مقالات - أمجد إسماعيل الآغا

تركيا اليوم على مُفترق معادلة جيواستراتيجية، فمن جهة ترغب بالحفاظ على أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية في العمق السوري، ومن جهةٍ أخرى تحاول الحفاظ على مقعدٍ ضمن طاولة الكبار الفاعلين والمؤثّرين في التوازنات الإقليمية والدولية، إضافة إلى رغبتها في البقاء عضواً ضامِناً على طاولة أستانة.

تحاول واشنطن إجبار تركيا على التعامل مع الكرد كطرفٍ سياسي وعسكري له تأثيراته في شمال شرق سوريا، وفي الوقت نفسه تُهدّد الكرد بالأداة العسكرية التركية ذات الأبعاد الأطلسية، إضافة إلى إمكانية رفع الغطاء عنهم في أيّ توقيت سياسي يُجبِر الإدارة الأميركية على تغيير توجّهاتها في سوريا.

"مُعادلتنا واضِحة، أيّ اعتداء على لبنان سيُقابَل بالردع المناسب، ولا أحد منا يُقدِّم ضمانات ولسنا في موقع تبادُل رسائل مع العدو الإسرائيلي ولسنا معنيين بتقديم أيّ جواب، ونحن لا نقدِّم ضمانات أمنية للعدو بل نقول له لا تعتدي".

تتوضّح يوماً بعد يوم الأبعاد الاستراتيجية التي فرضها حزب الله في حرب تموز 2006، بوصفها مِفصلاً تاريخياً في طبيعة الصِراع بين محور المقاومة والكيان الإسرائيلي، خاصة وأن انتصار تموز قد أسَّس أرضية صُلبة لمُعادلات وموازنات كبحت بمضامينها مُبادرات إسرائيل الهجومية، لتكون نتائج الحرب على سوريا تعزيزاً لهذه المُعادلات، وامتداداً في الأهداف والمضمون لما عجز عنه الكيان الإسرائيلي من تحقيقه في حرب تموز.

لا شك بأن خارطة العمليات العسكرية التي فرضها الجيش السوري، قد أسَّست لتفاهُماتٍ وتسوياتٍ في مشهد الشمال السوري، هي تفاهمات وتسويات تفرض معها معادلات عسكرية ستُنتج حلولاً سياسية، كما أن جميع القوى الإقليمية والدولية الفاعِلة والمؤثّرة في الشأن السوري، تُدرِك بأن المِفصل الذي سيُغيّر التوازنات الإقليمية والدولية، وسيُنشئ معادلات جديدة تكون الدولة السورية عرَّابتها، هو إدلب.

مع انتهاء معركة الجرود، فقد انتهى الدور الوظيفي للجماعات الإرهابية التي كانت متمركزة في تلك المناطق، لكن الرهان الاسرائيلي كان كبيراً لبقاء تلك البقع الجغرافية خواصر رخوة يُمكن من خلالها العبث جغرافياً وعسكرياً وحتى أمنياً بـ محور المقاومة.

ضمن المُدركات السياسية لجُزئيات الحرب على سوريا، بات واضحاً أن تركيا لا تخرج عن السياق الاستراتيجي الناظِم للسياسية الأميركية في سوريا، خاصة تلك المُعطيات التي تؤكّد بأن الولايات المتحدة استأنفت تدريب بعض الفصائل الإرهابية في قاعدة التنف.

من المُلاحَظ أنه لا يوجد تجاوب دولي مع قضية فيدرالية الكرد، وحتى الأميركي الحليف الأبرز لهم لا يريد الضغط سياسياً تُجاه هذه القضية، لكن واشنطن وعبر مُراوغتها السياسية تريد فقط أن تستخدم هذه الورقة للضغط على الدولة السورية وروسيا، بالتالي بات يُدرك الكرد بأنهم ورقة ضغط بيد الأميركي، ومن المؤكَّد بأنه سيتمّ التخلّي عنهم عاجِلا أم آجِلاً ضمن التسويات الكبرى.

وسط المواقف والتعقيدات الجيوسياسية في سوريا، تتأرجح كتلة من المواجهات السياسية المحتملة بين موسكو وواشنطن، فالصراع الاستراتيجي المُحتدم بين القوى الفاعلة في سوريا، يأتي ضمن إطار البحث عن مكامن القوة، لبناء تحالفات وتفاهمات تتجاوز في أبعادها الإصطفافات الظرفية التي أفرزتها نتائج الميدان السوري

انطلاقاً من استراتيجية الاحتواء الروسية لكافة الأطراف الفاعِلة في الملفين السوري والإيراني، تحاول روسيا الحفاظ على علاقاتٍ جيّدةٍ مع واشنطن وتل أبيب، للضغط باتجاه حل أيّ ملف بطُرُقٍ سياسيةٍ بعيدةٍ عن التوجّهات العسكرية، وهذا يمنع الإنجرار نحو حرب شرق أوسيطة تطال نيرانها الملفات الدولية.

الانتكاسة الكبيرة التي مُنيَ بها حزب العدالة والتنمية في خسارة إسطنبول، القوّة الاقتصادية لتركيا، تشي بأن المُعارضة التركية قادِرة على هزيمة الحزب الحاكِم، الأمر الذي يُمكن من خلاله أن يصبح أردوغان رئيساً سابقاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الرسالة الأخيرة التي وجهّتها إيران إلى واشنطن عقب زيارة رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" تأتي في إطار عدم الاهتمام بالتفاوض أو التحدّث بشكلٍ مباشرٍ مع ترامب، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية تُتقِن فن التفاوض، وتمتلك مهارات فائِقة في اللعب على المدى البعيد للتخفيف من حدّة العقوبات الأميركية، ما يعني بأن التلويح الأميركي بشنّ حربٍ هو لغة تصعيدية بخياراتٍ وسيناريوهاتٍ لا تمتلك أحجاماً و لا أوزاناً سياسية أو عسكرية، لأن إيران تُدرك بأن ترامب غير قادر على البدء الفعلي بشن حربٍ قد تُحوّل قواعده في الخليج إلى رماد، فضلاً عن أن الاستراتيجية الترامبية المعتمدة على الترويع لن تُجدي مع الإيرانيين.

أمام جُملة الحقائق السياسية والعسكرية التي فرضتها الدولة السورية، وعطفاً على محاولة محور العدوان على سوريا الاستثمار السياسي في ملف إدلب، بات واضحاً أن جزئيات القرار السوري المتعلّق باستكمال تحرير الجغرافية السورية من الإرهاب لا مناص منه، خاصة أن اتفاق سوتشي قد شابه الكثير من التشويش  والغموض، إضافة إلى أن الأهداف التركية في سوريا تستدعي تحرّكاً لجهة إطلاق عجلة العمليات العسكرية التكتيكية، ضمن إطار ترتيب الأوراق السياسية بأثرٍ عسكري.

ملفات خلافية كثيرة تراكمت مؤخراً بين الولايات المتحدة الأميركية و تركيا لجهة العديد من القضايا الإقليمية، إضافة إلى التوجهات العسكرية التركية التي تضع منظومات S-400 و S-500 الروسية في أولوية اهتماماتها، لا سيما أن السياسة الأميركية الجديدة تُجاه الشرق الأوسط، و التي وضعت الكرد على قائمة الأدوات التي سيُبنى على التعاون معهم في شرق سوريا، بيد أن ملفات أخرى كالعقوبات على إيران و الشروع الفعلي بتنفيذ صفقة القرن، لا يبدو أنها تُشكل شرخاً بين واشنطن وأنقرة، فالتصريحات التركية شيء، و البناء السياسي عليها شيء آخر.

ضمن هذه المعطيات وفي إطار ارتقاء المصالح بين موسكو وأنقرة، اللافت في مفرزات الحرب على سوريا هو تمتين العلاقة الروسية التركية، ليس فقط من أجل إيجاد الحل لإنهاء الحرب.

المزيد