أيمن حسين

مدرس وباحث سوري حائز على دكتوراه في العلوم التربوية من فرنسا

هل يجب أن نخشى البُعد الديني في مناهج التعليم الإسرائيلية؟

في "إسرائيل" مند القرن الفائت هناك تشريعات وقوانين توجِب على الحكومة فتح المدرسة وتوظيف المعلّمين قبل بناء المعابد حيث المضامين التربوية العلمانية والدينية تدرس بتناغم وتتداخل. ولكن هل يجب أن نخشى من البُعد الديني في مناهج التعليم الإسرائيلية؟

  • هل يجب أن نخشى البُعد الديني في مناهج التعليم الإسرائيلية؟

في الدستور الإسرائيلي تمّ تعريف التعليم رسمياً بأنه إلزامي ومجاني من سن 6 إلى 16 سنة. يقع تحت إشراف مباشر من وزارة التعليم التي يتعيّن عليها تقديم المناهج ومنح الدرجة. يقسم إلى ثلاث مراحل هي نفسها المتعارَف عليها في الأيديولوجيات التربوية المعاصرة.

مرحلة ما قبل المدرسة أو رياض الأطفال، وهي ليست إلزامية ولكن جميع العائلات تفضّل إرسال أطفالها لمدة عامين على الأقل قبل دخول التعليم النظامي. تشرف البلديات على هذه المدارس التي يوجد نوعان منها: رياض الأطفال ذات طابع عِلماني ورياض أطفال ذات طابع ديني يهودي بحت. وفقاً للقدرات العاطفية والإدراكية للأطفال يتمّ التركيز في هذه المرحلة على تعليم مُفردات اللغة العبرية شفهياً، وتنمية النمو العقلي والبدني للأطفال من خلال الأنشطة الموجّهة واستخدام اللعب والألعاب. في السنوات الأخيرة أصبح على العاملين في هذه المرحلة وجلّهم من حاملي المؤهّلات العلمية تقديم أنشطة تربوية عن أحداث الهولوكوست. أنشطة تُبنى غالباً على قراءة القصص وعرض الصوّر والأفلام المتحرّكة ويتم تنفيذها لمدة ثلاثة أيام من كل عام يوم ذكرى المحرقة السنوي الذي يصادف يوم 24 من شهر نيسان/أبريل واليوم السابق والتالي له.

هذا النشاط أثار في الواقع جدلاً في "إسرائيل" على اعتبار أنه يثير الخوف والكراهية في نفوس الأطفال الصغار. ولكن في النهاية تمّ إقراره رسمياً كخيارٍ مجتمعي لا بل اعتباره مشروعاً ضرورياً باعتبار أن الأطفال الصغار على دراية بالهولوكوست في هذا التوقيت حيث تُطلَق صفّارات الإنذار تكريماً للضحايا في كل "إسرائيل".

في المرحلتين الإبتدائية والثانوية هناك مدارس عامة وخاصة مُصمّمة وفقاً للحساسيات وللمُعتقدات العميقة الجذور في الدولة العبرية. في حين أن معظم المدارس الخاصة هي مدارس دينية تغطّي الدولة جزءاً من ميزانيتها ويتماشى برنامجها مع مُتطلّبات الوزارة.

يمكن أن نميّز على مستوى المدارس العامة ثلاثة نماذج ترعاها وتموّلها وزارة التعليم الرسمية بشكل مباشر وتعكس التعدّدية اللغوية والمذهبية للسكان:

  • مدارس عربية إسلامية: موجّهة للأقلية من أصولٍ عربية، يتعلّم فيها غالباً المسلمون الدروز وبعض المسيحيين العرب، لغة التعليم الأساسية بالعربية والعبرية، مناهجها تتناول الموضوعات العلمانية والدينية وتخضع لرقابة مشدّدة من قِبَل وزارة التعليم التابعة للحكومة الإسرائيلية.
  • مدرسة عبرية ذات طابع يهودي علماني: التعليم على أساس اللغة العبرية، ويتمّ التطرّق إلى الدين اليهودي على قدم المساواة مع تعلّم الموضوعات العلمانية. اللغة العربية هي لغة اختيارية غير إلزامية على عكس ما هو سائِد في المدارس الإسلامية حيث تعلّم اللغة العبرية وبعض المفاهيم عن الثقافة العبرية هو إلزامي على التلاميذ من سن الثامنة بغضّ النظر عن مذاهبهم.
  • مدرسة عبرية ذات طابع ديني يهودي: تجمع الأطفال من العائلات اليهودية، تُدرّس الكتاب المُقدّس بشكل أكثر تحديداً العهد القديم إلى جانب موضوعات التراث الثقافي والتاريخي والأدبي والتي يتم صوغها كمضامين دينية بحتة.

توجد أيضاً المدارس الأرثوذكسية والمدارس المسيحية الموجّهة إلى الروم الكاثوليك والموارنة والملكيين والبروتستانت، معترف بها في المجتمع الإسرائيلي وتتلقّى تمويلاً جزئياً من قِبَل وزارة التعليم الرسمية ولكنها ليس لها أيّ طابع رسمي وهي قليلة جداً.

بناء على ما تقدَّم يمكن القول إن نموذج المدرسة العامة في "إسرائيل" متنوّع ولكنه ليس حيادياً أو علمانياً تماماً إذا كنا نعني بالعلمانية الاستبعاد المطلق لأية إشارة إلى محتوى ديني. يُعيد الباحثون ذلك إلى مكانة الدين في المجتمع الإسرائيلي والتنوّعات الموجودة بين السكان المبنية على أسُس لغوية وعرقية وثقافية.

تبحث "إسرائيل" مند ثمانينات القرن الماضي عن مضامين جديدة في مجال التربية والتعليم تساعدها على خلق ثقافة مشتركة وتجاوز الفروق الطائفية والفجوة العرقية القومية. في هذا الصَدَد تم تعديل قانون التعليم الوطني الصادر سنة 1953 من قِبَل الحكومة الإسرائيلية، في عام 1980، واعتبر ذلك نقطة تحوّل مهمة إذ تمّ وضع أهداف تعليمية موحّدة للمدارس العامة العربية والعبرية. بموجب هذه الأهداف تمّ التأكيد مثلاً على أن يقوم التعليم في المدارس العامة الإسلامية على أسُس الثقافة العبرية وعلى تعزيز خصوصية المجتمع العربي الإسرائيلي من دون ذٍكر واضح للإسلام والتاريخ العربي لفلسطين، كما يجب التأكيد على حب الوطن المشترك لجميع مواطني الدولة والولاء لدولة "إسرائيل" لا للإسلام والحركات الإسلامية فيها.

مع ذلك كله تُظهِر التقارير المنشورة من قِبَل مراكز أبحاث مستقل ومُعترَف به دولياً مجموعة من الحقائق المهمة منها:

 - إن المناهج المُعتمَدة مازالت تخلق فروقاً طائفية وعرقية قومية بدلاً من تكوين وعي روحي وأخلاقي بالتعدّدية اللغوية والثقافية والدينية الموجودة في المجتمع.

- ما زال الدين يأخذ مساحة أكبر من المناهج الدراسية المُقرَّرة. وفقاً لتقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن 14% من ساعات التدريس في "إسرائيل" مُخصّصة للدين، أي أكثر بثلاث مرات ونصف المرة من نظيرتها في أوروبا.

- من حيث المساواة هناك إشارة أيضاً إلى تفاوتات خطيرة بين المدارس العامة اليهودية والعربية من حيث الموارد المستثمرة، تطبيق الابتكارات التعليمية، وتدريب المعلّمين، ومعدّلات النجاح في الباكالوريا ومستقبل الطلاب في سوق العمل، الأمر الذي دفع الكثير من أولياء الأمور المسيحيين والمسلمين وخاصة من الطبقة البرجوازية إلى إرسال أبنائهم إلى المدارس العامة العبرية بهدف الحصول على تعليم واندماج اجتماعي وثقافي ولغوي أفضل، وتحسين معدّلات نجاحهم في البكالوريا، وهو الدافع الأهم.

- الدعم القوي للمدارس العامة ذات الطابع الديني من قِبَل الحكومة ما زال مستمراً وقوياً وهو يعكس العلاقة بين التعليم والأيديولوجيا السياسية في الواقع. على سبيل المثال يُنفِق على كل طالب في المدرسة الثانوية العامة الدينية 40 ألف شيكل  ما يقارب عشرة آلاف دولار سنوياً، بينما ينفق على زميله الذي يدرس في المدارس الثانوية العلمانية، مبلغ 31 ألف شيكل.

- أغلب المدارس الخاصة لا تحترم التعليميات الوزارية عندما يتعلّق الموضوع بتعليم المحتوى الديني.

 

للتعليم بشكلٍ عام وخاصة التعليم الديني دور مهم في إعادة تأهيل ممارسات وقِيَم الشعوب وبناء الهوية بأبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية واللاهوتية، ولكن اللافت للانتباه أن التعليم الديني استخدم في "إسرائيل" من أجل حماية الإيديولوجية الصهيونية وهياكلها السياسية والاجتماعية التقليدية منذ ظهروها في أواخر القرن التاسع عشر.

يجب أن ندرك أيضاً أن النقاش في السلام مع الإسرائيليين لم يعد يدور حول الحدود فقط، بل امتدّ ليشمل ملكية الأماكن المُقدَّسة التي هي موضوع تقدير كبير بين العرب والمسلمين.

هذا التحوّل السياسي في عملية السلام لم يكن بالتأكيد ليبرز ويصبح توجّهاً عاماً في دولة الاحتلال لولا أن السياسيين، قيادات ومسؤولين من اليمين ومن اليسار على حد سواء، لم يسعوا منذ  قيام الكيان العبري في عام 1947 إلى تعزيز دور ومكان التقاليد الدينية اليهودية في النظام المدرسي، ويشركوا المُتديّنين في التدريس وفي تعريف الأهداف التعليمية للدولة، إضافة إلى تأسيس العديد من المدارس.

بالتالي يجدر بأيّ واهم بالسلام أن يقلق ويشعر بعدم الارتياح من تأثير هذا التعليم الذي لا يمكن أن يولّد إلا موجات من الكراهية والتعصّب الديني وأجيالاً جديدة من المتطرّفين الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين ومَن يقف معهم في العالمين العربي والإسلامي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً