أنيس النقاش.. رحيل أجزاء من كلّ المؤمنين بالتحرر

كان صادقاً غير متردّد في قناعاته. لم يخف الموت. شجاعته في نضاله وانخراطه في ساحاته عكسا عمق قناعاته.

  • لم يكن أنيس يتردّد في التلاقي مع أي اتجاه سياسي أو نضالي مقاوم
    لم يكن أنيس يتردّد في التلاقي مع أي اتجاه سياسي أو نضالي مقاوم

مع رحيل أنيس النقاش، أشعر برحيلي. أشعر بشيء مني يُدفن معه في مثواه. لا أدّعي معرفتي العميقة به، ولا أزعم ديمومة اللقاءات، لكنه كان كل واحد من ذلك الجيل الذي حمل هم التحرر من الإمبريالية والصهيونية. كان رمزاً للنضال الفعلي والعملي المؤثر، وكان قدوة لمن شاء أن يعمل في ساحات الجهاد التحررية.

التقيت به أول مرة في العام 1977 مع بعض الزملاء في بيروت، يوم كان ما يزال يناضل في صفوف "فتح". فكرة واحدة علقت بذهني من ذلك اللقاء: "لندع الكلام جانباً. كثرة النقاشات قد تُضِلُ طريقنا. ما دمنا حدَّدنا العدو، فلنعمل لمواجهته مباشرة من دون كثرة كلام ودخول في متاهات النقاش". كانت تلك العبارة طريقه في كل مسار حياته التي عرفناها، والتي لم يكن لنا شرف معرفتها كلها وشرف مشاركته فيها. 

لذلك، لم يكن أنيس يتردّد في التلاقي مع أي اتجاه سياسي أو نضالي مقاوم، فهو لم يكن فكراً محدداً. لم يكن قومياً بالتحديد، ولا شيوعياً بالتحديد، ولا فتحاوياً بالتحديد، ولا إسلامياً بالتحديد. كان كل هذه المعطيات التي جمعها خيط واحد اسمه النضال للتحرر من الإمبريالية والصهيونية.

كان صادقاً غير متردّد في قناعاته. لم يخف الموت. شجاعته في نضاله وانخراطه في ساحاته عكسا عمق قناعاته. ورغم ذلك، كان يخفي شيئاً من الخجل المتشح بالأدب في تعاطيه مع الآخرين. وكان يتميز بصلابة وجرأة وإقدام على المستوى النضالي، ورقة ودماثة خلق وتواضع على المستوى الشخصي. 

ورغم تباعد اللقاءات المعدودة معه، لم يكن يتوانى عن القبول باللقاء. بعد حرب العام 2006 بقليل، اتصلت به للقائه مع بعض الزملاء الصحافيين. كان ذلك ثالث لقاء به بعد انقطاع طويل. لم يتردد في إعطائنا الموعد، بعد تذكيره بالقليل عنا. التقينا في أحد مقاهي فردان، وكان لقاء مفعماً بالأمل، وبالمستقبل كعادته. 

وكما كلّ حديث سمعته منه على الشاشة، أو في لقاءات خاصة قليلة هدفها الأساسي إجراء مقابلة صحافية متواضعة، كان مفعماً بالأمل بالتحرر، وبتقدم محور المقاومة، وتصاعد المقاومة في وجه العدو، وكان واثقاً من انقلاب موازين القوى لصالح شعوبنا وكل الشعوب المتحررة.

برحيل أنيس، سنفتقد فرادة صلابة موقف، وحسم القرار، والقناعة، وطاقة العطاء بلا حدود. برحيل أنيس، سنفتقد أجزاء من ذواتنا، نحن مؤيدي المقاومة والتحرر بلا تحفظ.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

"برنامج العائلة الفلسطينية": تثبيت حق مئات الآلاف ببلدهم

تأسست "هوية" على همّ توثيق وجمع العائلات الفلسطينية، وتثبيت حق المهجرين الفلسطينيين بأرضهم،...

قسم بايدن: جملة اعترافات بأزمات نظامه الوجوديّة

لم يتضمّن خطاب بايدن اتجاهات تطوير وتحسين لما يفترض أنه تطور وتحسن سابقان في الحياة الأميركية...

عندما تقاتل السلطة السلطة.. حفاظاً على الديمقراطيّة

أن تحشد السلطة الأميركية 20 ألف عنصر يعني تخوفها من 80 ألف عنصر آخر معارض لها على الأقل. وعلى...

"الدامون" الفلسطينية تحتفي بالميلاد وبأول طفل بعد التهجير

أقام أهالي الدامون المهجرة في فلسطين احتفالا رمزيا قاموا حلاله بتزيين شجرة الميلاد، وهي المرة...

الهجوم الإلكتروني: تحولات العالم في المفهوم الشعبي

لا ريب في إنّ من أطلق عنان الهجوم السيبراني، متخصّصون في شؤونٍ دوليةٍ كبرى، أو خبراء يفقهون في...

"المشي" كفلسفة ترفد المقاومة

تنضج فعاليات المسيرات في المناسبات الوطنية الفلسطينية الكبرى، والمسارات الدائمة لمجموعات عريضة...