ما بين القاهرة وباريس.... ألا من يتّعظ؟

برز في الآونة الأخيرة تحركان أساسيّان؛ التحرّك الفرنسي الذي خرج بمبادرة العام الفائت، والمسعى المصري الَّذي انطلق في حركة دبلوماسيّة وسياسيّة بارزة لم نشهدها من المصريين منذ عقود.

  • مصر ترغب في إظهار أنفسهم كلاعب محوري في الكثير من الساحات
    مصر ترغب في إظهار أنفسهم كلاعب محوري في الكثير من الساحات

استفحلت الأزمة في لبنان وبلغت ذروتها في الأشهر الماضية، حتى بتنا في نفق مظلم، إذ تداعى البلد على جميع الأصعدة، اجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، وأصبحنا على شفير انفجار اجتماعي لا تحمد عقباه، نتيجة تفلّت سعر الصرف، وانعدام القدرة الشرائية، وارتفاع نسبة البطالة، وبدء رفع الدّعم الكلّي عن المحروقات والدواء بشكل تدريجيّ، ناهيك بما أصاب اللبنانيين نفسيّاً ومعنويّاً وفكريّاً بعد انفجار المرفأ الَّذي خلَّف مئات الشهداء والجرحى.

برز في الآونة الأخيرة تحركان أساسيّان؛ التحرّك الفرنسي الذي خرج بمبادرة العام الفائت، عقب زيارة ماكرون إلى لبنان ولقائه القادة السّياسيين في قصر الصنوبر، والمسعى المصري الَّذي انطلق في حركة دبلوماسيّة وسياسيّة بارزة لم نشهدها من المصريين منذ عقود، على الأقل منذ الحرب الأهليّة، إذ كان المصري لاعباً مهمّاً قبل توقيع اتفاقية "كامب دايفيد" بين مصر والكيان الصهيوني وبعده، ثمَّ ما لبث أن تراجع هذا الدور لحساب دول إقليمية أدت أدواراً ثابتة طيلة الحقبات الماضية (السعودي والسوري والإيراني)، ودول أدت أدواراً جوهريّة في ظروف استثنائيّة (مثل قطر وتركيا بمستوى أقلّ).

فرنسا "ماكرون" لم تعد تشبه فرنسا "ديغول" الذي هدّد يوماً بالخروج من "الناتو"، ودعا إلى ما يشبه "الاستقلال الاستراتيجي" عنه في لحظة دفع ثمنها سياسياً في ما بعد، ولا تشبه فرنسا "شيراك" التي كانت تمثل "حجر الرّحى" في لبنان في أواخر تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة، نتيجة العلاقة التي بناها الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع شيراك على المستوى الشخصي، وأثمرت حضوراً دولياً بارزاً على المستوى السياسي في المحافل الدولية، واقتصادياً عبر الكثير من المؤتمرات الاقتصادية الداعمة للبنان.

أمّا فرنسا اليوم، التي تحاول أن تعود إلى شرقي المتوسط عبر ضفة "بلاد الأرز"، والتي وضعت خطوطاً حمراً للأتراك بعد النزاع بين تركيا واليونان ومصر وقبرص، فلا يُعتقد أن بإمكانها القيام بأكثر من تقديم مبادرات ورسم تصورات، من دون القدرة على الولوج إلى آلية لتنفيذها، تارةً لعدم القدرة على "الموْنة" على القيادات اللبنانية، وطوراً لأنَّ فرنسا المتراجع دورها في أفريقيا وقدرتها على التأثير في أوروبا في انحدار شديد، انطلاقاً من فشل هدفها في تطويق وصول خط أنابيب "نورد ستريم 2" من روسيا إلى ألمانيا، ورضوخها لرغبة الأكثرية الأوروبية في إعادة ربط العلاقة والنزاع مع روسيا، تمهيداً للتفرغ للصين التي تقلق الغرب وتقضّ مضاجعهم اقتصادياً وتكنولوجياً، وحتى عسكرياً، فمن لا يستطيع التأثير في عمقه الجيوسياسي، كيف يمكنه أن يؤثر في لبنان، رغم العلاقة التاريخية التي بُنيت إبّان الانتداب!

كذلك، لا يمكن لفرنسا التي أعادت فتح قنوات مع تركيا أن تقوم بدور رائد في لبنان، إذ لم تُستسَغ مبادرتها، ولو شدّدت أغلبية الطبقة السياسية على دعم المبادرة الفرنسية والانطلاق بها. أما الدّور المصري، فينطلق من إعادة الاعتبار إلى حضوره الإقليمي البارز من عدّة نقاط:

- التمسّك بمواجهة المدّ التركي شرقي المتوسط، وإرغام إردوغان على إعادة صوغ علاقات بحسب الرياح المصرية، وهو ما ظهر خلال الشهرين الماضيين، من خلال حجّ الموفدين الأتراك إلى مصر سراً وعلانيةً.

- إظهار مصر نفسها قادرة على أداء دور يوازن بين الجميع في لبنان إلى حدّ ما، وإمكانية نقل رسائل مع بعض الأطراف الخليجية المؤثرة في رسم معالم المرحلة القادمة، والتي تحتفظ بعلاقة سيئة مع الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري.

- محاولة نقل تجربة التّعامل الاقتصاديّ بين مصر وصندوق النقد الدولي (رغم الملاحظات العديدة عليها) وإظهارها دولة ذات توجّه تنمويّ، تحاكي العصرية المطلوبة مع بعض القرارات غير الشعبوية المطلوبة التي تضطر الدول إلى القيام بها لتخطّي أزمتها الاقتصادية المصيرية ونقل النموذج المصري لتطبيقه في الداخل اللبناني رغم الفوارق (مالياً وبشرياً...).

- إظهار أنَّ التقارب العراقي - الأردني - المصري يسعى لضمّ دول أخرى في المنطقة وبناء شبكة تواصل اقتصادي تبادلي، كلٌّ بحسب حاجته، للوصول إلى شبكة تنمية اقتصادية تُحدث فارقاً كبيراً، رغم بروز مشكلة التمويل.

- رغبة المصريين في إظهار أنفسهم كلاعب محوري في الكثير من الساحات أمام الراعي الأميركي. 

حتى لو تشكَّلت الحكومة، فلن يعُزى تشكيلها إلى دور فرنسيّ متقدّم، ولكن إلى رغبة خارجية ستتأتى مع صحوة داخليّة وإلهام يدفع المعنيين إلى تدارك الأسوأ بمباركة مصرية.

في غياب رؤى واستراتيجيات واضحة، يستمرّ النزيف، ونبقى نفتقر إلى أدنى مقومات الصمود، في بلد يعيش للأسف على "التسوّل"، ويتمسك بحبل نجاة مصري أو فرنسي أو برضا خليجي أو بأخبار سارة عن عودة الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة.

فلنخرج من مفرداتنا الجزلة وانفعالنا العاطفي الذي يُذكّر دوماً بتاريخ هذا البلد الحضاري وبإرثه التراثي، ولنعش واقعنا بعيداً عن الانفصام، إذ إنّنا نمضي هاربين إلى قدر محتوم، مراكمين عجزاً وقهراً وبؤساً... ألا من يتّعظ؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سامر كركي

إعلامي وكاتب لبناني

إقرأ للكاتب

حتى الوصول إلى الوطن الموعود

منذ "دولة لبنان الكبير" (1920)، جاهدنا لنصبح دولة، لكننا بقينا عاجزين. حتى منطق المواطنة كان...