هزيمة حزب "العدالة والتنمية" في المغرب.. الأسباب والتّداعيات المحتملة

من خلال ردود الأفعال، سواء داخل الشارع المغربي أو في مواقع التواصل الاجتماعي، يتبيَّن أنَّ هناك إجماعاً على أنَّ مرحلة حزب "العدالة والتنمية" ولَّت بكلِّ تفاصيلها.

  • دخل الحزب في حروبٍ مع أحزاب يعتبرها عدوةً
    دخل الحزب في حروبٍ مع أحزاب يعتبرها عدوةً

هزيمةٌ مدويةٌ تلك التي حصدها حزب "العدالة والتنمية" في المغرب خلال الانتخابات البرلمانية أمام منافسه وخصمه اللدود في الانتخابات حزب "التجمع الوطني للأحرار"، رغم أنها كانت متوقّعة، لكن ليس بهذا الحجم، إذ إنَّ إرهاصات الهزيمة بدأت ملامحها تتجلّى في انتخابات الغرف المهنية والصناعية. حتى أغلب المتشائمين لم يكونوا يتوقعون أن ينزل الحزب بهذه السرعة إلى مرتبة دنيا في النتائج، بعد أن كان القوة السياسية رقم واحد في البلاد خلال العقد الأخير من القرن الحالي.

من خلال ردود الأفعال، سواء داخل الشارع المغربي أو في مواقع التواصل الاجتماعي، يتبيَّن أنَّ هناك إجماعاً على أنَّ مرحلة حزب "العدالة والتنمية" ولَّت بكلِّ تفاصيلها، غير أنَّ السؤالين اللذين يطرحان نفسهما: ما هي أسباب الهزيمة؟ وما هي ارتداداتها على الحزب نفسه؟

أسباب الخسارة 

كما يعلم الجميع، أتى حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة في ظلِّ متغيرات دولية وإقليمية أفرزتها رياح ما سمي بـ"الربيع العربي"، الذي هزَّ أركان العديد من الدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بسبب الحراك الَّذي كانت تموج به، وسعي إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى تولّي الإسلاميين المعتدلين السلطة في تلك البلدان.

عندما صَوَّتَ الشعب المغربي أو بعضه لحزب "العدالة والتنمية"، كان يتأمل خيراً في هذا الحزب - على اعتباره أنه يحمل مرجعيةً دينيةً - بأنه سيحدث تغييراً في المشهد السياسي في المغرب، وسيكون في خدمته، بعد أن جرب جميع الأحزاب بكل أطيافها اليمينية واليسارية.

قبل تولي حزب "العدالة والتنمية" السلطة في المغرب في العام 2011، رفع شعار "محاربة الفساد والاستبداد" في حملته الانتخابية، ووعد بالقطيعة مع سياسة الريع وبتحقيق نمو اقتصادي يصل إلى 7%، بيد أنه أخلف وعده، إذ إنه لم يحارب الفساد و"الاستبداد"، بل استبدل عبارة "عفا الله عما سلف" به، ولم يحقق النمو الاقتصادي الموعود. 

بدلاً من ذلك، لجأ الحزب إلى سنِّ سياساتٍ غير شعبيةٍ، استهدفت جيوب الطبقاتِ المتوسطةِ والفقيرةِ، عبر إلغاء صندوق المقاصّة المتعلّق برفع الدعم عن المواد النّفطية وتَرْكِهَا من دون سقف، ما سمح للشركات المستوردة للنفط بتحقيق هامش ربحٍ خياليٍ برفع أسعار الوقود.

ورغم أنَّ هذا الإجراء كان له الأثر في استعادة التوازن للمالية العمومية، فإنَّ وطأته كانت سلبيةً على الفئات الشعبية، فضلاً عن إصلاح العجز المالي القائم في ميزانية نظام التقاعد الخاص بموظفي القطاع العام، عبر سن اقتطاعات من أجور الموظفين. أضف إلى ذلك توقيع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني اتفاقية التطبيع مع العدو الصهيوني، رغم أن القضية الفلسطينية والدفاع عنها كانا يشكّلان أهم ثوابت الحزب. وقد انبرى رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران يدافع عنها!

علاوةً على ذلك، دخل الحزب في حروبٍ مع أحزاب يعتبرها عدوةً، أوّلها حزب "الأصالة والمعاصرة" في عهد أمينه العام السابق إلياس العماري خلال انتخابات 2016، وثانيها الأمين العام لحزب "التجمع الوطني للأحرار" خلال الانتخابات الحالية، من دون الحديث عن دفاع أعضاء الحزب المستميت في أروقة البرلمان عن الريع السياسي المتمثل بتقاعد البرلمانيين، وتعدّد التعويضات التي يتلقّاها البرلمانيون الذين يشغلون أكثر من منصبٍ، زيادةً على الخرجات غير المحسوبة لأمينه العام السابق عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

ارتدادات الخسارة على الحزب 

عُرِف عن حزب "العدالة والتنمية" قوّته التنظيمية وانضباط قواعده، وهي خاصية تُمَيِّزُهُ عن باقي الأحزاب المغربية الأخرى، لكنَّ الخسارة التي مُنِي بها زلزلت أركانه وهياكله، إذ سارع أعضاء الأمانة العامة إلى تقديم استقالة جماعية، بحسب ما جاء في بيان الأخيرة، وهو مؤشر على صراعٍ وشيكِ الحدوث بين تيارات الحزب.

 وعليه، سيكون أمام قيادات الحزب خياران؛ الأول انسحاب جميع القيادات التقليدية داخل الحزب من المشهد الحزبي، وإفساح المجال أمام قيادات شابة تعيد إلى الحزب توهّجه السابق بعد إجراء تقييمٍ ودراسة أسباب الخسارة، والخيار الآخر هو الوصول إلى تفاهمات بين قيادات الحزب الحالية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، تحول دون تصدعه. ويبقى خيار عودة بنكيران إلى زعامة الحزب مجدداً أمراً مستبعداً، وخصوصاً أنّ الشعب المغربي يعتبره عراب الإجراءات غير الشعبية التي طالته، وقد يزيد من محنة مستقبل الحزب السياسي. 

ختاماً، ما ذكر أعلاه ليس سوى نقطة في بحر الأخطاء القاتلة التي أدّت إلى نكسة حزب العدالة والتنمية، والَّتي ستترك حتماً آثارها طويلاً في مستقبل الحزب في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
خالد البوهالي

كاتب مغربي

إقرأ للكاتب

أميركا وازدواجيَّة المعايير

وفقاً للمنظور الأميركي، فإن المحكمة الجنائية الدولية لها اختصاص فقط في الجرائم المزعومة التي...

درسٌ مستفادٌ من أفغانستان.. فمن يتّعظ؟

نستخلص أنَّ الغرب، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، عندما يقوم بغزو دولة ما، فهو لا ينشر سوى...

ماذا ينقص لبنان كي يتحوَّل إلى دولة مدنيَّة؟

ما يحدث في لبنان ليس وليد الأزمة التي اشتعلت منذ سنتين تقريباً، بل نتيجة التراكمات السياسية...

لماذا يستكثرون على الفلسطينيين حقّ المقاومة والدعم الإيراني؟

مقاومة الاحتلال حقّ مشروع تكفله الشرائع السماوية، كما الوضعية، والشعب الفلسطيني اختار سبيل...

هل فشلت السّياسة الأميركيّة تجاه روسيا؟

عمد الرئيس الأميركي إلى محاولة إشعال ثوراتٍ ملونةٍ داخل روسيا، عبر دعم وتشجيع ما سمي بـ"منظمات...

هل يقود التّوتّر الروسيّ الأوكرانيّ إلى تكرار السيناريو الجورجي؟

قرار أوكرانيا إجراء المناورات العسكرية مع حلف الناتو هو "بروفا عسكرية" لحرب مقبلة محتملة مع...