"AUKUS" وأزمة الغواصات من منظور استراتيجي

توسّعت بسرعة قياسية مفاعيل الأزمة بين فرنسا من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا ومعهما بريطانيا من جهةٍ ثانية. كيف تبدو المسألة من منظور استراتيجي؟

  • هل سيتمكَّن بايدن من احتواء كل هذه المعطيات في مكالمته الهاتفية المرتقبة مع نظيره الفرنسي؟
    هل سيتمكَّن بايدن من احتواء كل هذه المعطيات في مكالمته الهاتفية المرتقبة مع نظيره الفرنسي؟

الأزمة، وإن كانت تبدو مستجدةً من خلال سببها المباشر، إلا أنَّها ترتبط بجذورٍ أكثر قدماً وعمقاً لا تنفكّ تظلل العلاقات بين الولايات المتحدة، ومعها في أغلب الأحيان بريطانيا، من جهةٍ أولى، وبين الحلفاء الأوروبيين التاريخيين من جهةٍ ثانية.

للمزيد من الدقة، يمكن القول إنَّ فرنسا، ومن بعدها ألمانيا، هما القوّتان الأكثر سعياً لبلورة إرادةٍ أوروبية مختلفة عن النسق الأميركي وضروراته، وما يستتبعه في كلِّ حالة من الأساليب والأدوات التي باتت تستعمل بكثرة ضد الحلفاء في السنوات القليلة الماضية.

شرخ أوروبي - أنغلوساكسوني

إنّ طبيعة التحالف القديم المستجد بتبلور خصوصيّاته بين واشنطن ولندن وكانبيرا، تشير بوضوح إلى ارتكازه على عنصر ثقافيّ، من أجل خدمة هدف جيوبوليتيكي، فالدول الثلاث تمثل امتداداً أنغلوساكسونياً لطالما عبّر عن نفسه في مفاصل العلاقات الدولية، وخصوصاً عندما كانت الولايات المتحدة الأميركية تحتاجه لتزخيم موقفها ضمن التحالف الغربي الأكثر اتساعاً، وفي حلف شمال الأطلسي على سبيل المثال، فواشنطن احتاجت على سبيل المثال كلّ إبداعات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير المساندة لموقفها حين شنّت الحرب على العراق في العام 2003. في المقابل، وقفت فرنسا يومها ضد الحرب التي ستجري لاحقاً من دون قرارٍ من مجلس الأمن الدولي، واستناداً إلى "تحالف الراغبين" فقط.

وعلى الرغم من بقاء التمايزات الأوروبيّة الأميركية جمراً تحت رماد الصورة الجامعة للحضارة الغربية وحصنها العسكري، الناتو، فإنَّ هذا المشهد بقي مسكوناً بنزعاتٍ متنافرة، تعززها خصوصيات ومصالح لكلّ واحدة من الدول الكبرى المؤثرة فيه.

وقد كانت الولايات المتحدة قادرةً على الدّوام على صياغة مشهدٍ غربي موحد، على الرغم من تزايد الضغوطات ضد هذه القدرة، بسبب التغيرات التي ما فتئ النظام الدولي يشهدها بعد الحرب الباردة، بحيث زادت سرعة التفاعلات في النظام، وزاد معها تشابك المصالح باتجاهات "عبر وطنية" و"عبر تحالفية".

لكن مع دخول أميركا مرحلة الرئيس السابق دونالد ترامب، كان وجهها أمام الحلفاء والخصوم يتغير بصورةٍ مقلقة لكليهما؛ فمع ترامب، تخلّت الولايات المتحدة عن مهمة قيادة العالم لمصلحة استعادة قوتها في الداخل، وتسييل أفضليتها على الحلفاء إلى مصالح ملموسة قابلة للقياس، فراح الرئيس الأميركي يجول على الحلفاء من الشرق الأوسط إلى أوروبا، طالباً أثماناً مقابل حماية الحلفاء وقيادتهم.

كان ذلك في سياق الضّغوطات التي أفرزها صعود القوى الشرقية وتوهج قدراتها، بدءاً من الصين المندفعة بزخم لم يعرف تاريخ العالم الاقتصادي مثيلاً له، وروسيا العائدة والمستعيدة احترام القوى العظمى، والمرتكزة على حضورٍ هائل لا يبدأ من جزيرة سخالين المجاورة لليابان، ولا ينتهي بإقليم كالينينغراد المنغمس في أوروبا، والهند وإيران المنطلقتين بثبات على مسارات الحرير سعياً وراء حرية المسارات.

لقد أحدثت مرحلة ترامب تحولاً في الاستراتيجيّة الأميركيّة في السّاحة الدوليّة، ليس من باب التركيز على الخصوم فحسب، إنما أيضاً في مجال التعامل مع الحلفاء، ومع النظام الدولي الّذي كانت تتصرّف كقائدة له منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، مع كلّ ما تتطلّبه هذه القيادة من قدرة على إدارة التوازنات الدوليّة والإقليميّة، بما يتضمّنه ذلك من رعاية توافقات، أو ممارسة سطوة تؤدي إلى إحداث تغييرات في سياسات الدول، أو حشد التحالفات لتحقيق أهداف جماعية محددة.

وقبل ذلك كله، كانت الولايات المتحدة قبل ترامب تمتلك الحد الأدنى من القدرة على الترويج لخطاب حضاري قيمي متفوق، على أساس أنها قائدة للعالم الحر، وأن مشروعها العالمي يحمل الديمقراطية إلى الدول الأخرى، مع كل المفارقات التي كان يحملها هذا الخطاب.

ضربة في قلب "الناتو"

أما فرنسا تحديداً، فلطالما كانت تسكنها نزعة ممارسة دور أوروبي مستقل عن الإرادة الأميركية، وخصوصاً بنسختيها الجامحتين؛ مرحلتي جورج بوش الابن ودونالد ترامب، وهي قبل ذلك، كان لها تاريخ قديم من ممارسة "المقاومة في وجه السطوة الأميركية"؛ ففي العام 1966، وفي ذروة الحرب الباردة، خرجت فرنسا الديغولية من حلف شمال الأطلسي، ولم تعد إليه إلا في العام 2008، بعدما انتهت مرحلة بوش الابن، وبدأت مرحلة باراك أوباما؛ الرئيس صاحب الكفاءات الدبلوماسية الواضحة.

وفرنسا، كما العديد من حلفاء أميركا في أوروبا وحول العالم، انتظرت من جو بايدن نهجاً مختلفاً يعيد إلى العلاقات الغربية دفئها، ورأت في شعاره "عودة أميركا" أملاً في عودةٍ إلى الرشد السياسي والاستراتيجي، وإلى التعاون مع الحلفاء بدلاً من تهديدهم، وانتظرت منه رجوعاً عن أنانية شعار ترامب "أميركا أولاً"، إذا كانت واشنطن ترغب في قيادة العالم الغربي أولاً، قبل أن تتطلع إلى قيادة بقية العالم.

من هنا، يمكن الدخول إلى التداعيات الاستراتيجية لأزمة الغواصات المستجدة، إذ أكَّد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أن إلغاء أستراليا صفقة شراء غواصات فرنسية واستبدال أخرى أميركية عاملة بالوقود النووي بها، "سيؤثر في مستقبل حلف شمال الأطلسي".

كان الوزير الفرنسي حاداً في تعابيره ومدلولاتها البعيدة. لقد تحدث عن "كذب" أستراليا بشأن إلغاء الصفقة، وعن أن هذه الأخيرة ستحدث أزمة خطرة بين بلاده وحلفائها في واشنطن وكانبيرا، لكن مواقف لودريان تجاه الدولتين كانت تندرج في إطار رد الفعل الجديد على حدثٍ مستجد، بينما كان تعليقه على الدور البريطاني أكثر تعبيراً وأعمق معنى، حين وصف الدور البريطاني بـ"الانتهازية المستمرة"، ما يشير إلى النظرة الفرنسية الدائمة لبريطانيا على أنها قوة أوروبية انتهازية تتبع مصالحها ضد مصلحة الفضاء الأوروبي والتعاون مع الحلفاء الأقربين، وهو ما يمكن أن يؤشر أيضاً إلى الغضب الفرنسي من قضية "بريكست"، إذ خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من أجل مصالحها الخاصة، تاركةً عبء الاتحاد على كاهل كلٍّ من فرنسا وألمانيا بصورةٍ رئيسية. 

إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وضربات الولايات المتحدة المتتالية في قلب "الناتو"، وأداءها المثير للجدل مع حلفائها خارج الفضاء الأنغلوساكسوني، تشكل كلّها مؤشرات بالغة الأهمية على تحوّل في الدور الأميركي، ليكون أكثر تناسباً مع المرحلة الجديدة والنظام الدولي الذي سيديرها، إذ إنَّ المعاني الكامنة في هذه المقاربة الأميركية الضيقة للعلاقات الدولية تعبّر عن "قوةٍ عالمية"، وليس عن "القوة العالمية"، بمعنى أنَّ واشنطن تعود لتكون واحدةً من القوى الكبرى، وتتقلص اهتماماتها لتدافع عن وجودها واحدة من القوى الكبرى، من خلال الانقباض إلى مستوى "تحالف أنغلوساكسوني" محدود الأعباء، فيما تنبسط عالمياً لتواجه الصين، القوة الأكثر خطراً على مصالح واشنطن، من دون أن تهدر أيّ طاقة في أزمات العالم الأخرى، ومع الدول الحليفة التي تحتاج إلى القوة القائدة لتدير شؤون نظمها الإقليمية، كما هو الحال في دول الخليج.

أكبر من خلاف عابر

قبل انفجار قضية الغواصات، شهدت العلاقات الفرنسية-الأميركية تبايناً حاداً بسبب العدوان الإسرائيلي الأخير على فلسطين، وخصوصاً في القدس وغزة. لقد شكّل إصرار واشنطن على اعتماد نهج ثنائي في معالجة المسألة الإشارة الأولى إلى التوتر الذي سيستمر بالتصاعد بين بايدن وفرنسا. 

كان ذلك الخلاف محطة رئيسية من تراكمات التباين الاستراتيجي بين فرنسا والولايات المتحدة، فباريس يريحها انتهاج الدبلوماسية المتعددة الأطراف، التي تسمح لها وللقوى العالمية القديمة باستعادة شيء من حضورها في الساحة الدولية، وهي تتعطّش لهذا الدور منذ مرحلة ديغول، ومروراً ببومبيدو، ثم ميتران، وخصوصاً شيراك، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي يحاول فيها ماكرون بجهدٍ واضح بلورة دور وحضور فرنسيين خارجيين.

واليوم، يشكّل النهج الأميركي مع بايدن خيبة أملٍ لكثير من الدول الحليفة، وفرنسا في طليعة هؤلاء، لكنَّ المثير هنا أنَّ سوء معاملة الأميركيين لحلفائهم لا يقتصر على فرنسا فحسب، بل إنَّ واشنطن مستمرة منذ سنوات طويلة في محاولات منع أوروبا من بناء علاقات مطمئنة مع روسيا. 

آخر معالم هذا النهج بانت في تعاطيها مع برلين بما يخصّ مشروع السيل الشمالي الجديد الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وفرضها شروطاً على الألمان، عنوانها عدم تمكين موسكو من استخدام الغاز كأداة نفوذ لها في أوروبا، ومضمونها محاولة تثبيت حاجز بين الروس والألمان تحديداً، وبين الروس وبقية أوروبا الغربية عموماً.

استدعت فرنسا سفيريها لدى واشنطن وكانبيرا كإجراء دبلوماسي يعبّر عن الاستياء من "الخيانة" التي تعرضت لها من حلفائها، وهي أبعد من ذلك، تتلمَّس انسحاباً أميركياً من التزامات كبيرة تجاه أوروبا من جهة، بينما تصر واشنطن على عدم رفع نفوذها عن أوروبا من جهة ثانية، وترك القوى الأوروبية لترسم سياساتها التي تؤمن مصالحها بعيداً من المصالح الأميركية.

إذاً، هو بين المقاصد الأميركيّة المعلنة في سياستها الخارجية تجاه أوروبا الغربية، والممارسة العلمية لما تراه واشنطن مصالحها الخاصة، التي تذهب إليها بأنانية حين تسنح الفرصة، بصرف النظر عن الأضرار التي تلحق بحلفائها، وهذا تحديداً ما ترى فرنسا أنه حصل في قضية الغواصات، وهو ما دفع المتحدث باسم حكومتها إلى الحديث عن "أزمة وانقطاع في الثقة"، وإعلانه أنَّ بلاده تتوقّع تعويضات مقابل خسارتها لصفقة الغواصات، وخصوصاً أنها المرة الأولى التي تستدعي فيها باريس سفيرها من واشنطن في تاريخ علاقاتهما الثنائية، ما يعكس خطورة الأزمة الراهنة بين البلدين.

ثم إنَّ الخطوة الأسترالية بإلغاء صفقة الغواصات مع فرنسا، واستبدال صفقة أخرى مع أميركا بها، تتجاوز الاتفاقية بحد ذاتها إلى تشكيل شراكة أمنية بين الدول الثلاث (أميركا وأستراليا وبريطانيا)، أعلن عنها كل من الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون في بيانٍ مشترك، قالوا فيه إنهم أقاموا شراكة جديدة في مجالي الدفاع والأمن أطلق عليها اسم "AUKUS"، وسيتمثل المشروع الأول في إطارها ببناء غواصات نووية للأسطول الحربي البحري لأستراليا.

الآن، تعبر المسألة بوضوح عن مجموعة نقاط تحمل دلالات كبيرة أبرزها:

-  شرخ أوروبي - أنغلوسكسوني مستجدّ بوقعه.

-  ثقة مبالغ بها لدى واشنطن بقدرتها على استيعاب غضب القوى الأوروبية من النهج الأميركي الانسحابي من جهة، والأناني من جهة ثانية.

-  صفقة الغواصات (وهي أكبر عقد عسكري لفرنسا من حيث القيمة) كانت مرتكزاً لاستراتيجية فرنسا في الخارج، وهي تتعلق بحضور القوى والتوازنات القائمة في المحيط الهادئ، ولم تكن مجرد صفقة تجارية عسكرية.

-  فشل التعويل الفرنسي على تغيير في النهج بين بايدن وترامب، وهو ما عبر عنه المسؤولون الفرنسيون بقولهم إن الأسلوب الحالي لإدارة بايدن هو أسلوب ترامب.

-  بالنسبة إلى فرنسا، الأمر يستحقّ إعادة تقويم العلاقات مع الحلفاء.

هل سيتمكَّن بايدن من احتواء كل هذه المعطيات في مكالمته الهاتفية المرتقبة مع نظيره الفرنسي؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد سيف الدين

مدير عام المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، دكتوراه في العلوم السياسية، متخصص في شؤون الأمن القومي الروسي والعلاقات الروسية الأطلسية.

إقرأ للكاتب

أوروبا المستقلة: البداية من الجيش

يتبلور بزخمٍ متجدد اتجاهٌ أوروبي نحو تأسيس جيش أوروبي موحّد، لكن عقبات عديدة تعرقل تحقّقه، فضلاً...

التحالفات الشرقية في الميزان الاستراتيجي

في الوقت الذي تعيد الولايات المتحدة الأميركية صياغة تحالفاتها الاستراتيجية، بما يتلاءم مع...

تحالفات أمنية لتطويق "جزيرة العالم"

تعيد الولايات المتحدة صياغة شراكاتها الأمنية في سبيل احتواء الصين وتطويق صعودها الاستراتيجي. ما...

أمن روسيا: اتجاه استراتيجيّ أكثر ثقةً (2-2)

جاءت الاستراتيجية الروسية الجديدة للأمن القومي لتتابع الاتجاه التصاعدي لروسيا الاتحادية نحو...

ماذا حقّقت استراتيجية الأمن القومي الروسي 2012-2020 (1-2)؟

روسيا تصدر استراتيجية جديدة للأمن القومي، استكمالاً لمسار مستمر منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. ما...

معيشة اللبنانيين في مهبّ الأنانيات

في الوقت الذي يشهد لبنان انهياراً اقتصادياً مروعاً، يتخلى مسؤولوه عن واجباتهم، ويستمرون في...