مقالات - محمد الرصافي المقداد

لم يكن صعباً على حركة النهضة، أن تتّخذ موقفاً موحّداً، يُحسَب ثورياً لها، من تعيين وزير صهيوني، في التحوير الوزاري الأخير، يتماشى وتاريخها النضالي وموقفها المبدئي من القضية الفلسطينية، فمجرّد تعبير رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي عن رفضه لذلك التعيين، سيُقابله رفض لكتلته البرلمانية له، وبالتالي إسقاطه، وإجبار رئيس الحكومة على استبداله بوزيرٍ تونسي.

الإرهاب الذي ركب مطيّته صناّعه، ضرب أكثر من بلد، في مقدّمتهم إيران الإسلامية - بل لقد كان مخصوصاً لها بعد انتصار ثورتها الإسلامية -  يُراد به إرباك دوله المُستهدَفة، وفرض حالة من انعدام الأمن والاستقرار فيها، وإعاقة نموّها، وضرب إقتصادها، وإخضاعها لسياساتهم الإستكبارية، المُمتهِنة للشعوب الضعيفة، فقاومته إيران بحزمٍ، وتمكّنت من تقزيمه، وفرض إرادتها عليه.

وتتابعت أنظمة العمالة والتبعية لأميركا والغرب، في سلسلة تنازل للكيان الصهيوني، وصلت إلى حد الاعتراف به، وإقامة علاقات دبلوماسية معه، وبمرور الزمن ارتفع عدد هذه الدول، ما حفّز البقية المُتردّدة في قبول مقترحات الغرب، في تليين التطبيع، وتمريره بسلاسة الدهاء الغربي.

هذا الهجوم الصاروخي، اعتبر مقدّمة تصفية حساب مع المجاميع الإرهابية، ذات النزعة الوهّابية السعودية، ما يعني أن بقية الحساب سيكون لها ترتيب وتنفيذ، يختلف باختلاف مواقع الإرهابيين وبؤرهم، التي يرى فيها تهديداً لأمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

كان منتظراً أن يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من على منبر الدورة 73 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، مُستجمعاً ما فيه من استكبار كاذِب، ليختزل في خطابه  كل العقد التي اجتمعت في عقله عن إيران الإسلام، فيرسلها وابل أكاذيب مُكرّرة، وسيل تهديدات مُنتظَرة، أظهرت منه استعلاء لم يسبقه فيه أحد من أسلافه، رغم حساسية أوضاعهم تجاهها حين فترات حكمهم، وما تتطلّبه من مواقف، كانت تستوجب من وجهة نظرهم، تصعيداً خطابياً وعملياً، كالذي دخل غماره منذ أن تسلّم ترامب رئاسة بلاده، مفتتحاً إياه بحزم عقوبات جديدة، وخروج أحادي الجانب من الاتفاق النووي مع إيران 5+1، كان يعتقد حسابياً أن حلفاءه الأوروبيين - بريطانيا فرنسا ألمانيا - سينقضون عهودهم، وينضمّون إليه، لكنه خاب في ما أمّله منهم، وسقط من حسابه الاعتماد عليهم في هذا الملف.

محاولات أميركا إخضاع إيران أو إسقاط نظامها، بكل الخطط المطروحة عندها، لدى مجلس أمنها ستبوء بالفشل الذريع، وستخرج إيران منتصرة على غطرسة غاشمة، تهيب منها أغلب دول العالم.

هل وصلت درجة الخوف من اللوبي السعودي الإماراتي النافذ بتونس، استجابة حركة النهضة لرغباته الخبيثة والنزول عندها، وهي التي لا تعبّر عن الإسلام والمدنية في شيء؟ بل إنها استجابة لرغبات أميركا والصهيونية العالمية، التي عادت إيران منذ انتصار ثورتها وقيام نظامها، ولا تزال على ذلك المنوال تشتد فيه كل يوم، وتدعو عملاءها إلى شدّ إزرها عليه، أملاً في زحزحتها عن مبادئها الإسلامية المعلنة.

لم يكن أشدّ على زعيمة الاستكبار العالمي في أواسط القرن الماضي، من بداية وعي الشعوب، وجهودها المبذولة من أجل استقلالها وحريتها، وانتشار الفكر الثوري الماركسي بين نُخَب وشعوب العالم، وخصوصاً في جنوب القارة الأميركية.

في صمت مُريب من المجتمع الدولي، يمضي العدوان الهمجي الأميركي الصهيوني الإعرابيّ على اليمن، مُتهافتاً على جرائمه، مُستجمعاً حقده في كل يوم، ليصبّه بما أوتيّ من دناءة على رؤوس المدنيين، مُنتخباً أهدافه بينهم، غير عابئ بما سيسفر عنه، كأنما لسان حال طيران إجرامه يقول: أينما وقعت القنبلة أو الصاروخ، فهي تصبّ في صالح المخطّط الرامي إلى إخضاع اليمن لمشيئة عربان الخليج، وبالتالي مشيئة أميركا وحلفائها.

ما سقوط بغداد على يد المغول 656 هجرية، وهلاك أغلب سكانها، ودمار حضارتها، إلا بسبب التقصير والتفريط وغلبة أهل الباطل، وجميعها متعلٌق بالإخلال بالواجبات، سواء من جهة الحكّام، بنزوعهم إلى التواكل والدّعة.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أصبحت اليوم من كِبار الدول في العالم، التي تصنع جميع أسلحتها محلياً، فهي لا تحتاج إلى استيراد شيء من دفاعاتها، ويبدو أن أميركا وحلفاءها قد أدركوا من خلال متابعتهم لمُكافحة إيران الإرهاب في العراق وسوريا - وبفضل جهودها الصادقة، أمكن السيطرة عليه، وإنقاذ البلدين من وقوعهما تحت سيطرته - أنّ صليات الصواريخ التي أُطلقت على داعش في دير الزور، وعلى نقاط مُحدّدة لجيش الاحتلال الصهيوني في الجولان المُحتل، ردّاً على جرائمهم المُقترَفة والمُتزامِنة مع بعضها، أنهم يجب أن يفكّروا ألف مرة ومرّة، قبل الإقدام على حماقة، طالما انتظرتها إيران ومحورها المقاوِم، سيندمون حتماً عليها حين لا ينفعهم ندم.

عندما تُقدم أميركا على اقتراف جريمة ما - وعادة ما تكون قصفاً بأعتى أسلحتها - صواريخ أو طائرات، تُسارع إلى الاعتراف بأن خطأ في تقدير الهدف قد حصل، تنصّلاً من المسؤولية والتّبعة على تلك الجريمة، وتعمل ما في وسعها على تحييد أي مشروع قرار قد يصدر من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن بذلك الشأن يدينها .

رغم فقر وقلّة ذات اليد لدى الشعب اليمني فقد أصرّت دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية والبحرين والإمارات المتحدة والكويت وقطر(انسحبت بعد حصول أزمة مع السعودية والإمارات)على مواصلة العدوان عليه مُستعينة في ذلك بالأردن، والسودان، والمغرب، ومصر، وباكستان، والسنغال، وغيرها من الدول.

حال القضية الفلسطينية أصبحت واضحة ولا تحتاج إلى مَن يزيد صورتها وضوحاً، فليس على ساحة الفعل الجهادي المقاوم سوى إيران، ومحورها المقاوِم في فلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وقريباً سينضم إليها اليمن بأنصاره.