من أجل ولادة رؤية كونية جديدة للعروبة

أمام تطلّع الشعوب العربية إلى الوحدة عمدت الإمبريالية إلى إنشاء كياناتٍ سياسيةٍ في خدمة مصالحها.

  • الإمبريالية والصهيونية تهديد للعالم 

أنا من فلسطين المُشرَّدة، عربية وفي داخلي ووجداني فارسي، وكردي، وبدوي، وآرامي، وسومري، وكنعاني، وأمازيغي، وأرمني وإفريقي، وأندلسي، وروماني. أنا عربية وفي داخلي ماروني، ونسطوري، ورومي مَلَكي، وأرثوذوكسي، ودرزي وقُبطي.

أنا عربية وفي داخلي مسيحي ومسلم ويهودي وزرادشتي. أنا عربية وفي داخلي ماغدالينا ومريم العذراء. 

أنا عربية أتمتَّع ببعض الأخلاق الفلاّحية بتأثير مباشر من أمّي وأبي. أنا عربية وفي داخلي رائحة الألفية وذاكِرة بغداد وبلاد ما بين النهرين وبابل وسومر، وقصائد جلجامش والعراق، أنا عربية وفي داخلي ورق البردى والأهرام ومكتبة الإسكندرية ومصر. أنا عربية وفي داخلي ضمير وعاطفة من تألّق الشرق وأبجدية أوغاريت وسوريا. أنا عربية وفي داخلي روح الصيّادين من كنعان وفينيقيا اللبنانية. 

أنا عربية وفي داخلي الكنعاني النبطي من البتراء في الأردن، وأنا عربية وفي داخلي أنوثة من الزُخرف الكنعاني في أريحا، والعربدات الكنعانية المُقدَّسة في فلسطين، أنا عربية واليمن أمّ جميع العربيات. أنا عربية أقل تأثّراً من جدّي بما جاءنا من الهند وتأثّرت به الثقافة. أنا عُصارة الحضارات القديمة في هذا الشرق.

أنا عربية وفي داخلي أثر من خضوع المرأة في مجتمعنا. أنا عربية ومعي تكون نهاية الصهيونية ونهاية الطُغيان النفطي السعودي. 

أنا من فلسطين المُشرَّدة، أنا عربية لا تغيب عن وجداني النكبة والعودة. 

أنا لا أبغي زخرفة الواقع الذي ينطوي عليه العالم العربي مع العِلم أن ثقافة بعض الشعوب تتميَّز بالتعدّدية والتنوّع والتاريخ بينما يبدو ذلك في العالم العربي في غاية التعقيد. 

من الشائِع أن نسمع أن الحروب الكُبرى في تاريخ البشرية كانت لأسبابٍ دينية، وهذا غير صحيح. كانت الحروب وما زالت للهيمنة ولِنَهْبِ الموارد الطبيعية. ولهذا السبب يصبح  ضرورياً الإنضواء تحت عباءة رمزية من القِيَم الإنسانية.

في العصور الماضية كانت القِيَم الإنسانية تدور حول الله. كان الله هو المعنى الإنساني أو القيمة الجمالية، وكان الله هو جمال الإنسان. اليوم، داخل مجتمعاتنا العِلمانية، يدور المعنى الإنساني أو القِيَم حول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.

وأمام تطلّع الشعوب العربية إلى الوحدة عمدت الإمبريالية إلى إنشاء كياناتٍ سياسيةٍ في خدمة المصالح الإمبريالية، ومُكافحة أية حركة وحدة من المُثقّفين والفنيين عرقية أم تاريخية أو سياسية أو دينية أو اقتصادية أو علمية الخ. ولكن تحقيق ذلك يكون عبر زرع  "دولة عميلة" بمستوطنين أجانب يحافظون على مصالح  أوروبا. 

في عام 1917، وافقت الإمبراطورية البريطانية، مع الحركة الأوروبية الصهيونية، على إنشاء "بيت يهودي" في فلسطين التاريخية. في عام 1948 فرضت الحركة الأوروبية الصهيونية دولة "إسرائيل" الاستعمارية في فلسطين. إن "إسرائيل" ليست استعماراً كلاسيكياً فحسب، بل هي أيضاً توسّعية، في الواقع ليس لها حدود مُحدَّدة لأن استعمارها لا يقتصر على فلسطين التاريخية بل على بقيّة الدول العربية الأخرى.

إن فرض نظام "إسرائيل" الاستعماري الأوروبي على فلسطين هو العامِل الرئيس لعدم الاستقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مثلما كانت محاكِم التفتيش المُقدَّسة تشكّل تهديداً للهنود الأميركيين وللإنسانية، تماماً كما كانت النازية تهديداً لأوروبا وللإنسانية.

وعلى غِرار إرهاب "داعش"، فإن "جبهة النصرة" و"القاعدة" المرتبطة بالسعودية وقطر وأوروبا والولايات المتحدة وتركيا والأردن و"إسرائيل" تشكّل تهديداً للشعوب العربية والإنسانية. تُشكّل الصهيونية (إسرائيل) اليوم التهديد الرئيس للشعوب العربية والتهديد الرئيس للإنسانية.

ثمة خطّة لإزالة دول الأمَّة العربية. فالشعوب والتنوّع الثقافي العربي للأجداد والتاريخ والهوية والسيادة العربية مُهدَّدة، وحال العراق مُروِّعة، وكل هذا يمرّ عبر الوشاح المُقدَّس للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. نحن في القرن الحادي والعشرين وما زالت البشرية مُعتَقَلة في براثِن الإمبريالية. 

الحديث عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان من دون معالجة الواقع الإمبريالي هو احتيال على الحقيقة. من المُستحيل أيضاً مُعالجة الواقع الإمبريالي وتجاهُل الحاجة إلى الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والنضال الطبقي. إن الإمبريالية النيوليبرالية لا تريد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان للشعوب الأخرى. فهي لم تكتفِ باختطاف سريع للتمرّدات الشعبية فحسب، بل عملت على ردِّها إلى الوراء حيث تتعرَّض الشعوب العربية لضغوطٍ مُدمِّرة، حتى في الآثار الأنثروبولوجية والثقافية والاجتماعية والتاريخية لإعادة ترتيب إمبريالي في المنطقة.

العالم العربي ليس هوية مُتجانِسة، محصور فقط في الإسلام، لأن في ذلك فوكوياما: نهاية التاريخ. ومن الواجب والمهم تعزيز المشاعِرحول الهوية العربية فهو أحد عناصر الدفاع عن التُراث.

إن تصويت الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين على إنشاء "إسرائيل" في فلسطين أحدث إحباطاً يسارياً عربياً.

مهما كان المُصطلح الذي نُسمّيه العرب، ما زلنا نُسمّيهم - العالم العربي المُعقَّد - أو نرى الواقع الإمبريالي والصهيوني الذي يُهدِّد الشعوب العربية، وهو تهديد يؤدِّي بدوره إلى إبطاء إمكانية الديمقراطية والحرية. بالطبع، العالم العربي مُعقَّد، ولكن هل ثمة شعب غير مُعقَّد؟  

إن العروبة ليست فكرة مُجرَّدة، إنها فكرة شاملة وشعور حاضر في الخيال العربي الجماعي ذي الطبيعة السياسية والثقافية والعاطفية. ولقد جرى استقدام عشرات آلاف القَتَلة والمُرتزقة تحت رايات إسلامية مُتشدِّدة للقضاء على فكرة العروبة تاريخاً وتنوّعاً ثقافياً.

نحن نعرف المذهبية في العالم العربي، لكننا نعرف أيضاً مَن المُستفيد منها ومدى فائدة السيطرة على الشعوب وإخضاعها وتدميرها لصالح "إسرائيل" والإمبريالية الأميركية.

إن التعدّدية في العالم العربي يجب أن تكون قلعة صمود في وجه الإمبريالية، وتتولَّى الدفاع عن الديمقراطية وتعزِّز السلام. 

يجب الذهاب إلى نظرتنا الخاصة للعالم والفضاء العربي، وإنقاذ الفُسيفساء العربية وحمايتها من الصِراعات المذهبية. 

هناك عروبة صحيح لكن الطائفية تحول دون الوحدة العربية. من الواضح أن هذا الأمر يستحق رؤية عِلمانية، تلك الغائِبة في جميع دساتير الحكومات العربية، يجب علينا أن نُدافع عن العروبة ونثيرها على أوسع مساحة في العالم.

فلنضع عقدنا بشجاعةٍ جانباً ولنُكافِح ضدّ الإمبريالية والصهيونية. 

إن في ذلك نضالاً ضدّ الإمبريالية والصهيونية ومن دون عُقَد يجب أن نطالب، وأن نرفع الصوت لصالح العروبة على مستوى العالم وأن نطالب بالديمقراطية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وبيئياً وعلى جميع الصُعُد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سوزانا خليل

صحافية وكاتبة كندية فنزويلية من أصل فلسطيني.

إقرأ للكاتب

الصهاينة يسرقون وطن الشعب الفلسطيني وتاريخه

الفلسطينيون لم يكونوا الشعب الوحيد الذي احتلّت أرضه، ولكن، لأول مرة في التاريخ، يعمل المستعمر...