السيد شبل

كاتب مصري

تسويق مُبكِر للمليادرير جورج سوروس

لم يعد يُخفى الدور التخريبي الذي مارسه رجل المال سليل العائلة اليهودية "جورج سوروس" في سياق الهجمة الربيعية على الوطن العربي التي تبلورت مع 2011، وذلك عبر عدد من المنظمات والجمعيات التي تتموَّل منه، وتأتي على رأسها منظمة المجتمع المفتوح open society، كما مجموعة الأزمات الدولية (التي يشغل "وضاح خنفر" كرسياً في لجنتها التنفيذية يُزامله عدد من قادة الكيان الصهيوني، ومن قبل خنفر كان "محمّد البرادعي" عضواً فيها).

تسويق مُبكِر للمليادرير جورج سوروس
تسويق مُبكِر للمليادرير جورج سوروس

وقد أدَّت منظومة الهيئات المُرتبطة بسورس وأشباهها (كمؤسَّسات فورد وروكفلر.. إلخ) دوراً مشبوهاً بداية من تغيير أجندة العمل السياسي (المعارِض!)، وتحويلها إلى أجندةٍ مُتصالحة مع الإمبريالية ثم خادِمة لها، وتلويث مفهوم العمل السياسي، أو بالأحرى الثوري، وتهميش قضايا التحرّر الوطني والاجتماعي والتسخيف من المساعي الوحدوية، والاستعاضة عن المطالب النضالية الحقيقية بمطالب غائِمة مُتميّعة تتخفّى حول مشروعات تُعنى بالسلبيات الجزئية ليس لإصلاحها، وإنما لاتخاذها وسيلة لتهميش الكلّيات، أي القضايا القومية والمعيشية الجادَّة، ثم تمدّ تلك المؤسّسات الخيط، وكما هو مُبيَّت من البداية، للعمل على تحقيق أهداف برامج العَولَمة (والتي ليست في حقيقتها سوى غَرْبَنة وانتصار للرجل الغربي عبر تمكينه من حُكم العالم).
كما تتمركز برامج عمل تلك المؤسّسات حول مُعادة النواة الصُلبة للدول أي الجيوش الوطنية، وتدعم كل ما من شأنه تسهيل التفكّك الوطني على المستويين السياسي و الاجتماعي، كما ليس مجهولاً الدور الذي مارسه سوروس في وقتٍ سابقٍ في إجهاض تجارب اقتصادية لدولٍ آسيوية عبر التلاعُب في البورصات العالمية (وقد استفاض كثيرون في الإشارة إلى هذا الدور)..
أما الشيء العجيب الذي تمّ القفز عليه في سيرة هذا الرجل، هو الدور الذي لعبه كترسٍ في ماكينة عمل غربية استهدفت تفكيك يوغوسلافيا سابقاً، وشملت معه أسماء عدَّة نذكر منها، الصهيوني الفرنسي/ برنار هنري ليفي (نعم، هو نفسه صاحب الدور التخريبي في ليبيا وسوريا) والأميركي صاحب الدور اللاحِق في تخريب العراق/ ريتشارد بيرل. وقد تمَّت مهمة التفكيك أولاً عبر دعم انفصال كرواتيا وسلوفينيا ثم ثانياً من خلال مُساندة "علي عزّت بيجوفيتش"، ثم تتالت فصول المؤامرة.
وقد تلاقى الدعم السوروسي، الذي شمل المال وعلى ما يبدو السلاح، في الفصل البوسني من رواية التفكيك مع أعضاء تنظيمات سلفية مُموَّلة خليجياً ومُحرَّضة أميركياً توجَّهت إلى هناك لدعم الحرب، ورفع راية الدين، بينما هي لم تكن ترفع سوى الراية الأميركية، بالضبط كما حدث في أفغانستان خلال الثمانينات.
وكانت عواصم غرب أوروبا قد حرَّضت "بيجوفيتش" على الانفصال، الذي تمّ بناءً على استفتاءٍ في مارس 1992 شارك فيه البوشناق والكروات (وكان بيل كلينتون حمامة السلام للتوفيق بين الطرفين!) وقاطعه الصرب من أبناء البوسنة، وكانت النتيجة المعروفة لهذا التوجّه هي اندلاع شرارة الحرب التي يخسر فيها الجميع، ويموت فيها الكل.. وهذا ما كان إلى أن انتهى الوضع بتدخّل حلف الناتو في 1995 ضد جيش صرب البوسنة المدعوم من الجيش الاتحادي، وفرض الانفصال مع تسويات.

أما الأعجب (وربما المنطقي؟) أن دور جورج سوروس قد ورد بالتفصيل، وطبعاً مع إشادة وتهليل وتصفيق، وصل إلى حد اعتباره "رجل بمليون رجل"، وذلك في كتاب أحد رموز عصر أنور السادات باقتدار، وهو "مصطفى محمود" والكتاب هو "الإسلام في خندق".
وفي الفقرات المُخصَّصة لسوروس في الكتاب يجتهد "محمود" لكَيْلِ المدح له، بسبب دعمه وتمويله للطرف البوسني في الحرب، بل ويعقد مُقارنة عجيبة لإظهار مدى "إنسانية الرجل ورحمته" في مقابل الدول ذات الأغلبية المسلمة والتي لا تدعم بما يكفي المشروع الأميركي التفكيكي، والذي بدأ أساساً بتحريض "الكاثوليك" في سلوفينيا وكرواتيا ضد "الأرثوذوكس" الصرب، وبرعايةٍ من البابا يوحنا بولس الثاني- !!.

وهذا يعني أن المُتأسلمين في ما بعد احتلال العراق والذين قبلوا التعاون مع مؤسّسات سوروس الحقوقية المزعومة كانوا جاهزين لهذا الدور من وقتٍ سابق، ويعرفون مَن هو "سوروس" عبر كتابات مصطفى محمود الذي يحظى بالاهتمام الشديد من جانبهم، بل سوروس عندهم، وبحسب ما أوحى لهم مصطفى محمود، حمامة تبيض سلاماً ومحبَّة على البشر، ومثل يُستخدم لإحراج الدول المسلمة المُتقاعِسة عن دعم الجهاد (كذ!).
بل والأدهى أن مصطفى محمود أشاد بتشبيه سوروس للمسلمين في البوسنة باليهود الذين تعرَّضوا لهجمةٍ نازية، مؤكَّداً وداعِماً الرواية الصهيونية في توظيف "جرائم النازية" لصالحهم، عبر الادّعاء أو الإيهام بأن النازية كانت موجَّهة ضدّهم هم فقط أو بالأساس، أو أن لموتهم فرادى (!)، ومُضخّمة إلى حد الكذب الصريح في أعداد القتلى، ومُستخدمة كل ما سبق لجَلْبِ الدعم لـ"إسرائيل". بينما تم تهميش ذِكر عشرات الملايين من الروس والصينيين الذين ماتوا خلال الحرب العالمية الثانية على يد دول المحور.
على أية حال ليس في ما كتبه مصطفى محمود مُفاجأة، وهو ربيب عصر السادات بامتياز، وقد ركَّز في كل كتبه على مهاجمة كل المكاسب الاجتماعية التي حاز عليها الشعب في الخمسينات والستينات، وعارض القطاع العام وذمّ مجانيّة التعليم، وأدان الصداقة مع الكتلة الشرقية، وعارَض القومية العربية، وحَشَد كل "خُرافة" من أجل الإساءة للاتحاد السوفياتي والاشتراكية، وكان محمود قد بدأ برنامجه الشهير "العِلم والإيمان" والذي استمرّ لمدّة 28 عاماً في التلفزيون الرسمي (تصوَّر هناك مَن يعتبره مُعارِضاً!)، في عام الانقلاب على رجال جمال عبد الناصر، أي في عام 1971، وكان أن التقطه السادات للعب هذا الدور، بالتنسيق مع عبد المنعم الصاوي وزير إعلامه، بعد أن مدحه مَدْحاً صريحاً في مقالٍ بمجلة روز اليوسف، قال فيه محمود موجِّهاً كلامه للسادات :" أنت زعيم وليس بعدك زعيم، فأنت رجل العِلم والإيمان"، وهذا المقال موجود في الأرشيف، ومؤكَّد بشهادة إبراهيم عكاشة، وهو مُخرج البرنامج وصديق مصطفى محمود. وقد اعتمد البرنامج لاحقاً على تمويلٍ من أحد رجال الأعمال والمُنتجين المُرتبطين بدولٍ خليجية.
هذا السرد لا يستهدف الفَضْح، بقدر ما يستهدف، أولاً، تعويم معلومة قد تكون غابت أو هُمِّشت، رغم الحيِّز الضخم الذي احتّلته المقالات التي تناولت "سوروس" وأدواره منذ 2011، ثانياً، التأكيد أن ما يجري اليوم من لَبْرَلة الإسلاماويين، إن جاز التعبير، ومبادرتهم للتنسيق والتموّل من منظماتٍ وهيئاتٍ غربية، ليس مُفاجأة بل هو أمر مُهَنْدَس من زمن، بل ويحمل بنيته التحتية الدعائية.