معركة الجرود السورية اللبنانية.. فجر الإنتصارات

مع انتهاء معركة الجرود، فقد انتهى الدور الوظيفي للجماعات الإرهابية التي كانت متمركزة في تلك المناطق، لكن الرهان الاسرائيلي كان كبيراً لبقاء تلك البقع الجغرافية خواصر رخوة يُمكن من خلالها العبث جغرافياً وعسكرياً وحتى أمنياً بـ محور المقاومة.

  • معركة الجرود السورية اللبنانية.. فجر الإنتصارات

لعل مقاربة معركة الجرود على جانبي الحدود السورية اللبنانية، ترتكز في جوهرها ومفاعيلها على رؤية الكيان الصهيوني وحساباته الاستراتيجية تُجاه محور المقاومة، لا سيما أن صُناع القرار السياسي والعسكري في تل أبيب، اعتمدوا على تفسير الحرب مع محور المقاومة، من منظور استخباراتي متعدد الجوانب، إضافة إلى أن الأداء الإسرائيلي في تعاطيه مع توجهات حزب الله، ركزّ في غاياته على تفعيل المواجهة بين أركان محور المقاومة ككل مع الجماعات الإرهابية، هذه الرؤية الاسرائيلية تقودنا مباشرة لاستخراج معالم المراهنات الاسرائيلية، والدور المُرتكز على هذه الجماعات الإرهابية، وتوظيفها في سياق المواجهة مع محور المقاومة وتحديداً حزب الله، لكن الحدث الأبرز في معركة الجرود  والذي رسم بمضامينه معالم جديدة في المنطقة، هو ارتفاع منسوب القلق الاستراتيجي للكيان الصهيوني، مع تبدد الخيارات التي اتخذت من الإرهاب سيناريو إلهاء واشغال يُشكل دِرعاً  واقياً بين قوة محور المقاومة واسرائيل، لكن ضمن ذلك، فقد حققت معركة الجرود وتجلياتها السيناريو الأسوأ للكيان الصهيوني، فالرهان على الدور الوظيفي للجماعات الارهابية في معادلة المواجهة مع حزب الله قد تبددت، خاصة أن التلاقح العضوي بين الكيان الاسرائيلي والجماعات الإرهابية، يؤكد بأن تداعيات معركة الجرود، وتجلياتها الاقليمية والدولية وحتى لجهة الداخل للبناني، ستكون لها نتائج استراتيجية غاية في الأهمية، وتحديداً في الجزئية المتعلقة بطبيعة الصراع مع تل أبيب، وانعكاساته سورياً وإقليمياً.

لا شك بأن الترابط الجغرافي بين سوريا ولبنان، قد فرض نمطاً استراتيجياً في إدارة معارك الجرود، حيث أن الضغط العسكري على جانبي الحدود، كان بمثابة فكي كماشة وضعت المجموعات الإرهابية أمام خيار الاستسلام؛ هذا الاستسلام  سيكون له نتائج استراتيجية مهمة ليس على الصعيدين السوري واللبناني فحسب، بل أن تداعيات هذا الاستسلام ستنعكس إقليمياً يما يؤثر على نمط الصراع في الشرق الأوسط، وهذا ما ترجمه واقعاً تصريح الصهيوني المُتشدد يسرائيل هارئيل، الذي سلط الضوء على الجانب المظلم من عقيدة المعركة بين الحروب، التي أعلنتها إسرائيل والهادفة إلى منع تعاظم قدرات الجيش السوري وحزب الله، باعتبار أنّ معيار نجاحها يكمن في نتائجها وتداعياتها على مستوى القدرات، ومن أهم تجليات هذه النتائج، الصراخ والتهويل الذي يعلو في الداخل الإسرائيلي، بفعل التعاظم النوعي والكمي الهائل في قدرات الجيش السوري وحزب الله، أما الخبير الاستراتيجي شاؤول شاي، فقد قال إبان معركة الجرود أنّه في سياق الحرب الدائرة عند الحدود السورية اللبنانية من أجل تصفية وجود المنظمات المسلحة ولاسيما جبهة النصرة وداعش، يتبلور تعاون عملياتي بين الجيشين اللبناني والسوري وحزب الله، الأمر الذي ينعكس مباشرةً على إسرائيل، ومضى قائلاً إن سيطرة الجيش السوري وحزب الله على الحدود السوريّة اللبنانيّة يستكمل عاملاً آخر في العملية الإستراتيجيّة الإيرانيّة لإيجاد تواصلٍ جغرافي بين طهران وبيروت، وبالتالي فإنّ إعادة الانتشار هذه تشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل.

ضمن هذه المُعطيات يمكننا قراءة تداعيات ونتائج معركة الجرود على الكيان الإسرائيلي بشكل أعمق وأدق، حيث أن حساسية ملف الإرهاب وتداخلاته سورياً ولبنانياً، يبدو أنها لا تحظى بذات الترابط بين باقي دول المنطقة، وهذا حقيقةً ما أفرزته معركة الجرود، فمن الناحية العسكرية فقد جرى تنسيقاً ضمنياً بين الجيشين السوري واللبناني، لا سيما أن تكامل المعركة من الناحية الجغرافية لجهة مسرح العمليات الواحد والهدف الواحد، إضافة إلى القضاء على الإرهاب في هذه البقعة الجغرافية تشكل هدفاً استراتيجياً لكلا الجانبين، الأمر الذي وضع الجماعات الإرهابية بين فكي كماشة من الشرق والغرب، ما يعني بالمنطق العسكري العملياتي شلل تام في القدرات الهجومية لهذه المجموعات، ليبقى أمام هذه الجماعات خيارين مُعتمدين فقط على الاستسلام أو الموت، وبالتالي فإن الهدف الاستراتيجي لتموضع هذه الجماعات الإرهابية قد سقط بتحرير الجرود، يُضاف إلى ذلك أن معادلات الربط والتنسيق وإدارة المعارك على جانبي الحدود، قد اسست لما هو أبعد من معركة محسومة النتائج سورياً ولبنانياً، خاصة أن هذا التناسق والتنسيق يؤكد بأن عملية التشبيك الاستراتيجي بين أركان محور المقاومة، سُينتج بلا ريب معادلة يصعب ترجمتها إسرائيلياً، وهذا جُلّ ما تخشاه تل أبيب، وهنا لا نُفشي سراً إن قلنا بأن التجاذبات السياسية في لبنان، كانت في موقع الرافض لأي تنسيق بين الجيش اللبناني من جهة، والجيش السوري وحزب الله من جهة أخرى، بيد أن حساسية المعركة وأهميتها قد فرض تواصلاً عسكريا أمنيا استخباراتياً، وهذا حقيقة يؤكد بأن لبنان قد أتخذ تموضعاً سياسياً ناجحاً في معركة فجر الجرود، حيث أن الطريقة التي نُفذت بها المعركة، أكدت أن لبنان موقعه الحقيقي يتمحور في  معسكر مكافحة الإرهاب، ولبنان حلقة اساسية في محور المقاومة، وابتعد عن السياسات المُقيدة لدوره تحت مسمى النأي بالنفس.

مع انتهاء معركة الجرود، فقد انتهى الدور الوظيفي للجماعات الإرهابية التي كانت متمركزة في تلك المناطق، لكن الرهان الاسرائيلي كان كبيراً لبقاء تلك البقع الجغرافية خواصر رخوة يُمكن من خلالها العبث جغرافياً وعسكرياً وحتى أمنياً بـ محور المقاومة، وهذا ما أكده أحد أبرز المحللين العسكريين الصهاينة في صحيفة هاَرتس صيف 2013 قائلاً: " لم تعد اسرائيل بحاجة للقتال في لبنان مرة أخرى فقد غرق حزب الله في الحرب السورية ولن ينجو منها"، وهذا يُعيدنا إلى الهدف المُخطط له إقليمياً تجاه محور المقاومة، لأن منطق الوقائع يؤكد بأن معركة الجرود كانت حلقة ضمن حلقات الحرب على سوريا، حيث كانت الخُطط الأمريكية والاسرائيلية والخليجية تقوم على مبدأ السيطرة التامة على المناطق الحدودية، واستخدامها نقطة ارتكاز لغزو مناطق بيئة المقاومة بمشاة من الارهابيين، وعليه فقد كانت معركة الجرود توازي في أهدافها وثمار انتصاراتها، انتصار تموز 2006، لأنها كانت معركة اسرائيلية الأهداف والمضمون، لكن حلقة الإنتصارات التي بدأت في القصير وامتدادا الى تلكلخ عند الحدود الشمالية، وصولًا إلى القلمون السوري وبعدها جرود عرسال ورأس بعلبك والقاع، والأخطر في أهداف الارهاب وداعميه كان اجتياح البقاع الاوسط حتى الحدود مع مزارع شبعا اللبنانية، وبالطبع الخط مع فلسطين المحتلة وليصبح كامل هذا الشريط خارجاً عن السيطرة وعمقاً للإرهابيين والدول الداعمة لهم، مع تأمين خط بحري من طرابلس في لبنان، قد قوضت الهدف الأمريكي الاسرائيلي الخليجي.

في النتيجة، الواضح أن معركة الجرود قد خُطط لها بعناية استخباراتية قل نظيرها، لكن الجيشين السوري واللبناني وحزب الله، قد أفشلوا هذه الخطط، وبهذا الفشل قد تم وأد المشروع الإرهابي في سوريا ولبنان، وعادت البوصلة إلى وجهتها الأساسية في محاربة الكيان الصهيوني، وإبقاءه في نفق التخبط، إضافة إلى أن الجماعات الإرهابية قد تلقت صفعة قوية أثرت بشكل سلبي على بنية هذه الجماعات، الأمر الذي حُصدت ثماره في ميادين القتال السوري والعراقي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً