كورونا وممالك.. كائنات وكيانات مستطيعة بغيرها

هل تعجب من مستطيع بغيره يحتلُّ فريسته، حتّى إذا ماتت يموت، وإذا شفيت يموت؟ 

  • فيروس كورونا لا يقدر على العيش أو التّكاثر خارج الخليّة الحيّة
    فيروس كورونا لا يقدر على العيش أو التّكاثر خارج الخليّة الحيّة

سامرني صاحبي بعضاً من جوف الليل، فقال: "كيف ترى حال كياناتنا في خضمّ الصّراع مع هذا الكائن العجيب صاحب التّاج الموسوم بكورونا؟"، فقلت:

الفيروس يا صاحبي كائن جامد مستطيع بغيره، مجهريّ لا يُدرك بالعين المجرّدة، ولا حتى بالمجهر التقليديّ. لا يقدر على العيش أو التّكاثر خارج الخليّة الحيّة، إذ يغزوها، ثم يعمد إلى استخدام "ماكيناتها الحيويّة" المتكوّنة من جملة بروتينات متقنة الخلقة ودقيقة الوظائف، لمضاعفة مادّته الجينيّة التي هي المكوّن الأساسيّ لوجوده.

ومادّته الجينيّة ليست إلا تراكماً لمواد بيوكيميائية مشتبهة وغير متشابهة، فيسمّى بعضها فيروس "آر. إن. إي"، ويسمّى الآخر فيروس "دي. أن. إي"، والفيروس الذي نواجهه اليوم هو أحد أفراد عائلة كبيرة، تظهر محلاة بالتّيجان، ومن ذلك استمدّت اسمها، وهي من النّوع الأوّل.

يتسلّل هذا الفيروس التاجيّ إلى الجسم، حتى إذا قدر على الولوج إلى الرّئة، ألقى بمادّته الجينيّة داخل خلاياها، فتحسبها الخليّة منها، وهي ليست منها، فيقع إكثارها بواسطة ماكينات الخليّة المخدوعة، ما دامت لم تتمكّن من التّعرّف إليها كجسم دخيل لتقاومه وتتطهّر منه. وهنا تبدأ رحلة حربه الشّاملة، ليضيّق على الفريسة أنفاسها، حتى كأنّها تصعّد في السّماء، فإنّها إن لم تستطع مقاومته، احتلّ الجهاز الرئويّ بكامله، وانتهى بقتلها وموته معها. 

فهل تعجب يا صاحبي من مستطيع بغيره يحتلُّ فريسته، حتّى إذا ماتت يموت، وإذا شفيت يموت؟ 

ثمّة أيضاً كيانات جامدة مستطيعة بغيرها، لا تبعد عن ذلك في الحركة ولا الغاية، ولكن رؤيتها بالعين المجرّدة متاحة لمن شاء أن يبصر، وهي مجاميع يعيش كثير منها في بلداننا التي يسمّيها البعض "دول العالم الثالث" أو "عالم الجنوب"، وربّما يلطِّف البعض اصطلاحاته، فيسمّيها "دولاً في طريق النّموّ"، بيد أنَّهُ لا مشاحَّة في الأسماء أو الاصطلاحات ما دام حال المسمّى واحداً، إلا ما يبعثه وسم "دولة في طريق النّموّ" من بعض الأمل في أنَّها تسير على الطّريق المأمول، ولكنّه أمل لمن وسمها بذلك في تطوّر يكون على مقاسه وشاكلته. 

والعجيب أنّ هذا الاسم نفسه لم تتسمَّ به من ذاتها، وإنّما كان منحةً من غير هذه الكيانات المستطيعة بغيرها. لقد وضعته الكيانات الصّناعية ذات التّقنيات المتقنة والسّبق العلميّ والعسكريّ ومراكز الدّراسات الاستراتيجيّة والسّياسات الاستشرافيّة: عالم الشّمال أو الدّول المصنّعة، وفيها مراكز الأبحاث العلميّة والطّبيّة التي ننتظر أن تجود علينا بلقاح ودواء لهذا الفيروس ولغيره. ويجدّ بعض أبناء جلدتنا في الدّعاء لعلمائها، الذين دأب بعضهم على وصفهم من قبل بـ"الكفّار"، بالتّسديد والتّوفيق، ونحن ندعو أيضاً لأبنائنا الذين يعملون معهم، وأحياناً يقودون فرق بحثهم بالتّوفيق، للرجوع إلى أوطاننا، وانتظار حلّ المشاكل العالقة، والفراغ من برامج "ستار أكاديمي"، وتصوير مسلسل "أم هارون"، لعلّهم بعد ذلك ينالون حظّاً من تمويل مؤسّسات الأبحاث والابتكار، فيسهمون في نهضة كياناتنا، فنستطيع بأنفسنا مواجهة الفيروسات من "ذوات التّيجان" وغيرها. 

كشف فيروس كورونا المستطيع بغيره بقيّة سوءات هذه الكيانات المستطيعة بغيرها، والتي لطالما حاولت من قبلُ ستر عيوبها والتّعمية على عدم قدرتها على إدارة كياناتها وأزماتها القديمة، كما الطّارئة، وغياب جهوزيّتها للاعتماد على نفسها، فعمدت إلى صرف أنظار الجماهير إلى قضايا جانبيّة أو حتّى مصطنعة، من مشادّات إيديولوجيّة بالية، ومناكفات عرقيّة حقيرة، وتشنيع على اختلافات عقائديّة، سمح بها الرّبُّ وكفر بها العباد، وهرولة عند كلّ صباح إلى التّدقيق في ترسيم حدود وهميّة...

وكانت من قبل كلّما حشرت في زاوية ضيّقة يصعب عليها الخروج منها، تعمدُ إلى استدعاء جوقة من بطانتها لتوقد نار الخلافات الطائفيّة، فتنفخ في بوقها، وتذكّي شرارتها، حتّى إذا تيقّنت من استحكام إشعالها، عاد قادتُها إلى مجالس أنسهم بصحبة سماحة الشّيخ، ليذكّرهم إذا ما فترت ذاكرتهم أنْ "وإن لم تكن طائفيّة جعلناها طائفيّة".

وحتّى وقلوبهم بالغة الحناجر من انتشار الفيروس، لم ينسوا أن يصفوه بـ"الفيروس الفارسي"، وهم على تلك الحال لا يفارقونها، بلسان يسبّ بلاد فارس، ويد تضرب بلاد العاربة والمستعربة، وردهات مكاتبهم تجدّ في تحبير صفقة قرنهم، وفوّهات بنادقهم وطائراتهم الأميركية موجّهة إلى كل من ينغّصها عليهم. 

فهلْ أتاكَ حديثُ دولة كانت قبل زمن كورونا تسمّى "أرض السُّعُود"، توزِّع من ريع سعدها الأسود على أحبّتها ومتملّقيها، وتخصص نصيباً أكبر لحرّاسها، فعمدت إلى جيران لها نحو الجنوب من مضاربها، يعرفون بأنَّهم أهل اليمن والإيمان والبركة، فصبّت عليهم جام حمم نيرانها، بطائرات أميركيّة يقودها خليط من سقط النّاس، استأجرتهم لضرب - وإنّك لتعلمُ - من هم أبناء عمومتها وأصل عرقها وشركاء قبلتها.

وقد دام ذلك سنوات طويلة، حاربت فيها الطّائرات الأميركيّة أهل المدر، وأصابت تجمّعات الفرح والعزاء، وكانت عادلة في قصفها، فلم تميّز ذا الشيبةِ من الرضيع، ولا امرأة من رجل، ولا لينة من حطبةٍ، ولا متعبّداً من محارب، ولا معبداً من وكر قمار، واستخدمت في ذلك "الأسلحة الذكيّة" و"المحرّمة" التي جادت بها عليها كيانات متطوّرة ورائدة في الدّعوة إلى حقوق الإنسان، مستشعرة جدّاً خطر انقراض حيوان الباندا، ومخاطر زحف العمران على مناطق إباضة السّلحفاة البحريّة... فقصفت كل متحرّك على صعيد الأرض المبارك لنا فيها، وفي شامنا. 

وللاحتياط، فإنّها قصفت أيضاً ما لا يتحرّك، خشية أن يطير يوماً، فانبرى لها رجال من أهل اليمن، يدافعون عن أرضهم وأعراضهم وعن حقّهم في العيش، مستقلّين بقرارهم، فإنّك لتراهم ذابّين عن حياضهم، ثابتة في الأرض أقدامهم، تزول الجبال ولا يزولون، عالية هممهم، فتحسبهم مجبولين من صخرة أرضهم، وإنّك لترى منهم المقاتل المغوار حافي القدمين، مستأنساً بخشونة أرضه استئناس الغازي برخام قصوره، ولَكَمْ ترى فيهم يا صاحبي من أشعث أغبر ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبرّه. 

ولا أحسبك تراهم ظلموا، إذ دافعوا عن وطنهم وأرضهم وحقّهم في الحياة؟ 

لكنّ من أبناء جلدتنا من انبرى يبرّرُ القتل والتجويع والحصار ونشر الأوبئة في الأرض المبارك لنا فيها، وفي شامنا. وإن تعجب، يا صاحبي، من بيع بعضهم لآخرته بدنياه، فإنّني لا أعجب من ذلك إلا قليلاً، وإنّما غاية عجبي ممن باع آخرته بدنيا يصيبها غيره، ولست أظنُّ أنّ جميعهم قبض على ذلك أجراً، إذْ لا أحبُّ أن أرميهم ببهتان، فإنَّ من الوقاحة والصّفاقة والرّذيلة والعهر ما يكون أيضاً إمّا سجيّة أو تطوُّعاً.

وإن يكن فيهم من لا يعتقد بآخرةٍ ولا جنّةٍ ولا نار، فلا ضير، إذ إنّ ذلك حقّه وحرّيته. أمّا الكفر بالإنسانيةِ والعدلِ وإنصافِ النّاسِ من نفسهِ، ولو كانوا خصوماً، فليس ذلك من حقّه. فليؤمن بما شاء أو لا يؤمن، ولكن ليكن في كلِّ الأحوال حرّاً وعادلاً ومنصفاً. 

ألا ترى يا صاحبي أنَّ هذه الأمّة من النّاس قد بَعُدَت كما بَعُدَ الرّهط الذين رضوا بفعل عاقر ناقة صالح؟ فإنّ أيديهم لم تعالج النّاقة، وإنّما نادوا صاحبهم، فتعاطى فعقر، لكنّ الله عمّهم بالسّخط لمّا عمّوه بالرّضا، فقال "فعقروها...". 

أتسمعني يا صاح؟ هل أنت راقدٌ أم رامق؟ لعلِّي أثقلت عليك بكلامي؟

فرأيت صاحبي قد تقلّب ذات اليسار، وهَمْهَمَ بكلام لم أتبيّنْ منه غير قوله: "أترانا ننجو من هذا الوباء يا صاح؟".

فقلت: على أيّ الأحوال، فإنّ الغازي سيموت، بموتنا أو بحضورنا النّصرَ الذي لا ريب فيه، فإنّه لا محالة ميّت، بل إنّه قبل الغزو كان جامداً، وبعد الغزو لا بدّ أنه ميّت. وإن شئت، فأطفئ المصباح، فإنّ الفجر يا صاحبي قد لاح.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي المحجوب

دكتور في الهندسة البيولوجية وحاصل على ماجستير في الحضارة العربية والإسلامية- تونس

إقرأ للكاتب

عن الرّئيس التّونسي قيس سعيّد.. هلّا ثبتْتُم على رأي؟

إن تصدير كلّ أزمة سياسيّة أو اقتصاديّة إلى تجاذبات أيديولوجيّة هو إمعانٌ في استدامتها، وحرفٌ...

ساركوزي - ماكرون: ثنائي "الإفتاء العلمانيّ" للدّيار الفرنسيّة

ما لم يعد دقيقاً اليوم، وخصوصاً بعد ولاية ساركوزي، فهو القول إن "الإسلام ليس مادّة أوليّة ولا...

كيف نجح التّونسيّون في ما فشل فيه آخرون؟

إذا كان لا بدّ من استدعاء شواهد خارجيّة لفهم الظّاهرة التّونسيّة، فإنّ مقارنة النّموذج التّونسيّ...