محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

المنطقة الآمِنة والمصالح المُتناقِضة

فعلى الرغم من أن الإعلان عن التوصّل إلى اتفاقٍ بين واشنطن وأنقرة حول إقامة أو إنشاء ما يُسمَّى "بالمنطقة الآمِنة" يشي بنوعٍ من تقارُب وجهات النظر بين إدارتيّ البلدين، إلا أن التوصّل إليه قد يكون شكلياً في هذه المرحلة ليكون مُجرَّد تكتيك تسعى واشنطن من خلاله إلى إعادة هندَسة تأثيرها في الميدان السوري بطُرُقٍ قديمةٍ جديدةٍ وعبر حلفائها.

المنطقة الآمِنة والمصالح المُتناقِضة
المنطقة الآمِنة والمصالح المُتناقِضة

من المؤكَّد أن السلوكيات المُتناقِضة في تفاصيل الصِراع مابين الفاعلين المؤثّرين بالمشهد السوري وجزئياته، ستصل في لحظةٍ معينةٍ إلى نقطة اللاعودة في حسم مواقفها وتوجّهاتها، وسيكون أمامها خياران لاثالث لهما: أما اتخاذ القرار والتوجّه نحو إبقاء حال الاشتباك قائمة للحفاظ على ماحقَّقته من مصالح بما في ذلك الاشتباك المباشَر الجزئي والمُنضَبِط _ لعدم القدرة على تحمّل عواقِب تداعيات توسّعه _ أو التسوية القائمة على فَرْضِ الأمر الواقع عبر التفرّد بامتلاك زِمام المبادرة أو التسوية القائمة على المُراضاة الجمعية ومُراعاة المصالح الإقليمية.
وحتى الوصول إلى هذه المرحلة أو اللحظة الحاسِمة ستسعى كافة الأطراف نحو تحصيل أكبر قَدْر مُمكن من النفوذ أو الحفاظ على ما حقَّقته، سواء من خلال العمليات العسكرية أو الضغط السياسي أو محاولة تغيير الاصطفافات والاحتواء كما يحصل اليوم في التجاذُب الأميركي التركي حول المنطقة الشمالية الشرقية، وضمن هذا الإطار بات من المُسلَّم به أن هناك علاقة تأثير وتأثّر ما بين شطريّ الشمال السوري من حيث تطوّر الأحداث ومُجرياتها، فما يجري في مدينة إدلب من عملياتٍ عسكريةٍ سيُرخي بظلاله وتداعياته على الشرق السوري، كما أن طبيعة ومخرجات النتائج في التجاذُب الأميركي التركي سيكون لها تأثير على مدينة إدلب، وبالتالي فإنه لايمكن تجزئة المشهد السوري أو التعامُل معه من الجانب السياسي وتغييب التطوّرات العسكرية ولا يمكن مُعالجة إحد ملفاته من دون مُراعاة الآخر أو من دون تأثّره بالتطوّرات التي يشهدها الأول، وهذا من شأنه المزيد من التعقيد والتداخُل والتشابُك من جانبٍ ومن جانبٍ آخر يؤدّي إلى زيادة دور الفاعلين الأصليين مع تراجُع أدوات التأثير.
فعلى الرغم من أن الإعلان عن التوصّل إلى اتفاقٍ بين واشنطن وأنقرة حول إقامة أو إنشاء ما يُسمَّى "بالمنطقة الآمِنة" يشي بنوعٍ من تقارُب وجهات النظر بين إدارتيّ البلدين، إلا أن التوصّل إليه قد يكون شكلياً في هذه المرحلة ليكون مُجرَّد تكتيك تسعى واشنطن من خلاله إلى إعادة هندَسة تأثيرها في الميدان السوري بطُرُقٍ قديمةٍ جديدةٍ وعبر حلفائها، بهدف سدّ الطريق أمام روسيا لامتلاك زِمام المبادرة في الوصول إلى الحل السياسي واحتواء النفوذ الإيراني واستكمال مسار حصار سوريا وحرمانها من استثمار ثرواتها في إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين وتأخير الوصول إلى الحل السياسي إن لم يتناسب مع الأجندة الأميركية، ولذلك فإن هذا الاتفاق تمّ الإعلان عنه بالرغم من أنه يتضمَّن مساحة واسعة من المصالح المُتناقِضة في الغايات ما بين أنقرة وواشنطن، وهنا لابدّ من ذِكر المُلاحظات التالية حول الإعلان عن التوصّل إلى هذا الاتفاق:
1. هناك اتفاق تام وكامِل ما بين الإدارتين الأميركية والتركية على إقامة المنطقة الآمِنة، ولكن كلٌ حسب مصالحه وأهدافه وغاياته، فواشنطن تبتغي من ذلك:
- إعادة احتواء تركيا والحفاظ على وجودها كحليفٍ استراتيجي لواشنطن (وفق التوصيات التي تضمّنتها نصائح النُخبة الأميركية في تحديد معالِم السياسة الخارجية واستراتيجيتها) فضلاً عن دورها كعضوٍ في الناتو بما تمثّله من امتدادٍ هامٍ وتموضعها الجيوسياسي، كما أن هذا الاحتواء هدفه مَنْع أيّ تصادُم على أثر أيّ عملٍ عسكري مُنفرِد في الشمال السوري من شأنه أن يؤدّي إلى مواجهةٍ بغضّ النظر عن شكلها بين جنود الجيشين وبخاصةٍ بعد أن لمَسَت واشنطن جدّية أنقرة في شنّها العدوان الثالث على الأراضي السورية.
- البحث عن آلية أو منظومة عسكرية وأمنية تحقِّق واشنطن من خلالها التوازُن في العلاقة والأدوار بين حلفائها الخصوم (قسد، تركيا) لتُترجمها في حال نجاحها إلى تنسيقٍ وتعاونٍ سياسي، وهذا ما برز في الرؤية الأميركية لتقسيم المنطقة الآمِنة وفق تصوّر المبعوث الأميركي إلى سوريا "جيمس جيفري" إلى ثلاث جزئيات على الخارطة الجغرافية أو ما يمكن الإطلاق عليه "الخرائِط الملوّنة"، تؤدّي بها كل من أميركا وتركيا و"قسد" أدواراً مُتكامِلة على الشكل التالي: (شريط أمني بعُمق 5كم تشترك الدوريات الأميركية التركية في إدارته وحمايته، يليه شريط منزوع السلاح أو شريط الفصل أو الممر الآمِن بعُمق 9كم، ومنطقة ثالثة مُحاذية جنوباً تتمركز فيها ما تُسمّى الإدارة الذاتية).
من خلال هذه الرؤية أو الطرح فإن واشنطن تهدف إلى المحافظة على التوازُن وإيجاد نقطة الالتقاء بين حلفائها بالدرجة الأولى، ومن ثم في حال ترجمته ميدانياً سيؤدّي ذلك وبشكلٍ ديناميكي إلى إيجاد آلية تعاون أمنية وعسكرية ثُلاثية وقد يكون توسيع لغرفة العمليات المُشتركة في مرحلةٍ لاحقة.
- توحيد الجهود لمَنْعِ الجيش السوري من تحقيق المزيد من التقدّم في مدينة إدلب في المنظور التكتيكي وشلّ مخرجات أستانة ومحوره على المستوى الاستراتيجي، فنجاح واشنطن بالتوصّل إلى صيغة تنسيق وتعاون مُشترَك مع أنقرة حول شرق الفرات، فإن اتجاه هذا التنسيق سيمتد نحو فَرْض الضغط على الجيش السوري في إدلب لوقف زحف السوري أكثر، بل واسترداد ما تمّ تحريره وهذا سيكون له المزيد من ارتدادات سلبية على العلاقة بين دول أستانة، وهو الأمر الذي تبتغيه واشنطن، وبالتالي فإن احتواء تركيا من قِبَلِ الولايات المتحدة يمثّل ليس فقط رؤية استراتيجية بل ما يمكن الإطلاق عليه " حاجة الضرورة" تفرضها أولويات الميدان في هذا التوقيت، لأن فشل هذا التنسيق والتعاون الأميركي_التركي في منطقة شرق الفرات لن يصبَّ في مصلحة واشنطن، لأنها ستفرض تنفيذ أولويات تركيا في توجيه الاهتمام بشرق الفرات ربما حتى على حساب مدينة إدلب، ومن هنا يمكن فَهْم الصمت الروسي الذي يُراهن على استمرار الخلاف بين عاصمتيّ الناتو بل وتصاعُده نتيجة تناقُض مصالحهما، واستغلال ذلك ضمن هامِش المناورة لإيجاد صيغة تعاون روسية تركية وربما إيرانية في شرق الفرات على غِرار نظام أستانا، رغم ما أظهرته مُحادثات هذه المنظومة من هشاشةٍ في التوافُقات، إلا أن هدفها سيكون مؤقّتاً ويتمثّل في تحجيم الدور الأميركي أو إجباره على الانسحاب أو دَفْع حلفائه المحليين على تغيير رِهاناتهم باتجاه دمشق.
2. الطموح والحلم التركي في التوسّع في الشمال السوري واستثمار ذلك على الصعيدين: الداخلي عبر إعادة الاصطفافات السياسية الداخلية بما يخدم التوجّه الأردوغاني في الاستئثار بالسلطة تحت ذريعة حماية الأمن القومي التركي لإحداث حال جَذْب بعض قوى المُعارضة لصفّه وخاصة تلك التي تتبنَّى إيديولوجية الحفاظ على القومية والهوية التركية، ومَنْع المزيد من تسرّب وانشقاق أعضاء حزبه.
وهذا سيوحِّد الشارع التركي الذي قد يستثمره أردوغان لإجراء انتخابات مُبكِرَة مُتوقَّعة في عام 2021 كخطوةٍ استباقيةٍ قائمةٍ على إنجازٍ خارجي يقطع به الطريق على توجّهات المُعارَضة للفوز بانتخابات الرئاسة، وبخاصةٍ أن التقارُب مع واشنطن قد يُعيد بعض النمو للاقتصاد التركي فضلاً عن استمرار الاستثمار بملف اللاجئين في العلاقة مع أوروبا، وإعادة تموضعهم في الشمال السوري بما يُخفِّف حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في الداخل التركي. 
أما على الصعيد الخارجي فإن أردوغان الذي جاهَرَ مِراراً رغبته في تمزيق اتفاق لوزان 1923، فإنه يريد وَصْل الموصل بحلب عبر هذه المنطقة الآمِنة التي ستكون بوابته لذلك.
3.الموقف الكردي وميليشات "قسد": وهو ما سيُمثّل في حقيقة الأمر بيضة القبَّان من حيث احتمالية نجاح مشروع المنطقة الآمِنة من عدمه، وبخاصة أن الانجرار خلف الأميركي والابتعاد عن سياسة الحوار مع دمشق دَفَعَ أنقرة للتذّرع بذرائع توسعية تحت ما يُسمَّى حماية الأمن القومي التركي.
وهذا الموقف أي للقوى الكردية ول"قسد" غالباً ما سيكون مُنقسِماً على ذاته، وسيبرز أكثر ببروز ثلاثة تيارات بين صفوفها:
الأول: المُراهِن حتى النهاية على الوعود الأميركية لتحقيق الانفصال والحماية، وهذا التيار يستند إلى استمرار تدفّق الدعم الأميركي لميليشات "قسد" بالأسلحة، وسيطرة الأخيرة على مواقع حيوية قد تُهدِّد بتسليمها للحكومة السورية كآبار النفط والغاز فضلاً عن مخيم الهول ومُحتجزي "داعش" الذين قد تُطلقهم بما يُهدِّد العناصر الأميركية والأمن القومي الأوروبي، ورسالة الزعيم الكردي عبدالله أوجلان المُطالِبة لهم بعدم الدخول في صراعٍ مع تركيا.
أما التيار الثاني فإنه سيتضمَّن ميليشات مُختلطة ما بين الكرد والقوميات الأخرى فإنه ستُسارٍع للنجدة بالجانب الروسي لضمان مُحادثاتهم مع دمشق.
أما التيار الثالث فهو التيار الذي يمثّل بعض العشائر العربية والقوى الكردية التي بدأت بإعادة طَرْقِ أبواب دمشق مُجدَّداً.
بينما يبقى الفاعِل المؤثّر والأقوى في الميدان هو الجيش العربي السوري والقيادة السياسية، والتي تضع كامل السيناريوهات في قراءتها وتوجّهاتها، وما نشهده اليوم من عملياتٍ عسكريةٍ في إدلب بما في ذلك استهداف الرَتل العسكري التركي، يُشير إلى بُعدين:
الأول تطبيق اتفاق سوتشي بالنار ولاسيما عبر وضع المجاميع الإرهابية والدول الداعِمة لها بين فكّي كمّاشة عسكرياً من دون نسف 
الحل السياسي الذي سيبقى مطروحاً مع أيّ إنجازِ يُحقَّق ميدانياً، مع إبقاء بوابة الحوار مع "قسد" مفتوحة من دون إغفال دعم المقاومة الشعبية التي ستنشأ.