حسن حميد

روائي فلسطيني مقيم في سوريا

عادل الأسطة: لا تكتبوا عن القدس!

أنت، يا د. عادل الأسطة لا تريد لأحد من خارج مدينة القدس أن يكتب عنها، حتى إنك لا تريد لـ جبرا إبراهيم جبرا أن يكتب عن القدس لأنه من بيت لحم، وبين القدس وبيت لحم أقل من زفرة، أقل من تنهيد!

رواية مدينة الله لحسن حميد
رواية مدينة الله لحسن حميد

أكاد لا أصدّق أن مخلوقاً من لحم ودم، له طاقة نفّاثة وقدرة لا تعرف الكلل أو الملل على شتم الآخرين وبتبخيس أشيائهم، وتشويه صوَرهم، وتكرار ما يقوله على امتداد سنوات طوال، مثلما تفعل الأسطوانات المسجلة، ولعلّه أكثر قدرة وديمومة منها لأن بعض هذه الأسطوانات تُصاب بعطب فتقف عن مهمتها، أما هو فلم أره طوال سنوات باتت تقارب العشر، وهو يكتب، بوصفه ناقداً أدبياً، جملة واحدة راح يكرّرها بالرتابة والإملال نفسيهما من دون أن يزهق أو يملّ أو يقتنع أو يظنّ بأن فكرته وصلت على الآخرين بياناً وشرحاً، وهي الجملة البادية على صيغة سؤال: كيف بمكنة كاتب ما، أي كاتب، أن يكتب عن بيئة لم يعش فيها، لم يعرفها، لم يتعثر في دروبها، ولم يخالط ناسها؟! وقد قال هذه الجملة حين صدرت روايتي (مدينة الله) عام 2009، وراح يردّدها ويذكر اسمي، ويحط من الرواية شأناً وقيمة، ويحط مني حضوراً وتجربة، إلى حد أن جعل من اسمي وروايتي ممراً وعبوراً للسخرية، لأن الأمر وصل به وهو يتحدّث عن خصائص الباذنجان، وطرائق تعليق مشكات الثوم في المطابخ أن يتحدّث مهمّشاً حاطاً من شأن رواية (مدينة الله) وصاحبها حسن حميد!

الناقد هو الدكتور الجامعي عادل الأسطة الذي يدرّس في (النجاح) النابلسية، وهو قاص، وناقد أدبي، وصحافي يكتب مقالة أو أكثر في الصحف المعروفة داخل بلادنا الفلسطينية العزيزة، وقد رددت عليه مرة حين كتب عن الرواية كتابة ترذيلٍ وتشويهٍ وشتمٍ وهجاءٍ، وأنا احتفظ له بكل الاحترام والتقدير، لعلّه يعود إلى مرآة النقد فيضبط إيقاع نقده، أو يعود إلى المرآة الوطنية فيرى ترسيماتها وما تطلبه من الكاتب الفلسطيني، أو أن يعود إلى المرآة العدوة التي ترانا شياطين الدنيا والآخرة، بوصف هذه المرايا الثلاث تشكل وعلى نحو ما حال إسناد من أجل مرجعية متّفق عليها! لكنه تمادى في غيّه وشططه حين مضى إلى تتفيه ما كتبه أدباء عرب آخرون حول الموضوع الفلسطيني، طالباً منهم، وبالعبارة الواضحة زجراً، لا تكتبوا عن فلسطين (الأرض، والتاريخ، والواقع، والمستقبل) لأنكم لم تعيشوا في فلسطين، ولا تكتبوا عن ظاهر العمر لأنكم ما عشتم في زمنه، ولا تكتبوا عن أشباح القدس لأنكم لم تروها، ولا تكتبوا عن أسوار القدس وأبراجها لأنكم لم تعمّروها، ولا تتحدّثوا عن المجازر الصهيونية التي اقترفت بحق الفلسطينيين، لأنكم ما كنتم ضحاياها! وهؤلاء الأدباء الذين يدعوهم إلى عدم مقاربة الموضوع الفلسطيني ليسوا نكرات! أسماء مثل جبرا إبراهيم جبرا، وواسيني الأعرج، وإبراهيم نصر الله، وعلي بدر، ورشاد أبو شاور، وليلى الأطرش، وديمة السمان.. هذه الأسماء ليست نكرات يا د. عادل الأسطة، وهذه القدس ليست محلاً للبقالة، أو حماماً في السوق، للمحل مالك، وللحمام صاحب، هذه البلاد/ فلسطين هي بلاد الله، وإن كانت صغيرة، وهذه القدس مدينة الله، والمعاني بادية لا تخطئها عين رائية، ولا حتى عين رمداء!

أنت، يا د. عادل الأسطة لا تريد لأحد من خارج مدينة القدس أن يكتب عنها، حتى إنك لا تريد لـ جبرا إبراهيم جبرا أن يكتب عن القدس لأنه من بيت لحم، وبين القدس وبيت لحم أقل من زفرة، أقل من تنهيد! بربك هل أنت من (زلم) جبرا إبراهيم جبرا، أو تملك حكمة ووطنية، وسعة معرفة، وصوابية نقد أكثر من جبرا إبراهيم جبرا، يا زينة النقد؟! وحين تدعو الجميع إلى عدم الكتابة عن القدس لأنهم لا يحملون البطاقات المقدسية، ترى.. لمن ستترك الكتابة عن القدس، وهي أهم مدينة في العالم محاطة بالأسرار والتشوفات والأماني، مدينة هي في الأرض مهابة وفي السماء مهابة! مدينة تتحلق حولها الأرواح التي عرفت معنى الوطن مثلما تتحلق السطور حول المعنى! أتتركها للكاتب الصهيوني عاموس عوز، الذي جال فيها بحماية الشرطة الإسرائيلية مرات ومرات لكي يكتب عنها! أهو أحق منا بالكتابة عنها لأننا لم نعش فيها! وهذه المعاني والقصص والحكايات والأخبار والأحداث والحادثات التي تلف القدسّ لفاً حتى غدت غابةً من الأسرار.. ألا تحرّض، وتشحن، وتدعو، وتدفع الكتّاب لأن يكتبوا عنها! هل استشهاد الطفل محمّد الدرة كان من الواجب، حسب رؤيتك، ألا يكتب عنه شعراء العرب شيئاً!

أنت يا د. عادل الأسطة تسخّف كتابة واسيني الأعرج عن القدس حين تقول له: ما علاقتك بالقدس حتى تكتب عنها! وهل القدس صك ملكية؟! أو مكان فقط ومعيشة وبطاقة هوية؟! والمحزن هو أنك غوّرت في الزمن بعيداً، حين سخّفت رواية (عائد إلى حيفا) للكبير غسان كنفاني، لأنه على حد زعمك لم يعرف شوارع حيفا، وأنت  تعرف أن الروايات والقصص والقصائد والمسرحيات ليست علم طبوغرافيا؟! وأنت تسخف كتابة إبراهيم نصر الله أيضاً الذي يحاول، بكل طاقته، إعادة قراءة التاريخ الفلسطيني وإنتاجه لأن الأيدي العابثة خرّبت نسيجه، فهل فعلك (النقدي) هذا فعل أدبي أو فعل وطني؟! اليهود الصهاينة، وقبل أن يصلوا محتلين إلى فلسطين، كانوا يتلاومون لأن بعض كتاباتهم لم تستند إلى مرجعية واحدة هي التوراة، بسبب تعدّدية الثقافات والتيارات الفكرية لديهم، لذلك كان بعضهم يصرخ بالمتلاومين، اصمتوا، كفوا عن النقاش، لأننا بحاجة إلى من يقول أي كلام عن أرض الميعاد وبأية طريقة، وبأي أسلوب! ولذلك حاز يوسف بن عجنون جائزة نوبل في عام 1966 على نصوص ملأى بالصراخ، والعنصرية، والتطرّف، والتعصب، والكذب المُشين، وكتابته من الناحية الفنية لا تساوي خيشة تبن!

أنت، وما تقوم به، وعبر هذه السنوات التي قاربت العشر، وأنا أتابعك يا د. عادل الأسطة لم تكف عن تحطيم أية بنية وطنية، سواء أكانت بنية رابخة في رواية، أو قصة، أو مسرحية، أو قصيدة! أنت، وما تقوم به، وهو فعل تحطيم، وأنفاسه حامضية كريهة، لا علاقة له بالروح الوطنية، ولا بالثقافة الحقّة، ولا بالنقد، ولا بالذهنية التي تروم المستقبل الفلسطيني!

إنني أسألك يا د. عادل الأسطة ما الفائدة من إعادة الكتابة عشرات المرات عن روايتي (مدينة الله) من أجل استهدافها وتدميرها، وأنت، وأظنّك ظنّاً، بأنك قرأتها، وقد دمّرتك جمالياً، أقول هذا وأعيه، مثلما دمّرتك بمعناها الإنساني الذي عرّى المؤسسة الصهيونية من المتطرّف العنصري الذي يعمل دليلاً للأسواق اليهودية في القدس، إلى الشرطي في الشارع، إلى السجّان في المعتقلات، إلى رجال الحواجز، إلى سكان المستوطنات، وبعين محايدة، لم تكن فلسطينية، وإنما كانت عيناً روسية، عين سائح، جاء إلى القدس ليعرفها معايشة، وأراد أن يقضي فيها إجازة متعة خلال أيام، لكن القدس سحرته فعلَّقته على صليبها لكي يقول ما قالته الرواية!

قل لي يا د. عادل الأسطة أيها المهموم بالمكان وأسماء الشوارع والأحياء والعقبات أين هي الأخطاء المكانية في رواية (مدينة الله)! وأين هي أغلاط الحكاية التي تتحدّث بعين الرائي والمُعايش لكل ما يتكلّم عنه مكاناً وناساً وأحداثاً! وأين هي إخفاقاتها الفنية، وأين هو غياب سلاسلها المنطقية؟!

أنت، يا دكتور، وفي آخر كتاباتك الشاتمة تقول لماذا لم يتحدّث حسن حميد عن المتسوّلين و (السكرجية) في القدس؟! أتسأل عن هذا الغياب وسط حضور الناس المقادسة وحراستهم البادية للمكان في الرواية سطراً سطراً في الأسواق، والساحات، والشوارع، والمقاهي، والمطاعم، ودور العبادة. ألم تدعوك الرواية، وأنت تزعم أنك قرأتها، لزيارة عالم السحر في المساجد، وفي كنيسة القيامة، وإلى أن تمشي وفق أسطرها وأنت مغمض العينين وكأنك تقرأ في دليل طبوغرافي لمواضع دور العبادة وأمكنتها؟! ألم تبحث في عينك وذهنك النقديين عن دور العبادة التي صارت أمكنة للطعام والشراب، واسطبلات للخيول والبغال والحمير وقد أشارت إليها الرواية!؟!

تتساءل، في كتابتك الأخيرة عن الرواية، لماذا لم أر السكارى في شوارع القدس! لم أر أحداً منهم، وعبر عين السائح الروسي، لم أرهم لأنني كنت أطارد الجمال في شرفات بيوت القدس، وفي مدوّنات أبوابها الندّاهة، وفي أدراجها المتعانقة التي تجعل البيوت بيتاً واحداً، والشوارع شارعاً واحداً، كنت أطارد حراك الناس وجولانهم لأرى تشكيلات مقاومتهم لكل أشكال الظلم والعسف والأذى، واحتضانهم للمكان وخوفهم عليه! وتسألني د. عادل الأسطة كيف لم أر المتسوّلين؟ ترى لو تحدّثت عن السكارى والمتسوّلين في القدس أأصير من الذين يعرفون المكان والناس؟! ثم، ومن بعد، أتصير روايتي (مدينة الله) روايةً في نظرك؟! أيّ هذيان هذا أيها الناقد، أيها (الحريص) على الأدب الفلسطيني وموضوعاته؟! لقد تركت الحديث عن الشحّاذين والمتسوّلين لك، لتراهم عينك الوطنية!

لك، يا دكتور، ومنذ صدور الرواية عام (2009)، وأنت تكتب ضدها، وتحاول قدر استطاعتك الحاقدة أن تشوّهها، ولكن أصارحك بأن كل من يقرأ لك شتيمة تدور حول هذه الرواية، يعيدها إليك مع الكثير من الاستخفاف والاستهزاء لسبب واضح هو أنك لا تقول الحقيقة!

ولكي أنوّرك، وأزيدك علماً بأنك تتحدّث عن فكرة مغلوطة تماماً، وهي أنه ليس من حق الكاتب أن يكتب عن بيئة ليست بيئته، عن بيئة لم يعش فيها، مخافة أن يقع في أغلاط مكانية، أو أن يكتب عن تاريخ لم يعشه كي لا يقع في أغلاط لم يتحقّق منها، أقول لك، وأنت ناقد، وكان عليك أن تعرف هذا مبكراً، وقبل أن تصل إلى سن الشيخوخة، بأن أهم أربعة كتب في العالم هي (ألف ليلة وليلة)، و(الكوميديا الإلهية)، و(دونكيشوت)، و(فاوست)، لأربعة كتّاب كانوا وما زالوا على درجة كبيرة جداً من الأهمية، الأول مجهول، والثاني: دانتي، والثالث: سرفانتس، والرابع: غوتة، كلهم كتبوا ما دار، وما كان، وما يفكّر به، أو ما يُحلم به، في بيئات افتراضية لم يعرفوها! لم يعش واحد منهم فيها، وإنما هي بيئات فتن بها الخيال فأسّس لها موجودية وحضوراً مع أن أمكنتها تشير إلى شوارع وبيوت ومدن وبراري وقرى، وشخوصها نصفهم بشري واقعي، ونصفهم الآخر افتراضي! وهنا أسألك، أيها الناقد، كيف ستطبّق رؤيتك النقدية التي تتبناها على هذه الكتب، وعلى هؤلاء الكتّاب؟!

وأعلم أن هؤلاء ما كانوا يكتبون، عن أمر افتراضي، أو بروح افتراضية لأنهم فقدوا أوطانهم مثلي ومثل هؤلاء الكتّاب الشرفاء النبلاء الذين يكتبون عن القدس لتحريرها من غاصبها، وما كانوا مهمومين أصلاً بأهمية المكان مثلي ومثل أصدقائي الكتّاب الذين يتحدّثون عن القدس التي أمضت عقوداً من تحمّل الطرق الموجع على سندان الظلم المتغوّل في ظلموته! ثم، ومن ضفة أخرى، هل أعجبتك كتابة الروائيين الإسرائيليين عن القدس، بوصفها (قلب) فكرتهم الاستيطانية، لأنهم عرفوا شوارعها ومشوا فيها تحت حراسة الشرطة الإسرائيلية!

كان الأولى بك، يا د. عادل الأسطة أن تحدّد منهجك النقدي، وأن تصفوا أنت وذائقتك النقدية، وتتخلّى عن قناعتك وشغفك بمهاجمة الآخرين أياً كانوا من ديمة السمان إلى محمود درويش إلى غيرهما من كتّاب الشعر والسرد، وأنت (وقد قاربت قصائد محمود درويش) لا تعرف العصا من خرطوم الفيل في الشعر، لكن حُميّا الغرور عصفت بك حتى صرت بين يديها مثل عود القصب ترجف من نسمة هواء!

ثم أسألك، هل تقويض البناءات والأعمال الأدبية (الروائية تحديداً) من قبلك، وهي لكتّاب كبار يشكّلون جانباً مهماً من مدوّنة الرواية العربية.. هو في صالح قضيتك الفلسطينية يا د. عادل الأسطة؟! وما الذي تريده؟! أهو الفكرة الجزيرية، أي أن يكتب كل منا عن جزيرته فقط؟! لماذا لا يحدث مثل هذا في فرنسا، وبريطانيا، وروسيا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأميركية؟! منذ شكسبير وحتى اليوم، هل أحيلك إلى (هاملت)؟! ثم حين حدثت الحرب الأهلية الأميركية ما بين الشمال والجنوب، أما رأيت أن كتّاب أميركا جميعاً وعشرات من كتّاب بريطانيا كتبوا عن الشمال والجنوب الأميركي، وعن مخاطر الحرب التي تهدّد الولايات كلها، آنذاك لم نجد ناقداً من طينتك يسأل كيف لهؤلاء يكتبون عن بيئات ما عرفوها! أنظر في كل الكتابات التي لها علاقة بقصص الحب، والفقراء، التي كتبها بلزاك أو فلوبير.. هل ستدرك واقعيتها من عدم واقعيتها! وهل كان على كتّابها أن يعيشوا قصصها ليكتبوها! وكذلك هي الحال بالنسبة لكتّاب مثل تشيخوف، ودوستويفسكي، وبونين في روسيا!

ومع ذلك أقول لك، معك الحق كاملاً يا د. عادل الأسطة في كل حديثك عن رواياتنا، لأنك، ولسبب ما أجهله، تتفرّج على النيران الوقّادة المشتعلة في جغرافية فلسطين وتاريخها وناسها وأحلامها، ولا تكتوي بها! والفرق بين الفرجة والاكتواء.. شاسع مثل غابة أو محيط!


وهنا مقال الأسطة الذي استدعى رداً من حميد

الروائي والتجربة: تمثّل الزمان والمكان

ما كنت لأذهب إلى ما أذهب إليه لولا قراءتي عددًا من الروايات التي تجري أحداثها في بيئة غير بيئة الكاتب، وزمان لم يكن شاهدًا عليه، وملاحظتي ورود أخطاء فيها تشير إلى أنّ الكاتب يكتب عن زمنه هو، لا عن الزمن الروائيّ المسترجع والمتخيّل أوّلًا. كما يبدو الكاتب في مثل هذه الروايات غير محيط إحاطة تامّة بالمكان الذي يكتب عنه، ما يوقعه في أخطاء عديدة في الكتابة عن المكان.

غالبًا ما اعترض روائيّون يكتبون الرواية التاريخيّة على ما أذهب إليه، وهم لا يوافقونني الرأي، ويستشهدون بأعمال أدبيّة تاريخيّة كتبها أصحابها عن عوالم متخيّلة؛ مثل "رسالة الغفران" و"الكوميديا الإلهيّة" وروايات تاريخيّة عديدة حقّقت نجاحًا كبيرًا. وكان من المعترضين الروائيّ إبراهيم نصر الله، فقد كتب مقالًا عنوانه "خفّة الناقد التي لا تُحتمل"، أتى فيه على اعتراض نقّاد مثلي لهم الموقف نفسه من الكتابة عن عوالم متخيّلة زمانيًّا ومكانيًّا.

عن أمكنتهم وأزمنتهم يكتبون

وما كنت لأذهب إلى ما أذهب إليه لولا قراءتي عدداً من الروايات التي تجري أحداثها في بيئة غير بيئة الكاتب، وزمان لم يكن شاهداً عليه، وملاحظتي ورود أخطاء فيها تشير إلى أنّ الكاتب يكتب عن زمنه هو، لا عن الزمن الروائيّ المسترجع والمتخيّل أوّلاً. كما يبدو الكاتب في مثل هذه الروايات غير محيط إحاطة تامّة بالمكان الذي يكتب عنه، ما يوقعه في أخطاء عديدة في الكتابة عن المكان. هنا أتذكّر ما كتبه محمد يوسف نجم عن قصّة "نداء المجهول" لتيمور، والذي أشرنا إليه في القسم الأوّل من المقالة.

سأورد عناوين روايات كتبها أصحابها عن أمكنة لم يزوروها أو زاروها زيارة عابرة، فبدت كأنّها لا صلة لها بالمكان، ولا صلة لها، تقريباً، بالزمان الروائيّ. وسأتوقّف أمام قسم منها، مشيراً إلى بعض الأخطاء التي وردت فيها: "شبابيك زينب" لرشاد أبو شاور؛ "مدينة الله" لحسن حميد؛ "راكب الريح" ليحيى يخلف؛ "زمن الخيول البيضاء" و"قناديل ملك الجليل" و"أعراس آمنة" لإبراهيم نصرالله؛ "الشياح" لإسماعيل فهد إسماعيل؛ القسم الأوّل من "برج اللقلق" لديمة السمّان، وغيرها كثير.

في كتابه، "إضاءات على الأدب الإسرائيليّ الحديث" (2012)، يتوقّف صلاح حزين أمام القدس في الشعر العبريّ في المنفى، ويرى أنّ صورة القدس فيه كانت مستقاة من كتاب العهد القديم. ولم يلتفت الأدباء، لعدم رؤيتهم القدس، إلى التغيّرات التي ألمّت بالمدينة على أرض الواقع؛ ولذلك، حين زار هرتسل فلسطين وكتب عنها في روايته، "أرض قديمة - جديدة" (1902)، فوجئ بأنّ البلاد، ومنها القدس، غير ما كانت صورتها في ذهنه، وكانت الصورة لديه، قبل الزيارة، تشكّلت من الكتب لا من الإقامة في المكان.

يافا هي الغائب الأساس

في رواية أنور حامد، "يافا تعدّ قهوة الصباح" (2012)، يكتب الروائيّ عن يافا التي زارها مدّة أسبوعين، وحين يقرأ المرء الرواية يشعر بأنّ يافا هي الغائب الأساس عن النصّ الروائيّ. لقد حضرت عنبتا (شرق مدينة طولكرم، فلسطين) ولم تحضر يافا إلّا من خلال العنوان وصورة الغلاف. هنا يتذكّر المرء إميل حبيبي وما قاله عن كنفاني وعن رواياته: إذا ما أراد المرء أخذ صورة عن المدن الفلسطينيّة؛ حيفا وعكّا وحتّى يافا، فعليه أن يعود إلى نصوص إميل، فهو من يعرف المكان معرفة جيّدة.

حقّاً، ليس هناك بحر في عنبتا، وبالتالي، فإنّ صورة الغلاف ليست صورة عنبتا، وإنّما هي صورة يافا، لكن ما كتبه الروائيّ عن بنية المجتمع وشكل العلاقات الاجتماعيّة والأسريّة السائدة، يبدو لعنبتا لا ليافا.

حسن حميد، كاتب فلسطينيّ يقيم في دمشق، قرأت له ثلاث روايات؛ "جسر لبنات يعقوب"، و"نهر بقمصان الشتاء"، و"مدينة الله"، والثالثة أحدثها، وقد صدرت عام 2009. والروايات الثلاث تجري أحداثها في بيئة غير بيئة الكاتب المكانيّة، وفي زمن لم يكن الكاتب، غالباً، شاهداً عليه.

تجري أحداث "مدينة الله" في مدينة القدس التي قرأ عنها حسن حميد دون أن يقيم فيها، بل ودون أن يزورها. حين يفرغ القارئ الذي يعرف القدس من قراءة الرواية، يتساءل إن كان قرأ، حقّاً، رواية عن القدس. أين هم متسوّلو المدينة؟ وأين هم سكّيروها؟ وحين يقارن القارئ ما قرأ بقصص خليل السواحري وتوفيق فيّاض وكتابات محمود شقير، يفاجأ، حقّاً، بما كتب حميد، تماماً كما يفاجأ بصورة الآخر في الرواية.

أبرز حميد لليهوديّ في روايته صورة المجنّدة الشيطانة الساديّة. ليس المطلوب من حميد، طبعاً، أن يبرز لليهود صورة واحدة إيجابيّة، فهم عدوّ، لكنّ الصورة كما بدت في الرواية غير مقنعة، بل إنّ صورة الفلسطينيّ في الرواية بدت، أيضاً، طيّبة وايجابيّة فوق المعتاد. كانت القدس في رواية "مدينة الله" خارجة من الكتب ومن ذهن الروائيّ، لا من الواقع.

أين يقع المسجد الحرام؟!

تختلف رواية ليلى الأطرش، "ترانيم الغواية" (2014)، عن رواية حميد، وتبدو أكثر إقناعًا. عاشت ليلى الأطرش في بلدة بيت ساحور القريبة من القدس، وتردّدت قبل عام 1967 عليها، وبعد هزيمة حزيران زارت القدس زيارات عابرة، بلغت، أحياناً، مدّة شهرين، بقصد أن تكتب عنها، تماماً كما فعل الطاهر وطّار حين كتب عن مدينة قسنطينة. وقد أنجزت الكاتبة الرواية عن أزمنة ثلاثة شهدتها المدينة ولم تشهدها الكاتبة.

اختارت ليلى لروايتها شخصيّة امرأة عجوز عاصرت الأزمنة الثلاثة، وكانت تعاني من الألزهايمر، ومعروف أنّ من يعاني من هذا المرض يظلّ يتذكّر الطفولة. وهكذا تتذكّر العجوز الحكمين العثمانيّ والإنجليزيّ، وتكون الراوية شاهداً على زمن الاحتلال. وتبدو صورة القدس هنا أكثر إقناعاً، ومع ذلك، ثمّة هنّات في الرواية سببها عدم الإقامة في المكان بما يكفي لتشرب تفاصيله، وثمّة هنّات في التواريخ، حيث تسقط الكاتبة أفكارها وزمناً آخر على زمن سابق.

في رواية "ترانيم الغواية" يكتب الخوري ورقة في آذار 1931، "من أوراق الخوري متري حدّاد، آذار 1931"، ويأتي فيها على الحرب العالميّة الثانية. كيف حصل هذا؟ لنقرأ: "لهذا تصارع العالم في حربين كونيّتين ولم يكتمل النصف الأوّل من القرن العشرين..." (ص 244).

وفي مكان سابق، في فصل عنوانه "باب الهوى"، يرد التالي: "بعت داري الواقعة في حارة... وملاحقها، من خلف بطريركيّة الأرمن إلى باب الحبس، عند بداية الزقاق المؤدّي إلى المسجد الحرام، مع حوش وحاكورة بشجرتي مشمش وسفرجل، إلى المرأة الخنزيرة الهالكة سيفورا بنت..." (ص 220). والطريف أنّ الروائيّة توحي لنا بأنّ ما ورد آنفاً وثائق كتبها الشخوص، وأنّها حصلت عليها. فهل كان أبناء القدس لا يعرفون مدينتهم؟ وهل كان كاتب الورقة الذي كتب عن بيع بيته في حالة سكر وذهول فنسي أنّ المسجد الحرام يقع في مكّة لا في القدس؟

حاجز حوّارة

هل اختلف ربعي المدهون في روايتيه، "السيّدة من تل أبيب" (2009) و"مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة" (2015) عن حسن حميد وليلى الأطرش؟ تناول الناقد وليد أبو بكر رواية "مصائر"، وبيّن أنّ كاتبها وقع في أخطاء عديدة في الكتابة عن المكان، ما يعني أنّ المدهون كتب عن القدس دون أن يتمثّلها تمثّلاً تامّاً. زار الكاتب المدهون القدس زيارتين عابرتين وكتب عنها، فوقع في أخطاء لم يسعفه مستشاروه في تداركها. في روايته "السيّدة من تل أبيب"، يغدو حاجز حوّارة الذي يقع على مدخل مدينة نابلس، واقعًا على مدخل مدينة قلقيلية تارة، ويفصل بين رام الله والخليل، لا بين نابلس ورام الله، طوراً.

تقيم الفلسطينيّة القادمة من لندن في رام الله أربعة أيّام، وتقرّر السفر إلى الخليل لزيارتها وزيارة معارف فيها، وتقف على حاجز حوّارة، أو تخاف من الوقوف أمامه. وهكذا يقع الكاتب في أخطاء تخصّ المكان، ما كان ليقع فيها لو أنّه عاش فيه فترة طويلة، وهذا يعيدنا ثانية إلى رأي إميل حبيبي في رواية كنفاني، "عائد إلى حيفا".

قوّات إسرائيليّة أم عصابات صهيونيّة؟

وماذا عن ابراهيم نصر الله؟ في رواية "زمن الخيول البيضاء" يرتدّ الزمن الروائيّ إلى ما قبل عام 1948، أي قبل أن يولد الكاتب بـ 6 سنوات. ويعالج الروائيّ أحداثاً جرت في أماكن سمع عنها، وقد يكون زارها زيارة عابرة سريعة، أو زار جزءاً منها. (وُلِدَ الكاتب في مخيّم الوحدات عام 1954).

سأدلّل على عدم تمثّل الكاتب البيئة التي كتب عنها من خلال مثالين فقط، يبرزان تأثير الزمن الكتابيّ في الزمن الروائيّ. يرد في الرواية في صفحات عديدة، تداول أهل فلسطين قبل عام 1948 عملة الدينار، تماماً كما يرد في صفحات أخرى تداول عملة الجنيه. والجنيه هو العملة التي عرفها أهل فلسطين في حينه، ولم يتداولوا الدينار الذي تُدووِل وعُرِفَ عام 1951. والطريف أنّ الكتابة عن العملتين ترد، أحياناً، في صفحتين متقابلتين.

من ناحية ثانية، فإنّ الصفحات الأخيرة من الرواية ترد فيها دوالّ: إسرائيل، والقوّات الإسرائيليّة، والجيش الإسرائيليّ؛ وهي دوالّ ما كانت تُستخدم في ذلك الوقت، إذ الدوالّ التي استُخدمت في حينه هي العصابات الصهيونيّة، واليهود، والعدوّ.

أطرف ما قرأته في رواية "قناديل ملك الجليل"، أنّ ظاهر العمر احتفل لمناسبة مرور عام على زواجه، فهل كان أهل فلسطين والمنطقة، في ذلك الزمان، يحتفلون بهذه المناسبة؟

هل ما كتبته يقلّل من شأن الروايات المشار إليها؟ يُخيّل إليّ أنّ عيني هي عين السخط لا عين الرضا. ومع ذلك إنّ الكتابة تستحقّ أن تُقرأ.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]