مقالات - فارس الجيرودي

ففي ظروف ما بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكّك الاتحاد السوفياتي، وانفراد واشنطن بإدارة ملفات العالم، بدا واضحاً الاتجاه الأميركي لتأجيج الصراعات الطائفية والإثنية، والرغبة باختلاق عدو جديد متمثّلٍ بـ"الإسلام"، ما يوفّر مبررّاً لمشاريع التسلّح الهائلة و للميزانيات العسكرية الأميركية التي استمرت بالتضخّم، بينما كان يُفترَض أن تتقلّص في مرحلة ما بعد انتهاء الخطر السوفياتي.

رغم أنهما تفتقدان لأيّ معنىً قانوني، فإن خطوتي الرئيس الأميركي الأخيرتين القاضيتين بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على كلٍ من القدس الشرقية والجولان السوري، دليلٌ قاطع على انسداد كل أفقٍ ممكنٍ للتسويات في المنطقة، ومؤشرٌ هام على أن الصراع دخل طوراً جديداً من التوتّر الذي سيبدأ بالتصعيد والتسخين الميداني، ولا يبدو أن أفقه الأخير يمكن أن ينتهي بغير الحرب الشاملة.

لعلّ الإجابة على سؤال مَن يحكم أميركا؟ هو أحد أكثر الأسئلة صعوبةً، فنظام صنع القرار في الولايات المتحدة، من أعقد أنظمة الحُكم في التاريخ التشريعي البشري، فهو يشبه وحشاً مُتعدّد الرؤوس، إذ أن الدستور الأميركي من الدساتير النادرة التي تسمح لكل مجموعة ذات مصلحة اقتصادية أو توجّه سياسي أو اجتماعي مشترك، أن تكوِّن «لوبي» خاصاً بها في مجلسي النواب والشيوخ، لممارسة الضغط على صانع القرار بما يخدم توجّهها ومصلحتها

هكذا فاجأ الرئيس الأميركي منذ أشهر الصحفيين، في وصفه لعلاقته الشخصية برئيس كوريا الشمالية "كيم جونغ أون"، الرجل الذي قامت وسائل الإعلام الغربية بشيطنته وشنّ أعنف الحملات الإعلامية ضدّه، وهو الزعيم الذي افتتح ترامب نفسه عهده الرئاسي بتهديدات عنيفة لنظامه.

لا شك أن ترشّح الرئيس بوتفليقة لمدة جديدة وهو يعاني ما يعانيه من وضع صحي سيّىء، مؤشّر سلبي لجهة قدرة الدولة الجزائرية على تجديد بنيتها، فعندما تضطر الدولة للاعتماد على شرعية رجل تجاوز الثمانين، أقعدته أزماته الصحية، فقط لأنه المُتبقي من رجالات الثورة الجزائرية، فإن هذا يعني أن الرئيس الجزائري لا يمتلك ما يكفي من رصيد الشرعية ليحوّله إلى غيره، كما فعل الزعيم الكوبي "فيديل كاسترو" مثلاً خلال الأيام الأخيرة من حُكمه عندما، تخلّى عن السلطة لأخيه راؤول، أو كما فعل الزعيم الفنزويلي "هوغو تشافيز" الذي عهد عندما ألمّ به المرض إلى "نيكولاس مادورو" بأمانة وراثة زعامته.

في رسالته السنوية إلى الجمعية الفدرالية، خاطب الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" خصمه الأميركي بمنطق رُعاة البقر، مؤسّسي أميركا الأوائل «الكاوبويز»، الذين كانت سرعة امتشاق المسدس وإطلاق النار منه، هي ما يحسم الصراعات بينهم، إذ يفصل جزء من الثانية بين موت أحدهم وبقاء الآخر، يقول بوتين: «من حقهّم (الأميركيون) أن يفكّروا كما يشاؤون. لكن هل يمكنهم الحساب؟ أنا متأكّد من أنهم بارعون بالحساب، دعوهم يحسبون سرعة أنظمة الصواريخ التي نطوّرها ومداها».

للإجابة على السؤال الكبير الذي لا تفتأ النُخَب المُثقّفة في بلادنا تطرحه في كل مناسبة، هل يمكننا تحمّل أكلاف المقاومة ونتائج الغضَب الأميركي على بلادنا؟ وهل العائِد من ذلك مُجدٍ؟.

نشهد في فنزويلا تطبيقاً لنموذج إيصال البلاد إلى حال من العزلة والحصار والمجاعة، تمهيداً للانقضاض عليها، وهو ما سبق وتكرّر ما يشبهه في كل من العراق وسوريا وليبيا، حيث تم تصنيع حال إنسانية مأساوية حتى يُتاح استخدامها لشنّ الحملات الإعلامية والسياسية التي تبرّر التدخّل الخارجي، فيصبح كل مَن يرفع صوته مُنادياً باحترام القانون الدولي ومُعارضاً التدخّل الأميركي، خارجاً عن سياق المنطق والعقل، ومُتجرّداً من الشعور الإنساني الطبيعي.

اتّساقاً مع المقولة الاستراتيجية الشهيرة التي أطلقها أمين عام حزب الله سابقاً "سنكون حيث يجب أن نكون" لم تقتصر الحرب النفسية التي شنّها خلال اللقاء التلفزيوني الأخير، على قصف الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بل تعدّاها إلى قصف جبهة محور حلفاء واشنطن في المنطقة.

المزيد