أيمن حسين

مدرس وباحث سوري حائز على دكتوراه في العلوم التربوية من فرنسا

الكفاح التربوي مقابل الأيديولوجيات المريضة

لا مفرّ من الاعتراف أن مواجهة العُنف والتطرّف الديني والقومي تعتمد على المدرسة أكثر من أيّ نوع آخر من المؤسَّسات.

طفل يكتب على لوح داخل خيمة لليونيسف تحوّلت إلى مدرسة في إدلب / أ.ف.ب
طفل يكتب على لوح داخل خيمة لليونيسف تحوّلت إلى مدرسة في إدلب / أ.ف.ب

في مجتمعات مُربَكة حلّت الفوضى والنزاعات فيها محل الإحساس السليم، أي دور يجب أن يكون للمدرسة؟ كيف يمكن لراسمي السياسات التربوية والقائمين على تنفيذها أن يبتكروا ويبنوا البدائل السلوكية والثقافية في وجه التطرّف والمخاطر المتّصلة به؟.

هناك مؤشّرات كميّة ونوعيّة تُخبرنا منذ عقود بأن مؤسَّساتنا ومُمارساتنا التعليمية لا تتقدَّم، بل هي في أضعف أحوالها حتى في أوقات السلم. خذوا على سبيل المثال تصنيفات المُنتدى الاقتصادي العالمي حول التعليم وجودته، من المرحلة الإبتدائية إلى المرحلة الجامعية، ستلاحظون أن سوريا والعراق غابتا كلياً عن التصنيف في عام 2017/2018 بسب صعوبة رَصْد عمل المؤسَّسات التعليمية في هذين البلدين، في حين حلَّت مصر في المرتبة 129 عالمياً من أصل 137 دولة شملها التصنيف، والجزائر في المرتبة 105.

لا ريب أن ما يُسمَّى بالربيع العربي فاقمَ الصعوبات في وجه المؤسَّسات التعليمية عموماً، ووضع على وجه الخصوص التلاميذ والطلاب بالإضافة إلى الأساتذة وغيرهم من موظّفي المؤسَّسات التعليمية في وضعٍ غير عادي نظراً لما رافق هذا الحراك من توتّرات وتجاذُبات (لأسبابٍ سياسيةٍ أو غيرها).

وفقاً لمَسْحٍ صدر في تقرير لليونيسيف عام 2018 ، تحت عنوان "التعليم تحت النار"، هناك أكثر من 13 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم يتلقَّوا التعليم الأساسي في المدارس بسبب الصِراعات والنزاعات. منهم 2,4 مليون طفل في سوريا و3 ملايين طفل في العراق و2 مليون طفل في ليبيا و3 ملايين طفل في السودان، إضافة إلى 2,9 مليون طفل في اليمن الذي كان سعيداً. بغضّ النظر عن المنهجية المُعتَمَدة في أحصاء هؤلاء الأطفال، هذه الإحصاءات تنطوي على أهمية لأنها تعني من الناحية الاجتماعية أن شريحة لا بأس بها من الأجيال القادمة في هذه المجتمعات تحديداً ستكون محرومة من مستقبلٍ أفضل.

في الواقع يمكن لأية اضطرابات داخلية أو تدخّل غير قانوني كالنزاع المُسلّح بين دولتين أن يحدث أثراً سلبياً في الأعمدة الثلاثة للعملية التعليمية: الأهداف، المعرفة المُتاحة، الأدوات والأساليب التي تتم استعارتها أو اختراعها. إلا إنه من الأهمية بمكان فَهْم أن الإرهاب "الجهادي" الذي يقوم على مفهوم "الموت الجميل" يبقى أشدّ أنواع التدخّل ضَرَراً لسببين:

السبب الأول: إن المجموعات المُسلَّحة التي تتبنَّي هكذا نوع من الإرهاب لا تُقم أيّ وزن للمواثيق والقوانين والبروتوكولات الدولية التي تحمي المؤسّسات التعليمية أثناء النزاعات وانعدام الأمن، ولا تأخذ أيضأ بالحسبان أيّة أعراف أخلاقية وثقافية محلية في الطريق نحو تحقيق أهدافها في منطقة معينة.

السبب الثاني: يعود إلى طبيعة النشاط الإرهابي نفسه، إذ غالباً ما يتركّب من مجموعة هجمات عدائية وعشوائية من حيث الزمان والمكان، تستهدف كل عناصر البيئة التعليمية وظروف عملها الضرورية (البنية التحتية، المناهج، المُعلّمين، والطلاب...).

في الواقع تُبيِّن الاستنتاجات المُستخلَصة من الأزمتين السورية والعراقية أن الجماعات الإرهابية استخدمت نوعين من القوَّة لتدمير الكيان الروحي والمادي للمؤسَّسات التعليمية:

-القوَّة المُسلَّحة: حيث احتلّت المنظمّات الإرهابية بداية المؤسَّسات التعليمية أو قامت بتدميرها جزئياً أو كلياً بوسائل عسكرية. في سوريا على سبيل المثال تمّ احتلال فرع جامعة الفرات بالرقة كاملاً من ثم تمّ تدميره في أعقاب غياب الحكومة السورية عن المنطقة كلياٌ، كان كفرع حديث نسبياً ويضمّ العديد من الكليات الجامعية التي كانت توفّر التعليم والتدريب لحوالى 15 ألف طالب وطالبة في الآداب والعلوم التربوية والزراعية والهندسية.

-السلطة الأيدولوجية: فرض مناهج وطرائق في التربية على التلاميذ والأساتذة تقوم على الضبط ومن ثم الربط بمحتويات جهادية وفتاوى وقصص مؤدلَجة.
المدرسة هي المالِكة لمستقبل المجتمع. هذه الحقيقة الثابتة التي يُدافع عنها روَّاد عِلم الاجتماع تفرض على الفريق التربوي أن يعمل وفق مجموعة شروط ضد الإرهاب والتطرّف، أهمّها شرطان.

الأول: نَسْج وتأصيل العيش المُشترك بين أبناء المجتمع الواحد من خلال تعليم الأطفال والمُراهقين كيف يتعلَّمون معاً وكيف يتحدَّثون مع بعضهم البعض ويستمعون إلى بعضهم البعض في بيئةٍ تعليميةٍ تقوم على أسس وممارسات تعزيز مفاهيم البناء الذاتي والاجتماعي ضد العداء والخِصام.

الثاني: التوعية الفكرية ومقاومة الانحرافات بلغة العصر. يفرض هذا الشرط أن تكون مناهجنا في التربية والتعليم إبداعات تتوافق مع الالتزامات الاجتماعية، وتتمحور بشكلٍ واسعٍ حول لحظات من النقاش والحوار والبحث في القضايا التي تهّمنا والظواهر التي نحن نعيشها اليوم - على وجه الخصوص، صعود التطرّف والتمييز الديني وتكاثُر الصوَر المشوَّهة والأخبار الزائِفة التي تبثّها القنوات التلفزيونية.

لا مفرّ من الاعتراف أن مواجهة العُنف والتطرّف الديني والقومي تعتمد على المدرسة أكثر من أيّ نوع آخر من المؤسَّسات. المثال الأكثر وضوحاً لذلك هو بلا شك جمهورية جنوب إفريقيا، حيث شكّلت استراتيجية نيلوسن منديلا التي قامت على المدرسة انطلاقة صحيحة في بناء فقه العيش المشترك، وتشكيل قِيَم أخلاقية وسياسية مشتركة لجميع المواطنين في جنوب إفريقيا عندما كانت تعاني الفصل العنصري. واستطاعت البيئة التعليمية الجديدة التي أرسى دعائمها هذا الرجل الاستثنائي أن تنجح التربية في هذه الدولة وتلغي الكثير من الأحقاد الناتِجة من الحرب.

إنَّ المدرسة لوحدها لا يمكن أن تحلّ جميع مشاكل المجتمع. لكن يجب أن تكون في المُقدّمة عندما يتعلّق الموضوع بمقاومة الأيديولوجيات المريضة وتحقيق الترابُط الفكري والعاطفي بين أبناء البلد الواحد. لهذا السبب.. هناك بيئة تعليمية مدرسية وجامعية جديدة لا بدّ من بنائها من أجل الأجيال، بيئة من شأنها ألا تسمح لهم بالعودة والوقوع في الإغراءات والمآزق.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً