مقالات - غسان الاستانبولي

وبالتأكيد فإن إيران ستكون الدولة الثالثة التي استجلبها "ترامب" لتكون عامِلاً فاعِلاً في هذه الانتخابات من خلال سياسته الفاشِلة إزاء الملف الإيراني، والتي ستنعكس حتماً على سِمعة الولايات المتحدة وربّما على الحال المعيشيّة والماديّة للمواطن الأميركي إن تدحرجت الخطوات بشكلٍ يؤدّي إلى رَفْعِ سعر النفط في الأسواق العالمية.

هذا يأخذنا إلى كلام الرئيس الأسد أثناء زيارته لأحد المواقع العسكرية في الغوطة الشرقية في شهر آذار/مارس عام 2018، عندما قال مُخاطِباً جنوده" المعركة أكبر من سوريا وأنتم تخوضون معركة العالم، وإنّ تحرير كُلّ قرية يُغيّر الخريطة السياسية والموازين العالمية"

نقول هذا بسبب ما تمرّ به سوريا من أزمة نقصٍ في المشتقّات النفطية وسير البعض خلف إعلام مشبوه لتحميل الحكومة السورية مسؤولية الإخفاق في حَلّ هذه المشكلة، كذلك لتوجيه اللّوم إلى حلفاء سوريا وأصدقائها وخاصة روسيا بعدم بذل ما يكفي لتجاوز هذه الأزمة، ولسنا هنا لكي ندافع عن الحكومة السورية أو عن روسيا أو غيرهما ولكننا نحاول الإضاءة على الموقف الروسي الذي يطاله العتب والانتقاد من قِبَل الكثير من السوريين.

الجولة الحالية في السودان والتي كان هدفها تحديد الفائز الأول في الوصول إلى خط النهاية في لعبة "صفقة القرن" ، كانت جولة لتقوية الذراع الأميركية اليمنى مُمثلة بالسعودية ومَن معها، على الذراع اليسرى مُمثلة بتركيا ومَن معها، وبانتظار نتائج الجولة الثانية في ليبيا. 

القرار الأميركي لن يكون إلّا إضافة لسجل "ترامب" الحافِل بالإخفاقات التي جعلته بطل المعارك الخاسِرة منذ انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، وحتى توقيع قراره الأخير هذا، مروراً بحربه التجارية مع الصين، وعقوباته الاقتصادية على روسيا، ومحاولاته المُضنية لاستجداء ولو تنازُل واحد من رئيس كوريا الشمالية، وغيرها الكثير من المعارك الخاسِرة.

الهجوم المعاكس القوي الذي شنّه السيّد نصر الله قلب المعادلة وأجبر "نتنياهو" على الردّ حسب التوقيت المقاوم، وبالتالي أتى ردّه هزيلاً وغير مُقنع عندما قال "إن نصر الله يشعر بالإحراج الشديد إزاء نجاح عملية درع الشمال" ولسوء حظ نتنياهو أن معظم المحلّليين السياسيين في إسرائيل كانوا يؤكّدون عبر الشاشات والمواقع الإلكترونية أن نصر الله بدا قوياً وواثقاً ومُقنعاً.

يستطيع المتابع للشؤون الداخلية في إسرائيل أن يستنتج الأسباب التي من الممكن أن تكون قد دفعت برئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" للقيام بغارات متكرّرة على أهداف في الجنوب السوري. فربّما هي تِهَم الفساد التي تلاحقه، وربّما هي الهدنة بعد المواجهة المذلّة مع المقاومة الفلسطينية في غزّة، أو الانتخابات التي تمّ تقديم موعدها والتي يحاول "نتنياهو" قبلها أن يظهر بمظهر الرجل الأقدر على حماية أمن إسرائيل.

مَن يمتلك بعض الموضوعية يعرف أن القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا قد تمّ اتّخاذه منذ عدّة شهور، أي عندما أيقن الأميركي بخسارته في سوريا.

ولو حاولنا البحث عن عوامل هذا الانتصار الفلسطيني السريع لوجدنا أن العامل الأهم هو قرار الفصائل الفلسطينية خوض هذه المعركة بتنسيقٍ كامل، وإدارتها على أنها حرب فلسطينية شاملة وليست حرباً حركية يخوضها كل فصيل حسب ظروفه وإمكانياته وقناعاته، وظهر ذلك جليّاً في التزام هذه الفصائل بغرفة عمليات موحّدة.

مستقبل المنطقة يُقرّره المنتصرون، وليس هناك شكّ من أن سوريا ومَن معها من حلفاء وأصدقاء قد بدأوا بكتابة الحروف الأخيرة من خطاب النصر، وهم مَن سيُقرّر مستقبل هذه المنطقة كما يتمنّاه أبناؤها الشرفاء، لا كما يتمنّاه مَن باعَ كل شيء في سبيلِ سلطةٍ لن تدوم وفي سبيلِ كيانٍ لن يبقى.

من الواضح أنّ الرئيس الأميركي لا يعاني الكثير في سلب المال السعودي، بوجود حكّامٍ يملكون براعة قلّ نظيرها في ارتكاب أخطاءٍ يتلقّفها الأميركي وغير الأميركي بكلّ رحابة صدر، وبوجود ملك بحاجة إلى حماية ووليّ عهدٍ مهووسٍ بالحُكم. ولذلك وبحال نادرة، نرى أنّ الأميركي يمارس سياسة العصا والجزرة، ولكن لشخصين مقابل هدف واحد، إذ يكفيه أن يلوّح بالعصا في وجه الملك ويُبقي الجزرة أمام وليّ العهد.

جميعنا لاحظَ أن الرئيس التركي خرج مُمتعِضاً من القرار الروسي خلال القمّة الثلاثية الّتي عُقِدَت في طهران، وقد بادر بإرسال أعدادٍ كبيرةٍ من جنوده إلى الحدود السورية، وكان لافتاً ما صرّحه بأنّ هذه القوات هي جزء من الحلف الأطلسي، في إشارةٍ واضحةٍ إلى روسيا بأنّه سيقوم بالانقلاب على كلّ التفاهمات السابقة، والعودة إلى الحضن الأميركي إن لم تتم تلبية طلبه وتأجيل العملية العسكرية في إدلب.

مع كلّ اعتداءٍ إسرائيلي على السيادةِ السورية، ينقسم السوريون إلى عدّةِ أقسامٍ، فمنهم مَن يسير خلف عاطفته مُطالباً بالردّ مهما تكن النتائج، ومنهم مَن يلبس قِناع الوطنية وخاصّة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليؤلِّب الجمهور المؤيِّد للحكومة السورية ويخلق فجوة بينهما، ولكنّ السواد الأعظم من هذا الجمهور ينظر إلى الموضوع نظرة عقلانية، تاركين لقيادتهم التي تجذّرت ثقتهم بها اتّخاذ القرار الذي تراه مُناسباً، مع قناعتهم الكاملة بأنّ الردّ قادم لا محالة بغضّ النظر عن الزمان والمكان والأسلوب.

قد تتقاطع مصلحتا الدولتين اللتين قد يكون لهما التأثير الأكبر في المستقبل التركي، وهما روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ولكنّهما بالتأكيد ستختلفان على البديل، فروسيا تريد بديلاً علمانياً وتُفضّل حزب الشعب الجمهوري، بينما الولايات المتحدة الأميركية تريد بديلاً إسلامياً متشدّداً وتفضّل حركة "فتح الله غولن".

في مثل هذه القمم يقع الجهد الرئيسي على عاتق اللجان التحضيرية التي تلتقي مراراً، وتقوم بمناقشة كلّ المواضيع التي سيتم طرحها بما فيها البروتوكولية منها، تاركةً للرئيسين مناقشة المواضيع التي لم تتوصّل اللجان إلى التفاهم حولها. وهنا نلاحظ أن الاتفاق على عقد مؤتمر صحفي هو دليل على أن الرئيسين قد توصّلا إلى تفاهمٍ حول معظم القضايا الّتي تم طرحها.

المزيد