فادي عيد

باحث مصري ومُحلّل سياسي في شؤون الشرق الأوسط

تصدُّع داخل الأردن ومصر فماذا عن مُخطَّط صفقة القرن؟

عزمت دولة الاحتلال الإسرائيلي على استغلال كمّ الفُرَص المُتاح لها في ظل ضعف المنظومة العربية بعد ثورات وحراكات 2011م ووجود شخص مثل دونالد ترامب على سدّة الحُكم في البيت الأبيض، لتحقيق مُخطّطها القديم الحديث والمُسمَّى إعلامياً بـ"صفقة القرن".

في حال سقوط الأردن في فوضى سينتهي أمر الضفة الغربية تماماً
في حال سقوط الأردن في فوضى سينتهي أمر الضفة الغربية تماماً

في كل مرة كانت تتقدَّم فيها "إسرائيل" خطوة لتحقيق ذلك المُخطّط كانت تصطدم بحائط سد، تارة بالمقاومة الإسلامية في لبنان (أضخم مُعضِلة في وجه الاحتلال)، وتارة بالفصائل الفلسطينية، وتارة بتمسّك كل من الأردن ومصر بعدم تقديم تنازُلات جغرافية لحساب تفريغ أرض فلسطين من شعبها لصالح الإستيطان.

فالأردن الهاشمي رفضَ التخلّي عن دوره التاريخي الذي يستمدّ منه شرعيّته كوصيّ على المُقدَّسات المسيحية والإسلامية في القدس، ففكرة ترحيل فلسطينيين من الضفة إلى الأردن وحدها كفيلة لرفض الأردن ذلك المُخطّط، بحُكم أن أكثر سكان الأردن أصلاً هم فلسطينينون، الأمر الذي سينعكس سلباً على ديموغرافية المملكة التي تمتلك أطول حدود مع فلسطين المحتلة.

ومصر رفضت فكرة استبدال توطين أهل غزَّة في سيناء، وهو أصلاً أمر مرفوض من الشعب الفلسطيني في غزَّة نفسه، بعد مناورة ومُماطلة طويلة من الإسرائيليين، لكسب الوقت والوقوف على قدمٍ ثابتة قبل مجيء ساعة المواجهة المباشرة.

ولكن الآن وبعد فشل ترامب في الملفات الحاسِمة أمام كوريا الشمالية وطالبان وإيران، في ظلّ غموض مستقبل نتنياهو بعد انتخابات الكنيست، لم يعد لدى ترامب فُرَص للفوز بالرئاسة القادمة سوى تنفيذ صفقة القرن (تصفية فلسطين) كي يضمن دعم اللوبيات اليهودية في أميركا، وسيُردّد اسم "صفقة القرن" بقوّة في الفترة القادمة، وفي سبيل ذلك لا يستبعد أن تستغل الإدارة الأميركية ما يحدث في الأردن ومصر على خلفيات معيشية واقتصادية وسياسية.

وبالنظر إلى الأوضاع الداخلية لكلٍ من المملكة الأردنية وجمهورية مصر، نرى الوضع بات شبه مُتطابِق. في كل من البلدين اضطرابات وغليان يزداد في الشارع بنيران من الداخل والخارج.

انعكس هذا الأمر بشكل واضح من خلال الموجة التي يقودها محمد علي من إسبانيا وهو شخص غير مألوف للعامة، معلوم جيداً لمؤسَّسة الجيش المصري، كما انعكس في الأردن من خلال إضراب المُعلّمين الذي سبَّب صُداعاً للحكومة الأردنية.

وكل من البلدين تأخّر في حسم تحديات (سواء بإرادته أو بغير إرادته) باتت الآن محل تهديد مباشر لأمنه القومي، ولنا في سد النهضة عبرة، بعد أن رفضت إثيوبيا منذ أسبوع مُقترَح مصر التي تريد من إثيوبيا ملء خزّان السد على مدار فترة زمنية أطول مثل 7 سنوات، وإطلاق نحو 40 مليار متر مكعب من المياه كل عام.

ومشروع سد النهضة إسرائيلي بامتيازٍ، فالحضور الإسرائيلي في إثيوبيا واكب أول الحكومات الإسرائيلية بحُكم أهمية إثيوبيا لمصر كمنبعٍ لنهر النيل الذي يعتبر شريان الحياة الوحيد للمصريين.

بعد تأسيس دولة الاحتلال، وعقب استيلاء قوات الاحتلال على دير السلطان (بالقرب من كنيسة القيامة في القدس) المملوك للأقباط المصريين منذ عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، قدَّمت "إسرائيل" الدير هديةٍ للرُهبان الأحباش في أول محاولة لضرب العلاقة بين إثيوبيا ومصر، وهو ما يُفسِّر لماذا كان يستخدم كل رئيس مصري منذ عهد الزعيم جمال عبد الناصر وحتى الرئيس السيسي ورقة الكنيسة المصرية عند تعامُله مع أديس أبابا.

كما صرَّحت أديس أبابا مؤخّراً بأنها أنهت 65% من أعمال السد، وهو ما أزعج الجانب المصري، وأجبر الرئيس السيسي على الرد عبر كلمته في الأمم المتحدة قائلاً: "إن مصر ترفض سياسة فرض أمر الواقع عليها في ما يخصّ مشروع سد النهضة".

ولذلك جاءت القمّة الثلاثية المصرية الأردنية العراقية في نيويورك على هامش اجتماعات الدورة الـ74 للجمعية العامة للأمم المتحدة سياسية في المقام الأول (القدس) وليس اقتصادية فقط (مشاريع أنابيب الغاز) كالمرات السابقة.

لقد حانت ساعة المواجهة المباشرة، فهل نحن مُستعدّون؟ وهل الأوراق السياسية التي يمتلكها الأردن ومصر مازالت حيّة وذات فعالية؟

ففي حال سقوط الأردن في فوضى سينتهي أمر الضفة الغربية تماماً، وفي حال تعرُّض مصر لهزةٍ عنيفة، ستعود ليبيا إلى المربع صفر أو بالأدق إلى مربع المُستعمِر القديم العثماني والحديث الطلياني معاً، وستكون السودان في وضعٍ أمني صعب جداً.

فنحن نعيش اليوم سيناريو قد يبدو مُشابِهاً بدرجةٍ كبيرةٍ جداً، لما حدث منذ قرن تقريباً مع آخر السلاطين العُثمانيّين عبد الحميد الثاني عندما أفلس وزاد دَيْنه وفقرت بلاده وكان ذلك تمهيداً لتنازُله عن القدس، كي يكون ذلك الأمر الخطوة الأولى على طريق ظهور دولة الاحتلال. فهل ما نعيشه اليوم يُظهِر لنا إسرائيل بجغرافية جديدة؟

وهنا يحضرني أهم ما ورد في وصيَّة السلطان عبد الحميد الثاني والتي كتبها خلال نفيه في مدينة سالونيك اليونانية، قبل أن يُرسلها إلى مفتي إسطنبول ويوصيه ألا تُفْتَح إلا بعد وفاته، وهو يقول على لسانه:

"بعد اجتماعاتي المُتكَرِّرة مع تيودور هرتزل (مؤسِّس الكيان الصهيوني)؛ أكّد لي هرتزل أنه سوف يحصل على فلسطين عاجلاً أم آجلاً مهما بَعُدَ هذا الأجل، بعد أن رفضت رفضاً قاطعاً على الرغم من تمنيات مُستشاري القبول بذلك العرض من أجل تغطية عجز الدولة العثمانية، وفَهِمت من هرتزل أن بعد حصوله على فلسطين سوف يسعى إلى الانتقام من العراق بسبب السبي البابلي الذي قام به نبوخذ نصّر بسبي اليهود سيراً على الأقدام من فلسطين إلى بغداد، بعد أن دمَّر نبوخذ نصّر مملكتهم بسبب مؤامراتهم الدائِمة عليه، وفَهِمتُ أيضاً من هرتزل أنه سوف يسعى إلى تدمير مصر انتقاماً من الفراعنة، وسوف يسعى إلى تدمير الأهرام لأنها تشكِّل رمزَ الاستبداد الفرعوني بحق اليهود".