كورونا يكشف عورات الرأسمالية المتوحشة.. نحو عالم جديد؟

كورونا فضحت قبح النظام الليبرالي المتوحش الذي يتزعّم العالم ويرسّخ منظومة ربحية تخدم مصالح قلة من الأثرياء على حساب مليارات الفقراء في العالم.

  • الموقف التونسي المتضامن مع إيطاليا يأتي في وقت تخوض البلاد سباقاً مع الوقت للحد من انتشار كورونا

استوقفني خبر لم تعره وكالات الأنباء أهمية وسط زخم أخبار أزمة كورونا المتلاحقة، فقد أعلن وزير التجارة التونسي، محمد المسيليني، عن قرصنة باخرة محمّلة بالكحول الطبية كانت في طريقها إلى تونس.

الشحنة التي كانت ستخصّص لتصنيع مواد التعقيم المفقودة في الأسواق التونسية، أعطت السلطات الإيطالية أوامر باعتراضها في البحر، وتحويل وجهتها إلى إيطاليا.

طبعاً، هذه الواقعة ليست الأولى، فقد سرقت دولة تشيكيا أيضاً شحنة كمامات أرسلتها الصين إلى إيطاليا كمساعدة لمكافحة وباء كورنا.

هذه القرصنة الهادفة إلى الاستيلاء على مواد طبية في زمن الحرب على فيروس كورونا، لا إلى نهب الذهب الأصفر أو الأسود، أقدمت عليها جهة لطالما دانت عمليات القرصنة على سواحل الصومال، وشدّدت على ضرورة احترام القوانين الدولية.

تعكس الواقعة حالة الهيستريا التي أصابت الدول والأفراد على حد سواء، ففي تونس أيضاً، مثل العديد من الدول الأخرى التي تجابه الوباء، تعددت حوادث سطو المواطنين على شاحنات محمّلة بمواد غذائية أساسية خوفاً من الموت جوعاً.

في تقديري، كان الرد التونسي على الواقعة لافتاً، وقد يسجّله التاريخ، فبدلاً من الإدانة والشجب، جاء الموقف الرسمي التونسي متفهّماً خطورة الأزمة التي تمر بها إيطاليا والتي تشيّع يومياً مئات الموتى، معرباً عن التضامن التام معها في هذا الظرف العصيب. والأمر الأكثر أهمية، أن تونس أعربت عن استعدادها لإيفاد فريق طبي إلى إيطاليا للمساعدة في الإغاثة ("ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة").

هذا الموقف التونسي المتضامن مع إيطاليا يأتي في وقت تخوض البلاد سباقاً مع الوقت للحد من انتشار كورونا، بمنظومة صحية هشة، فضح الوباء وهنها ومحدودية إمكانياتها اللوجستية، فيما أدار كل الشركاء الأوروبيين الظهر لإيطاليا، وتقوقع كل بلد على ذاته، وتجاهلت الولايات المتّحدة نداءات الاستغاثة التي وجَّهتها إيطاليا؛ البلد الذي تنكّر له حلفاؤه الرأسماليون، ووجد الدعم والعون من الصين الاشتراكية.

قدمت الصّين العون أيضاً لصربيا التي انتقد رئيسها دول الاتحاد الأوروبي، بعد أن امتنعت عن تقديم الدعم لحكومته في مواجهة وباء كورونا، معتبراً أن المبادئ التي يتغنّى بها الغرب عن التضامن الإنساني هي كلام فارغ لا يوجد إلا على الورق، ولا أثر له في الواقع.

إذاً، جاءت أزمة كورونا لتقوّض العديد من الأفكار والمفاهيم، ولتنسف العديد من المسلَّمات، ولتعرّي النظام الرأسمالي المتوحش، فالعولمة التي روّج أنها صلبة، أكدت أن العالم تقطعت أوصاله أمام أول أزمة وبائية.

وبدلاً من أن يتزعَّم النظام العالمي في منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية التابعة له، جهداً عالمياً لمجابهة الوباء وتطويقه، تم الاكتفاء بمتابعة الوضع، وإصدار البيانات، ومتابعة معدل انتشار الوباء وتعداد الموتى. 

وقد هوت المبادئ الإنسانية الكونية التي يتشدَّق بها هذا النظام العالمي ويتعهّد بالعمل على إشاعتها وصونها، أمام أزمة وبائية كشفت زيف ما سُمي بمبادئ التضامن العالمي، وبيَّنت البون الشاسع بين الخطاب في زمن الرخاء والفعل في وقت الأزمة.

والأهم في كل ذلك أيضاً، أن أزمة كورونا فضحت قبح النظام الليبرالي المتوحش الذي يتزعّم العالم، والذي يعلن تبنّي قيم ومبادئ كونية سامية، ويرسّخ منظومة ربحية تخدم مصالح قلة من الأثرياء على حساب قوة العمل والإنتاج وصناعة الذكاء ومليارات الفقراء في العالم.

لقد أدخل هذا النظام المقاربة الربحية في معادلات الخدمات الصحية ونظم الائتمان الصحي، ليضع نسبة مهمة من سكان المعمورة خارج دائرة العلاج، وبالتالي تبقى محرومة من التمتع بالحق في الحياة الذي يعلنه هذا النظام الرأسمالي حقاً إنسانياً كونياً.

اليوم، في ظل الأرقام التي تعلنها اليونسيف، تقف البشرية أمام وضاعة سياساتها حين تعلم أن أكثر من 40 في المائة من سكان العالم لا يملكون الماء والصابون في بيوتهم لاتقاء خطورة الوباء، ما يعني أن إعلان الحجر الصحّي والعمل به لا يشملهم، وأنّ حياتهم لا تعني شيئاً لأصحاب الثروات الذين أهملوا مشاغل سكان الأرض، وأطلقوا برنامجاً لغزو الفضاء، وبرامج أخرى للتسلح لتزعّم العالم.

 من السابق لأوانه اليوم تحديد مصدر أزمة كورونا، والجزم بأنها حرب جرثومية من فعل البشر أو من فعل المحسوبين على البشر، غير أنها وضعت النظام الليبرالي المتوحّش أمام امتحان أكثر عسراً من الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 1929. وما تراجع أسعار النفط وانهيار البورصات وإعلان إفلاس العشرات من كبار المؤسسات إلا مقدمات يمكن من خلالها استقراء ملامح الفترة التي ستلي انقشاع غيوم الوباء، وعودة آلة العمل في العالم إلى الحياة.

ويتوقّع خبراء أن تكون هذه المرحلة مختلفة في خارطة التحالفات الجيوستراتيجية في العالم، وفي ترتيب القوى الاقتصادية المؤثرة المتزعّمة للعالم.

وقد تكون مرحلة تقبل فيها الإنسانية بأسرها على مراجعات قيمية، لإعادة ترتيب النظام العالمي الجديد وفق معايير تعيد الاعتبار إلى قيمة الإنسان، وتحدّ من جشع بعض الدول وغطرستها، وترسي قيم التضامن الحق والتعامل المتكافئ بين الدول.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عماد شطارة

مراسل الميادين في تونس.

إقرأ للكاتب

"كوفيد-19 ": أزمة صحيّة تخفي أزمات اقتصادية

لحظة استبشار الناس بالنجاة من خطر الوباء، ستتزامن مع اصطدامهم بحقيقة تداعيات الأزمة على أوضاع...

نحو اقتصاد وطني يقطع مع التبعيّة.. كورونا نقطة تحوّل في تونس؟

المشهد الذي تناقله العديد من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية لم يرافقه توضيح للرأي العام بأن...