتطوّرات موضوعيَّة، إنما كان مخططاً له، وجرى رسم دوره على يد...

لبنان: صيغتان مختلفتان لمرحلتين مغايرتين

طرأت تحولات واسعة تمكَّن الغرب فيها من الحلول في قلب العالم العربي، ولم يعد بحاجة إلى لبنان كجسر...

لبنان ليس بخير.. العالم ليس بخير

كان لبنان بأحداثه وتفاعلات فئاته مع الأحداث، واستجابة هذا الفريق لهذا الطرف العالمي والإقليمي،...

أنيس النقاش.. رحيل أجزاء من كلّ المؤمنين بالتحرر

كان صادقاً غير متردّد في قناعاته. لم يخف الموت. شجاعته في نضاله وانخراطه في ساحاته عكسا عمق...