مقالات - ربى يوسف شاهين

بناءً على ذلك، يتّضح لنا ومع تتالي منصّات أستانا ووصولها للاجتماع الثالث عشر، أن تركيا قد عزَّزت من تواجدها على الأراضي السورية عبر احتلالها لمناطق وبلدات في الشمال السوري.

إلا أن بعض الكرد السوريين ممَن أرادوا أن يُشكَّلوا لأنفسهم كياناً خاصاً على شاكِلة كردستان العراق، والذي تسبَّبت واشنطن وإسرائيل في انفصاله، مُستغلّة حرب الخليج الأولى، والانقسام الذي حصل أثناءها، وما تبعه من تفكّكٍ للعراق وتسهيل غزوه، وعليه وجدت واشنطن في بعض الكرد وتوجّهاتهم السياسية الانفصالية ضالّتها، بُغية تحقيق أهدافها التي خسرتها عبر أدواتها الإرهابية، فقدَّمت لهم الدعم وعزَّزت لديهم فكرة الانفصال عن الجسد السوري، مُباركةً لهم تعاونهم في القضاء على تنظيم داعش الإرهابي في الشمال السوري

في المُحصّلة، لعلّ السعي الأميركي لتعقيد ملفات المنطقة من إيران إلى سوريا، قد يُفلِح في بعض جوانبه، لكن الاستراتيجية الهادِئة لروسيا وإيران وسوريا تجعل من العَبَث الأميركي يصطدم بالبرودة السياسية لمحور روسيا، فالتطوّرات السياسية في المنطقة بات من الضروري احتواءها وتبديد المؤشّرات المُنذِرة بالتدحُرج نحو حرب كارثية، خاصة وأن السياسة الأميركية تحاول فَرْض الوقائع والمُعطيات، وتسخين المشاهِد السياسية إقليمياً ودولياً.

في محيط التجاذبات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، كانت الحرب على سوريا من أهمّ القضايا التي كشفت ملفات تعتبر الأسخن في المنطقة العربية، لتكون مخرجاتها منطلقة من الغرب وجميعها تصب في مصلحة الكيان الإسرائيلي.

وفي الجهة المُقابلة يتمّ عَقْد لقاءات ثلاثية تحمل طابعاً أمنياً في القدس، حيث شهدت القدس اجتماعاً ضمّ مُستشاري الأمن القومي في واشنطن وموسكو وتل أبيب، تزامُناً مع ورشة المنامة وكلاهما مُتمِّم للآخر ولكن مع اختلاف التمثيل والعدد.

ما تحاول القوى الأميركية والإسرائيلية تحقيقه عبر ورشة البحرين، هو جعل الصراع العربي الإسرائيلي صراعاً عربياً-عربياً، عبر زيادة هوّة العداء بين العرب بالانتقال من المُدافِع عن القضية الفلسطينية إلى الساعي لتحقيق مصالحه باسم القضية الفلسطينية، مُستغلّة التوتّرات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط، لاستخدامها كورقة ضغطٍ على أصحاب الكراسي وليس على أصحاب القرار، وذلك عبر زجّ العرب في حروبٍ لا تخدم إلا هذا الكيان الغاصِب، هو وعدٌ قطعته أميركا لإسرائيل،  وترامب يُنفّذ لعلّه يحظى برئاسةٍ جديدةٍ يُكمِل ما توقّف عنده.

معادلات سياسية كثيرة أنتجتها الحرب على سوريا منذ الانتصارات التي حقّقتها الدولة السورية، وإنتاج ما يُسمّى ترحيل الإرهابيين السوريين الذين يرفضون المُصالحة إلى محافظة إدلب، بالإضافة إلى "تهريب" الإرهابيين الأجانب، والذي بدوره فرض على هذه المدينة أن تكون معقلاً لتجمّعات الفصائل الإرهابية على مُختلف تسمياتها، وبالتالي جُعِلت إدلب وفق تصوّرين:

الطابور الدولي الذي شُكِّل لتنفيذ مُخطّط اللوبي الصهيوني، منذ أن تم إقرار إعلان دولة إسرائيل من قِبَل بريطانيا، والمُخطّطات يتمّ تبادلها بين دول الطابور السياسي، فكلٌ يقف في موضعٍ يُراد منه تنفيذ أجندات مُحدَّدة لحين تحقيق الحُلم الصهيو أميركي في إقامة دولة إسرائيل الكبرى.

ولعلّ طلب القيادة السورية من الحليفين الروسي والإيراني التدخّل للمساعدة في محاربة الإرهاب، كان مفصلياً في مسار الحرب على سوريا، حيث أن هذا التدخّل بشقّيه السياسي والعسكري شكّل نقلة نوعية في طبيعة هذه الحرب، إضافة إلى إحداثه تضارباً في طبيعة المصالح التي جمعت دول العدوان على سوريا

ما أخرجته العملية السياسة في أستانا بإشراك تركيا في الحل السياسي للحرب على السورية، حضّر له أردوغان جيّداً ليستثمر السنوات الثماني من الحرب لصالحه، ويحقّق ما يتمنّاه في قَضْم أراضٍ من الجغرافية السورية، كحركة سياسية في إطار عسكري، لا سيما أن أردوغان يأمل بعودته سُلطاناً، على هيئة "الامبراطور العثماني للعالمين العربي و الإسلامي".

أميركا ومع استمرارية سياستها في اللعب على الحبال، تُناور كل من تركيا والكرد، فمسألة الشمال السوري حيث تواجد قوات "قسد" المدعومة أميركياً ما هي إلا محاولة من ترامب لتعطيل أيّ حل سياسي تمّ الاتفاق عليه في أستانا أو سوتشي، و بين التركي والكردي محاولات أميريكية لاستمرار التصعيد و الذي بدروه سيُعطل أيّ حل سياسي مُرتَقب في سوريا.

الاستراتيجية الأميركية المُتّبعة في سوريا خصوصاً، ومنطقة الشرق الأوسط عموماً، اتّسمت بالثبات في تعنّتها بالمواقف، لتتمكّن من إشعال الحرب في سوريا أكثر فأكثر، فقد استغلّت واشنطن الكثير من الملفات ذريعة لبقائها في المنطقة، وذلك من خلال ذرائع مُحاربتها للإرهاب المُتمثّل بداعش، وتمسّكها بالملف الإيراني وتواجد القوات الإيرانية في سوريا، وصولاً إلى ذريعة أن أيّ رحيل للقوات الأميركية منوط بخروج القوات الإيرانية من الأراضي السورية.

روسيا تُشكل عامل إعاقة كبيراً لأميركا في تنفيذ مخططاتها، وذلك كله نتيجة التزام روسيا بمواثيق الأمم المتحدة والقوانين الدولية في تعاملها مع واشنطن، فالسياسة الروسية المتّبعة غاية في الذكاء، وهي التي منعت التمرّد الأميركي غير المدروس سياسياً في سوريا.

رغم الزُخم للتواجد العسكري في إدلب، ورغم انعقاد مؤتمري أستانا وسوتشي وما تمخّض عنهما من اتفاقات، إلا أن الجانب التركي حَوّل مدينة إدلب إلى منطقة اصطياف للإرهابيين، وأبعد عنهم الحلول العسكرية، والذي جاء نتيجة لقاء الرئيس بوتين والرئيس أردوغان وهو انسحاب الإرهابيين وسلاحهم الثقيل من المنطقة المنزوعة السلاح.

منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب قواته العسكرية من سوريا، بدأ الكثير من التحرّكات الأميركية التي تشي بأن هذا الانسحاب يحمل في طياته أهدافاً قريبة سيتم استثمارها، وبعيدة تكون استراتيجية في نتائجها، ولعلّ زيارة ترامب السرية إلى قاعدة "عين الأسد" في العراق، تحمل رسائل ودلالات موجّهة للإقليم ككل، ففي وقت سابق أعلن ترامب وبشكل حمل مفاجأة صادمة للحلفاء، قراره بالانسحاب من سوريا وأفغانستان، مستثنياً العراق، وهذا يؤكّد أن التطوّرات في سوريا، أجبرت ترامب على الانتقال الاستراتيجي من زاوية إلى أخرى، تمهيداً للتحضير لما هو أبعد من تطلّعات كردية وهواجس تركية. ذريعة الانسحاب على لسان ترامب بنقل جنوده من سوريا إلى العراق، هي  لمراقبة إيران، فلماذا إيران؟

المزيد