بسام رجا

كاتب فلسطيني

على صفيح الانتظار.. واشنطن تخفي "الصندوق الأسود"

تبدّلات استراتيجية في المنطقة جعلت الإدارة الأميركية في حال فُقدان توازن نسبي لكنها لم تترك ساحة الدعم الاستراتيجي لكيان الاحتلال، وبقاء تفوّقه في منطقة ينظر إليها الأميركي أنها لم تخرج عن سيطرته، بل أقفلت عليه بعض الأبواب التي لن يتمكّن من أن يدخل منها مرة أخرى.

  • على صفيح الانتظار.. واشنطن تخفي "الصندوق الأسود"

أشهَرَ بنيامين نتنياهو كل أسلحته كي يتمكَّن من تشكيل الحكومة الصهيونية لكن لم تنقذه "براعته" في جَذْبِ أحزابٍ صغيرةٍ في عدد أعضائها المنتخبين للكنيست الصهيونية "غيشرـ العمل" مثالاً، أو أن يشق تكتل "أزرق ـ أبيض" في مواجهة هي الأعنف منذ عقود في كيان الاحتلال.

فالكتلة الكبيرة التي يقف على رأسها "أزرق ـ أبيض" (32 عضواً) برئاسة بيني غانتس وضعت كل جهودها لإفشال بنيامين نتنياهو، وظلّ غانتس على موقفه من أن تشكيل حكومة "وحدة وطنية" مع الليكود لا يعني أبداً المُداورة بين الحزبين وهذا كان إرضاء لشريكه يائير لبيد رئيس حزب "هناك مستقبل" وجنرالات الحرب موشيه يعلون وغابي أشكنازي.

والموقف الحاسِم اليوم الذي يعوِّل عليه بيني غانتس بعد تكليفه من رئيس الكيان الصهيوني رؤوفين ريفلين هو أفغيدور ليبرمان رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" الذي وضع شروطاً تستبعد الحريديين وتكتلاتهم من أية حكومة إلا وفق الرضوخ لمبدأ التنازل عن الخدمة في الجيش والمدارس الدينية والميزانيات الكبرى.

ويبدو أن أسلحة نتنياهو قد فقدت بريقها وهي التي كانت تشكّل له القاعدة الأثيرة في استنفار الكتل الحزبية، وهو التخويف من التطوّرات الحاصِلة على الجبهة السورية بعد أن دخل الجيش العربي السوري إلى مدنٍ وقرى في الشمال الشرقي في تطوّرٍ استراتيجي  لمسار الحرب وخسارة كيان الاحتلال أوراقاً راهن عليها منذ بداية الحرب على الجمهورية العربية السورية، وسقوط مشروع التقسيم الذي لم يغادره والإدارات الأميركية المُتعاقبة. وتشير الوثائق إلى أنه في ثمانينات القرن الماضي أعدّت الخطط في كيان الاحتلال برعاية استخباراتية أميركية لدبّ الفوضى في المنطقة واستهداف سوريا لتقسيمها إلى أربعة أقاليم، وحصار الجمهورية الإسلامية في إيران الصاعِدة بقوّةٍ في المشهد الإقليمي والدولي. والتسابُق اليوم للاستحواذ على تأييد الأحزاب، مؤكّداً أن أوليات الأمن في جُعبته ليس رائدها نتنياهو بل سارع بيني غانتس إلى لقاء رئيس الأركان الصهيوني أفيف كوخافي ليطّلع منه على آخر التطوّرات بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب جنوده من سوريا، وترك "قسد" في غبار المعارك لوحدها بعد أن أجبرها الأميركي لتنصاع إلى شروطه وترك الشريط الحدودي وتتموضع في مناطق استراتيجية شرقي الفرات لحماية آبار النفط والغاز.

المشهد المُتصاعِد في سوريا والذي ضرب النظرية الأمنية الصهيونية في الحرب على سوريا، جعل الأحزاب الكبرى تصيغ أولوياتها في حشد الأصوات كي تتمكَّن من تشكيل الحكومة تحت سياط أن القادم خطيرعلى كيان الاحتلال، حيث تصدّر ذلك الصحف الصهيونية وتقديرات المُحلّلين العسكريين والسياسيين وهو ما أشار إليه الكاتب الصهيوني عاموس هرئيل أن "ما يحيط بنا من تبدّلات وترك أميركا الساحة لروسيا، ينذرنا أنه علينا أن  نعمل على بناء نظرياتٍ أمنيةٍ جديدةٍ ونتفرَّغ لذلك بعيداً عن المصالح الشخصية لرؤساء الأحزاب". وهذا ما حذَّر منه السفير الصهيوني السابق في الولايات المتحدة الأميركية دان شابيرو بقوله  "ما يحصل في سوريا فشل كبير لم نشهد له مثيلاً"، مؤكّداً أن الواقع المحيط بنا يدفعنا إلى التنبّه من تمدّد إيران ووقوفها إلى جانب سوريا، "وثقتنا بروسيا تتزعزع بعد أن التقطنا إشارات كثيرة تقول ذلك".

رئيس حزب "أزرق ـ أبيض" بيني غانتس يُدرِك أن الأيام أمامه معدودة لتشكيل الحكومة، وكل التوقّعات مشمولة في القراءات التي يذهب إليها من محاولة جَذْب ليبرمان وأحزاب أخرى صغيرة، أو مَن تُطلِق على نفسها "يسارية". وهذا مردّه إلى أنه استفاد من المهلة التي مُنِحَت لنتنياهو وعمل على اختراق حزب الليكود الذي بدأت أوساطه الحزبية تتحدّث عن إبعاده وعَقْد مؤتمر للحزب ما أفشله الأخير.

ويبدو أن الانعكاسات المباشرة التي ينظر إليها بيني غانتس هي التطوّرات التي فاجأت كيان الاحتلال بانسحاب أميركا من سوريا، والاتفاق بذلك مع تركيا على إبقاء مئتي جندي لحماية آبار النفط والغاز كما تحدّث وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، وإن لم يجزم بعد بذلك.

وما ترافق مع عودة التكليف لغانتس يشير إلى أنه يعمل بقوَّةٍ مع طاقمٍ مُصغَّرٍ لمزيدٍ من الأحداث الساخِنة في فلسطين المحتلة من اقتحاماتٍ عنيفةٍ  للمسجد الأقصى المبارك، وتبنّي خطّة فصل الضفة الغربية المحتلة عن وسطها وضمّ الأغوار وشمالي البحر الميت، والدفع لتمديد الاتفاقات الأمنية مع الأردن.

كل هذه التطوّرات حرَّكت الإدارة الأميركية إلى رَسْمِ سيناريوهاتٍ جديدةٍ وفق تقارير أشارت إليها صحيفة "واشنطن بوست"، التي ذكرت أن الرئيس دونالد ترامب قد يدعم غانتس الذي يرى فيه نموذجاً جيّداً للتعاطي، وهذا لا يلغي أن يعقدا صفقة كي لا يضيق حبل المشنقة السياسية على نتنياهو لحكومة يكون فيها لفترةٍ قصيرةٍ تؤمِّن له الإفلات من المحاكمة، وهذا بالتأكيد يحتاج إلى أن يستثمر نتنياهو بما طرح وإن كانت القراءة الأولى تقول إن الأخير لن يذعن لشروط تدمّر مستقبله السياسي الذي يعوِّل عليه.

الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي مايك بامبيو والاتصالات الساخِنة التي سجّلت في الأسابيع الأخيرة بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاريه المُكلّفين بشؤون المنطقة، عجَّلت من محرّكات طائرة جاريد كوشنير لجولة مقبلة في المنطقة في ظلّ الاستعصاءات التي تواجهها "صفقة القرن". وطيّ هذا الملف بما يسنح التفرّغ لملفاتٍ أخرى وعلى رأسها التطوّرات المُتسارِعة في الانتصار للجيش العربي السوري في خطوات حسم ملف الشمال والشمال الشرقي، بعد أن تسارعت الأحداث التي يراها قادة الاحتلال أنها خنجر في الظهر الصهيوني، وهذا ما حاول وزير الخارجية الأميركي بامبيو التخفيف من حدّته في إشارته إلى أن أمن الكيان الصهيوني في الأوليات، وأنه لن يسمح لروسيا أن تكون  صاحبة الحضور الأقوى في المنطقة.

زيارة الأخير والترتيب لقدوم جاريد كوشنير لضبط الإيقاع وفق التغييرات الاستراتيجية وتطميناً أن المنطقة لن تفلت من اليد الأميركية. ومحاولة لدفع كيان الاحتلال لترتيب أوراقه الداخلية والاتفاق على حكومة ليس المهم مَن يكون رئيسها. مع أن تصريحات نتنياهو لم تنل من حليفه الأقوى دونالد ترامب، إلا أنه يرى أن الرئاسة الأميركية لم تكن بحجم الوعود التي قطعتها له. ويدفع نتنياهو إلى أن يتبنّى ترامب سياسة الردع ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، وألا يتخلّى عن "قسد" وتبقي جنودها في سوريا.

لكن هذه الرغبات التي تلوح في رأس بنيامين نتنياهو قد أصبحت وهَمْاَ ولن تنقذه في المُزايدات، لأن السياسة الأميركية قد ذبلت أوراقها في ظلّ قدرة روسيا الاتحادية على الاستقطابات التي أخمدت الحرائق وفتيل الاشتعالات. فالسيادة السورية هي في رأس كل التفاهمات التي تُديرها روسيا. ووصول قوات الجيش العربي السوري إلى الشريط الحدودي مع تركيا وإسقاط المشروع التركي في التمدّد يُقرأ في الاتفاق التركي ـ الروسي.

المُراهنات الصهيونية على أن تتغيَّر الخارطة في سوريا فشلت وسقطت وهذا يقرأه حزب "الليكود" و"أزرق ـ أبيض"، ويبقى الرِهان على أن تواصل الإدارة الأميركية تبنّيها للسياسة الصهيونية الخارجية ودعم التطبيع مع بعض النظام الرسمي العربي وأن تبقى

"صفقة القرن" على نارٍ ساخِنةٍ بعد أن شعرت الأحزاب الصهيونية على مختلف مشاربها أن الإدارة الأميركية لم تعد ساحة الوعود التي يمكن أن يعوَّل عليها في كل الملفات.

الخطوة التي ينتظرها نتنياهو أن يعطي دونالد ترامب دفعة قوية له في حكومة

"وحدة وطنية"، أو دعمه كي يفلت من إسار يضيق عليه. وهذه ليست باليسيرة إن بقيَ مشهد التكتّلات الحزبية في دائرة المُراوحة.

تبدّلات استراتيجية في المنطقة جعلت الإدارة الأميركية في حال فُقدان توازن نسبي ـ لكنها لم تترك ساحة الدعم الاستراتيجي لكيان الاحتلال، وبقاء تفوّقه في منطقة ينظر إليها الأميركي أنها لم تخرج عن سيطرته، بل أقفلت عليه بعض الأبواب التي لن يتمكّن أن يدخل منها مرة أخرى.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً