ما بعد اغتيال لقمان سليم.. تفكيك الخطاب الفوقي

بعد اغتيال الناشط السياسي اللبناني لقمان سليم، خرج إعلاميون وسياسيون بخطاب استعلائي ضد الطائفة الشيعية، وذلك إثر اتهام "الحزب" بالاغتيال. ما هي خلفيّاته؟

  • منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت
    منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت

قُتل الناشط السياسي لقمان سليم، وخرج مع مقتله خطاب مُوحّد ضد بيئة حزب الله في لبنان، بعد أن كانت التّهمة جاهزة قبل أي خطوة رسميّة من القضاء: "حزب الله قاتل، ويئته متخلّفة، لا يهمّهم سوى الدّم والسلاح، لا يقرأون الكتب، لم يُخرّجوا كتّاباً وشعراء ومثقّفين"، وغيرها من النعوت الاستعلائيّة ضمن خطاب فوقيّ ضد بيئة بأكملها، في مقابل عرض ما لديهم من مكتبات (؟)، وعقول "متحررة" محبّة للحياة، وخارجة عن "التعصّب" السياسي والديني والإيديولوجي.

هذا الخطاب تقصّد تجريد الشيعة المؤيّدين لحزب الله من كلّ طاقاتهم الفكريّة والثقافيّة، واختصار المنتمين إلى الطائفة بأنهم محبّو صور الزعماء، وليسوا بالمستوى الثقافي نفسه معهم، وتصويرهم على أساس أنهم مجرّد أداة لـ"العقل الأمني" الذي يسعى لتمرير سياساته في لبنان بناء على قاعدته الشعبيّة.

ليس هذا فحسب. إنه كذلك تعمد لتجريد الطائفة الشيعية من هويّتها الوطنيّة، والدلالة على أنها جسم غريب تابع لحزب تابع بدوره لإيران. وبالتالي فإن وجوده في لبنان ليس طبيعياً، وتجب محاربته وطرده، وفق روّاد هذا الخطاب من سياسيين وإعلاميين معادين لحزب الله من الداخل اللبناني وحتى من الخارج، والذين يروّجون له مؤخراً بكثافة عبر الإعلام ومواقع التواصل.

هذا الخطاب اليوم ليس عفوياً، وليس وليد جريمة القتل التي دانها حزب الله، إنما كانت الأخيرة سبباً مُفجّراً له. قبل عقود ومفاصل الصراع بين حزب الله وخصومه كثيرة ومتعددة الأسباب. حاول البعض تأطيرها بالشقّ السياسي، فحاربوا الحزب سياسياً، في الحكومات وتحت قبّة البرلمان، وشنّوا حملات طويلة الأمد ضد سلاحه، لكن في الوقت نفسه، سعوا إلى "إحراجه" في المرافق الاجتماعيّة الخارجة عن أدوارهم التي يشاركونها معه في السلطة. وذلك بغية توسيع "الحجج" بالنسبة إليهم لتصوير "غرابته" أمام الرأي العام. 

كيف حدث ذلك؟

يُلزم انتماء حزب الله الديني بالمضيّ في ثوابت تعاليم الدين التي لا استثناء جوهريّاً فيها مع ولوجه العمل السياسي ووجوده بين أفرقاء من غير دينه وطائفته، لكن وفي مرافق كثيرة تمّ تصويره على أنه يحمل فكراً دينياً متعصّباً جراء حوادث متفرقة وعابرة، مثل رفضه الجلوس إلى طاولة يقدم الخمر عليها، ورفضه المشاركة في الحفلات الفنيّة، ورفض مصافحة النساء للرجال والعكس، وغيرها من الأمثلة. 

هذه الحوادث هدفت إلى تعميق الهوّة بين حزب الله ومحيطه على امتداد الجغرافيا اللبنانية حيث وجوده، أو حتى في الأماكن غير الموجود فيها، وتصويره على أنه وبيئته متقوقعون على أنفسهم في أماكنهم، كالضاحية الجنوبية لبيروت، وتصوير هذا المكان على أنه معقل مغلق لحزب الله، ما أخاف الكثيرين من الدخول إليها، ولكن من عاش فيها أو زارها يعرف أن هذا الكلام ليس صحيحاً. أما المقصد من الإضاءة على ذلك، فهو تبيان أن الخلاف بين حزب الله وخصومه أعمق من مجرّد خلاف على سياساته الداخليّة، أو حتى الحروب التي خاضها في لبنان ضد "إسرائيل" أو في سوريا ضد المجموعات الإرهابيّة. 

هو سعي لجعله خلافاً إيديولوجياً وثقافياً، عبر سلسلة خطوات بغية عزل حزب الله عموماً، والطائفة الشيعيّة خصوصاً، عن مكانهما الطبيعي، والترويج إلى أنهما يخضعان لأوامر الدولة الإيرانيّة، وبالتالي عليهما الخروج من البلاد. هذا الأمر حصل بالفعل، إذ خرج من يدعو في مواقع التواصل لإبعاد شيعة لبنان إلى إيران، باعتبارهم "مُكوّناً دخيلاً" على المجتمع.

انطلاقاً من ذلك، فإن العمل الهجومي ضد حزب الله يصبّ في 3 مسارات: السياسة الداخليّة وتصوير أنه المسؤول عن الأزمات الاقتصادية والأمنيّة بسبب سلاحه أولاً، ومشاركته في حروب الخارج (سوريا)، وتهديده "إسرائيل"، وهو الذي لا يحدث إلا في سياقات دفاعيّة عن البلاد، واعتبارهم ذلك تهديداً مستمراً لأمن لبنان ثانياً. وثالثاً، تغريبه اجتماعياً وثقافياً ونزع الهويّة الوطنيّة عنه.

المقاومة مقابل خطاب "حبّ الحياة"

يتحدّث أصحاب الخطاب الاستعلائي عن الثقافة من منطلق أنها بوابة لـ"القبول"، وهذا القبول لا حدود له بالنسبة إليهم، وأي فئة ترفض مسار "السلام" من بوابة "الوعي الثقافي" الخارج من الكتب، فإنها "جاهلة"، و"غبيّة"، و"لا تهتمّ سوى بحرق الأعلام" (الأميركية والإسرائيلية)، وهو ما قد يُفسَّر ضمنيّاً بقبول "إسرائيل" من بوابة الثقافة.

من ناحية أخرى، خرجت بعد حرب تموز 2006 حملات تحت شعار "أنا أحبّ الحياة". غالبية المروجين لها كانوا من مؤيّدي قوى 14 آذار/مارس. وقد وصفها عدد من مؤيّدي حزب الله بأنها حملة "غير بريئة" تصبّ في الهدف الاستراتيجي نفسه الذي تطالب به هذه القوى، وهو نزع سلاح حزب الله.

محاولات كثيرة سعت عبرها جهات سياسية داخلية وأطراف خارجية لتدمير حزب الله وعزله، إن كانت بطرق مباشرة، عبر اتهامه مثلاً باغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، مع ما تبعه من قرار المحكمة الدولية بهذا الشأن، واتهام أطراف له (خارج القضاء) باغتيال لقمان سليم، وتحميله مسؤولية الأزمات الاقتصادية المتعاقبة التي أدت إلى فرض الأميركيين عقوبات على لبنان، وليس نهاية بانفجار مرفأ بيروت في آب/أغسطس واتهام الحزب بضلوعه فيه.

يأتي ذلك بالتوازي مع خطط بديلة ينتهجها هؤلاء، مثل محاولة تدمير حزب الله من داخل بيئته، تارة عبر تجريده وبيئته من كل مؤهلاتهم العلميّة والثقافية، مثل ما يحدث مؤخراً، وتارة عبر اتهامه بالاغتيالات، إذ حسمت بعض القوى السياسية اللبنانية أن مقتل سليم هو "اغتيال سياسي" يستوجب المحاسبة. وتارة أخرى من خلال تحديد أشكال الثقافة ونوعها ومعاييرها، وفقاً لوجهة نظرهم، لا وفق أهواء هذه البيئة واختلاف مشاربها الفكرية. 

حتى السّاعة، لم يعلّق حزب الله على هذا الخطاب الممنهج، لكن من الواضح أن ما يتم افتعاله اليوم يهدف إلى تسميم العلاقة بين بيئة حزب الله ومحيطها، ونزع الشعور الوطني عنهمن والتحشيد الجمعي ضدهم على أنهم مُستبعدون نفسياً عن المجتمع اللبناني الواسع.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
غفران مصطفى

كاتبة ومنتجة أخبار في الميادين نت.

إقرأ للكاتب

إيلاريون و"الرفاق".. كيف استحضر المطران حرّاس القدس؟

استحضر "حارس القدس" أو شخصيّة المطران كبوجي شخصيات عربية وعالمية نُشرت صورها في مواقع التواصل...

كيف تصنع المرأة متعة النقاش الذكيّ؟

وسط هذا "الصّخب" الجماعي المشترك، عالمٌ موازٍ تصنعه المرأة، يمكن أن يكون هو المُرغّب ليكون هذا...

حدّثهم يا محمّد وأنت مرفوع كيف رأيت الله

لا موت لأهل غزة، هؤلاء ينبت فيهم المقاتل تلو المقاتل، كلما زفت شهيداً مشت خلفه آلاف الأرواح...

قاسم سليماني.. أن تنتزع الحقّ على أيّ أرض تكون

خلف القائد العسكريّ الكبير بيت دافئ، أعدّ له ولملم فتات أيامه بحبّ وطمأنينة. البيت الذي منه يخرح...

أن تحقق إنجازاتك برفقة إله الأشياء الصغيرة

فلنتخفف من همّ الإنجازات الكبيرة التي نثقل أنفسنا في إحصائها نهاية كل عام، وما استطعنا إتمامه...

البيت أجمل من الطريق إليه

كبرت على فكرة أن كل شيء أكثر مما أستحقّ، وأقل مما أتمنى. جهدت في تعويض فجوة الخسارة بانفصال...