هل تنجح مناورات واشنطن السياسيّة مع أنقرة؟

 يبدو أنَّ إدارة بايدن لن تبقى صامتة بشأن مسائل مثل السياسة الداخلية والديمقراطية والقانون وحرية الفكر والإعلام، فهي الوسيلة الفضلى للضغط على إدارة إردوغان التي تعاطت مع السياسة الخارجية لغاية اليوم بشخصانية مفرطة، بحسب الباحث والأستاذ الجامعي متين كورجان.

  • هل تنجح مناورات واشنطن السياسيّة مع أنقرة؟
    هل تنجح مناورات واشنطن السياسيّة مع أنقرة؟

"إنَّها لغة تخاطب لم تشهد تركيا مثلها من قبل". بهذه العبارة، علّق الدكتور سمير صالحة، أحد المحلّلين الأتراك، على المسار الذي تتّخذه علاقة الإدارة الأميركيّة الجديدة بتركيا. تحركت واشنطن سريعاً على الخطّ التركي، وأعادت ترتيب أولويات حقوق الإنسان والديمقراطية، بوصفهما الركيزتين الأساسيتين لسياستها الخارجية. كان البيان الأول لوزارة الخارجية الأميركية حول تركيا يتعلّق بالاحتجاجات الأخيرة التي قام بها طلاب جامعة بوغازي. وقد أعرب المتحدّث باسم الإدارة الأميركية عن مخاوف واشنطن بشأن اعتقالات الطلاب، ودان الخطاب المناهض للمثليين ومغايري الهوية الجنسانية. 

هل هي مناورة أم سياسة قاطعة؟

 يبدو أنَّ إدارة بايدن لن تبقى صامتة بشأن مسائل مثل السياسة الداخلية والديمقراطية والقانون وحرية الفكر والإعلام، فهي الوسيلة الفضلى للضغط على إدارة إردوغان التي تعاطت مع السياسة الخارجية لغاية اليوم بشخصانية مفرطة، بحسب الباحث والأستاذ الجامعي متين كورجان.

البيان الّذي أطلقته واشنطن رداً على ادّعاء وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بأنَّ الولايات المتّحدة كانت وراء محاولة الانقلاب في تموز/يوليو 2016، كان حاسماً، إذ وصمها بالكذب، وأشار إلى أن لا أساس لها من الصحة في ما يتعلق بمسؤولية الولايات المتحدة عن الأحداث في تركيا، و"لا تتّفق مع وضع تركيا كدولة حليفة للناتو وشريك استراتيجيّ للولايات المتحدة".

كذلك فعل السفير الأميركي لدى تركيا، ديفيد ساترفيلد، الذي كان قد امتنع عن الظهور في وسائل الإعلام التركية منذ تعيينه في أنقرة في منتصف العام 2019، لكنّه أكّد في موقف جديد، في مؤتمر صحافي عقده حول سياسات واشنطن بخصوص "S-400" ووحدات حماية الشّعب، أنها لن تتغيّر بالتأكيد، فالقرار اتخذ، والولايات المتحدة لن ترفع العقوبات المفروضة على تركيا بسبب امتلاكها نظام الدفاع الجوي الروسي "S-400"، وهو موضوع نهائي.

من جهتها، تقول إدارة إردوغان للولايات المتحدة: "يمكننا التحدث عن صواريخ "إس -400"، لكن دعونا نتحدث أولاً". أما وزارة الخارجية الأميركية، فقد رفضت على الفور اقتراح وزير الدفاع التركي خلوصي آكار بإيجاد حل شبيه بحيازة حكومته التكنولوجيا الروسية في اليونان "أس – 300"، وهي موجودة في جزيرة كريت، لكنه ربط الحل بقضية بدعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، داعياً إلى حلّ الخلافات بتنازل واشنطن عن الوحدات. إدارة بايدن لن تتخلى بسهولة عن القوات الكردية، فهي تدعي أنها شريكتها في قتال "داعش"، وما تزال، وهي تنتقد تركيا بسبب احتلالها عفرين، وسيبقى هذا الموضوع أزمة بين الطرفين.

ترى الرئاسة التركية أنَّ العلاقات مع الولايات المتحدة تتجه نحو الجدار. ترتبك أنقرة في مواقفها، وتتوزع مهام التفاوض وتتناقض. إبراهيم كالين، المتحدث باسم إردوغان ومستشار الأمن والسياسة الخارجية، يقول إن تركيا "مستعدة لشراء صواريخ باتريوت الأميركية أو أي أنظمة أوروبية". يتناقض الموقف الحالي بشأن هذه المسألة مع موقف أنقرة قبل أسابيع قليلة، عندما قالت إنها ستشتري دفعة أخرى من الصواريخ من روسيا.

في الوقت عينه، ينتظر وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو اتصالاً من نظيره الأميركي أنتوني بلينكين. وفي مقلب آخر، يعرب وزير الدفاع خلوصي آكار عن نية تركيا العودة إلى برنامجF-35" "، في إشارة إلى أنَّ واشنطن هي التي طردت تركيا من البرنامج، بعد أن دفعت ثمن الطائرات ودرّبت الطيارين بسبب شرائها الأنظمة الروسية.

من الواضح أنَّ العلاقات لن تصل إلى المستوى المطلوب من دون الحديث عن قضية "S-400"، ولو تم إطلاق سراح الأكاديمي الأميركي التركي البارز هنري باركي المتهم بالتجسّس، وعثمان كافالا، وهو ناشط من المجتمع المدني تتهمه تركيا بأنه يقف وراء تظاهرات غيزي، وممول من قبل جورج سوروس، ومشارك في الانقلاب 2016، أو إطلاق صلاح دميرطاش، زعيم حزب الشعوب الديمقراطي، مع قسم كبير من كتلته من السجن.

الثابت والمتحوّل في السياسة التركيّة 

ليس من السّهل على إردوغان تغيير قراره الخاصّ بـ"إس 400" من دون الاختلاف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكنّه يخشى إثارة قضية بنك "خلق" في الولايات المتحدة، والتي يمكن أن تؤثر في الاقتصاد والقدرات الإدارية للحكومة. وهناك قضية رضا زراب الذي شارك في عملية تهريب الذهب مقابل النفط بين إيران وتركيا إبان العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران في مرحلة سابقة، والذي أصبح مخبراً وطلب اللجوء منذ سنوات قليلة إلى الولايات المتحدة.

تعي تركيا مصالحها القومية والإقليمية، وهي لن تفاوض على هذه المواضيع الحساسة. وما تصريحات آكار سوى تعبير عن أسلوبه لوضع لبنة للمواضيع التي يمكن التفاوض بشأنها. أما واشنطن التي تصعد إقليمياً في وجه بعض حلفائها، وتحاول دولياً الضغط على موسكو في مسألة أوكرانيا والقرم والتدخل في قضية المعارض نافلني، فهي تحاول إثارة القلق والتلويح بالسياسة الجديدة للإدارة التي تمسك العصا أولاً، وتلتزم بالضغط على إردوغان ليستسلم لإرادتها، عملاً بنصيحة السفير جيمس جيفري.

لكن لا يستطيع بايدن أن يقدم لتركيا أية مكاسب في سوريا أو ليبيا أو القوقاز. ربما يمكنه فرض التفاهم حول شرق المتوسط، لكن الأسابيع الثلاثة الأولى لم تكن بداية جيدة. وسيمثل العام 2021 تطورات مهمة في ما يتعلّق بالعلاقات الدولية في حوض البحر الأبيض المتوسط الأوسع. 

وتعتبر الجهود الرامية إلى تخفيف حدة التوتر بين تركيا واليونان في شرق البحر الأبيض المتوسط واحتمالات اتخاذ مبادرة جديدة لحل المشكلة القبرصية أهم مسارين سيتبعان في الأشهر المقبلة، إلا أن واشنطن تلوح بإقامة قواعد عسكرية جديدة في اليونان وإعطائها الدور والموقع الاستراتيجي الذي أدته تركيا في علاقاتها مع الغرب منذ الخمسينيات. 

تحاول إدارة بايدن لعب أوراق توتر ثنائي وإقليمي بينها وبين أنقرة، للمساومة على تجميد التقارب التركي الروسي، فهل تنجح في هذا المسعى؟ تخشى واشنطن خسارة تركيا التي خسر رئيسها دعم ترامب، لكنها في الوقت عينه تستعرض البدائل التي لن تكون على قدر كبير من الأهمية الجيوسياسية إن فقدت الموقع التركي.

 

 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
هدى رزق

باحثة في الشأن التركي والإقليمي

إقرأ للكاتب

إردوغان يهرب من مشاكله الداخليّة بعد عمليّة "غارا" ويتّهم الحشد وإيران

يتخبّط الرئيس التركي في محاولته الدفاع عن العملية العسكرية في "غارا"، والتي أحرجته وفريقه...

هل يمكن أن تطيح الأزمات الداخلية بطموحات إردوغان الرئاسية 2023؟

ناخبو حزب "العدالة والتنمية" ليسوا جميعهم إسلاميين سياسيين. الكتلة الكبيرة تنقسم بين محافظين...

إردوغان بعد انتخاب بايدن: من استراتيجيّة القوّة إلى المهادنة

التقطت تركيا بعض توجهات إدارة بايدن، وحاول إردوغان مكالمة الرئيس الأميركي هاتفياً خلال الشهر...

تركيا والاستعداد السياسي للانتقال إلى العام 2021

تصرفات القيادة السياسية التركية وقراراتها تدلّ على أنّ أنقرة تناقش السيناريوهات المحتملة مع...

إردوغان يعيد التموضع استراتيجياً

تصدَّرت تركيا إلى جانب دول أخرى موضوع نقاشات ساخنة داخل فريق السياسة الخارجية لبايدن الَّذي...

تركيا والإتحاد الأوروبي صراع المصالح

يعتبر الرئيس الفرنسي ماكرون أنّ إردوغان يستغلّ وجود تركيا في الناتو ليتوسّع تحت خيمتها، لكن في...