ميشال كلاغاصي

كاتب سوري

الجزيرة السورية.. الفرص لم تنته لكنّ الأوهام تبخّرت

لن يطول زمن العَرْبَدة الأميركية والتركية وأدواتهما على الأراضي السورية، ولن تمرّ مشاريع الفَدرَلة أو الإنفصال والتقسيم أو المنطقة الآمِنة.

الصورة لدبابة تركية شمال سوريا (أ ف ب)
الصورة لدبابة تركية شمال سوريا (أ ف ب)

إن إطلاق ما دُعيَ بـ "النظام الفدرالي في روج آفا - شمال سوريا"، وإقرار المُجتمعين بتاريخ 17\2\2016 في مدينة رميلان السورية بإقامة "إدارة حُكمٍ ذاتي" في المناطق التي كانت تُسيطر عليها ميليشيات "قسد" بدعمٍ مُطلقٍ من قوات الاحتلال الأميركي، لم يكن سوى إطلاق شَرارة البداية للرِهانات الخاطِئة ولسقوط الأقنعة.

وقد خرج الإجتماع – يومها-  بجُملة أكاذيب ادَّعت الحفاظ على وحدة سوريا ومَنْع تقسيمها، دحضتها تحرّكاتهم وعلاقاتهم العَلَنية بكافة أعداء سوريا، بالإضافة إلى لقاءاتهم وسلسلة اجتماعاتهم في ألمانيا وفرنسا وفيينا، والجولات التي قامت بها "إلهام أحمد" حول العالم بحثاً عن دعم وتأييد المشروع الإنفصالي وتقسيم سوريا ... وأكَّدتها مُمارساتهم على الأرض.

فمَن عَرِفَ طبيعة الشعب السوري وراقَبَ تضحياتهم ودفاعهم عن وحدة واستقلال بلادهم عبر التاريخ وخلال السنوات التسع الماضية، يُدرِك تماماً مدى رفضهم لأيٍّ كان بالسيطرة على بُقعةٍ جغرافيةٍ بعد تحرِيرها من الإرهابيين عدا الجيش العربي السوري، في حين تذرَّعت ميليشيا "قسد" بمُحارَبة الإرهاب لتفرض هيمنتها ومشاريعها الإنفصالية ومشاريع مَن يقف وراءها.

إن استمرار طرح هذا المشروع يُثير التساؤلات ويأتي في وقتٍ تتّجه فيه الحرب نحو الحلّ السياسي ومع الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية، في خطوةٍ على طريق الحوار السوري– السوري المدعوم بالعديد من القرارات الدولية التي رضخت لانتصارات سوريا العسكرية ولصمود قيادتها وشعبها.

فمنذ أن طًرِحَ المشروع الإنفصالي– التقسيمي، سَجَّل الشعب السوري مِراراً وتكراراً رفضه له وعدم سَماحِه لأيٍّ كان بالمَساس بوحدة سوريا وبمنع تقسيهما تحت أيّ عنوان، فيما عبَّرت الدولة السورية عن موقفها الرافِض لأيّ مشروعٍ تقسيمي، وحذَّرت مَن "تسوِّل له نفسه النَيْل من وحدة أرض وشعب الجمهورية العربية السورية تحت أيّ عنوان"، وأنه يُشكِّل "مَساساً  بوحدة الأراضي السورية ويتناقض مع الدستور والمفاهيم الوطنية والقرارات الدولية"، واعتبرته "عملاً  داعِماً  للإرهاب وأنه يصبّ في خانة إضعاف سوريا".

لكن هذا لم يُثنِ قادة الميليشيات الإنفصالية، واستمروا لسنواتٍ في العمل على تكريس الإنفصال، فأزالوا العَلَم السوري وأقاموا هياكل الجسم الفدرالي– التقسيمي، وحصروا اهتمامهم بتنفيذ كل ما من شأنه خدمة المشروع الأميركي في سوريا، وساهموا بتعزيز وجوده على الأرض السورية.

لقد بالغوا في تقدير قُدراتهم وحجمهم في الميدان والمنطقة، واعتقدوا أنهم قادِرون على تنفيذ المهمّة الأميركية وبكَسْرِ إرادة السوريين، بعد أن أنبأتهم أوهامهم بقُدرتهم على تغيير أوراق اللعبة الدولية، في حين لم يُنبئهم قُصْر نظرهم عن سرعة تخلّي الولايات المتحدة عن أدواتها.

من الواضح أنهم قرَّروا مواجهة العواصِف والتي بدأت بلَفْظِ وجودهم تحت قباب جنيف، بالتوازي مع العواصف الشعبية والمقاومة المباشرة لمشروعهم الإنفصالي، وعواصف التهديد التركي والتخلّي الأميركي، وأطاحوا كل الفُرَص التي منحتهم إيّاها الدولة السورية عبر الحوار،  مُتجاهلين النتائج الخطيرة لمُغامَراتهم.

لقد أظهرت ميليشيا "قسد" انغماساً حتى النُخاع في تنفيذ الأجندة الأميركية، رغم التخلّي الأميركي المُتكرِّر عنها وليس آخره عدم تبّنيها في اللجنة الدستورية، وبتأكيد المُتحدِّث باسمها مصطفى بالي إن "قسد" تعتمد على اتفاقية آلية أمنية بين الولايات المتحدة وتركيا، ومازلنا نفعل ما يُطلَب منّا". لقد تحدَّثت "قسد" غير مرّة عن الطَعنة الأميركية في الظَهر، فماذا بعد؟.

ومع استمرار إردوغان بالمُرَاوغة واللعب على جميع الحِبال، واللُهاث وراء أطماعه ومشروعه العثماني، تأتي مواقف "قسد" لتمنحه ذريعةً إضافية لما يدَّعيه بُغية الحفاظ على أمنه القومي ومُحارَبة تنظيم PKK  ، عبر إقامة المنطقة الآمِنة على الأراضي السورية، وإعلانه الأخيرعن البدء بعمليةٍ عسكريةٍ جديدةٍ شرقي الفرات تحت مُسمَّى عملية "نبع السلام" على غرار "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، بعدما وحَّد وحَشَدَ آلاف الإرهابيين والخوَنة ممَن يَعملون تحت راية وأمرة قوات الغزو التركي، وتحت مُسمَّى واهٍ ومُزيَّف "الجيش الوطني!. ومن السخيف بمكانٍ أن يُقابَل الوعيد الإردوغاني باجتياح الشرق السوري برّاً وجواً ، بتهديد قادة "قسد" بالردّ عبر "حربٍ شامِلة"، وسبق لميليشيا "قسد" وبتعنّتها وعَمَالتها أن تخلَّت عن مدينة عفرين، فأية حربٍ شاملة يُهدِّدون بها!.

بات من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية تقود مشروع تقسيم سوريا عبر أذرعها الثلاث التركية والإنفصالية والإرهابية، فالتحرّك الإردوغاني لا يتمّ من دون الضوء الأخضر الأميركي، و"قسد" الإرهابية لاتزال تُنفِّذ ما يُطلَب منها وباعترافها.

بات واضحاً  أن الحُلم الإنفصالي الخيالي لميليشيا "قسد" الإرهابية يمنح العدو التركي ذريعة التوغّل داخل الأراضي السورية، ويُضاعِف تأزيم الواقع ويُعقِّد مهمَّة الجيش العربي السوري ويضع البلاد أمام احتماليّة مواجهة عسكرية كُبرى بين الدولتين السورية والتركية.

بات من المُلحّ إن يُسارِع قادة ميليشيا "قسد" بالعودة إلى كَنَفِ الدولة السورية، وإلى طلب الصَفْح والعفو والحماية من الدولة والجيش والشعب السوري وقبل فوات الأوان، وقبل أن يبتلعهم إنكشاريو العدو التركي، وإلى الخروج من تحت العباءة الأميركية التي لم تتوانَ عن طعنهم في الظَهر، ولم ترَ فيهم سوى وقوداً ومواد إشتعال لحَرْقِ سوريا الوطن بجميع مكوّناته وأبنائه. ويبقى من المُعيب والمُخزي ما جاهَرت به ميليشيا "قسد": "مازلنا نفعل ما يُطلَب منّا".

لن يطول زمن العَرْبَدة الأميركية والتركية وأدواتهما على الأراضي السورية، ولن تمرّ مشاريع الفَدرَلة أو الإنفصال والتقسيم أو المنطقة الآمِنة، سواء اتّفقت الأدوات الأميركية أمْ اختلفت في ما بينها، فالدولة السورية بقيادتها وببَسالة جيشها وصمود شعبها ستبقى الجهة الوحيدة والقادِرة على حماية شعبها وطَرْد جحافِل الغُزاة والعدوان والإرهاب عن أرضها، فكما تمّ إخراجهم وطردهم من غالبّية الجغرافيا السورية، سيُصفَع إردوغان وترامب في الشمال والشرق وفي إدلب كما صُفِعَ أوباما في حلب مع نهاية عام 2016.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً