السعودية تحت الابتزاز.. اغتيال خاشقجي لن يكون الأخير

ما فعله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان فعله غيره من أولياء العهود والملوك السابقين في العائلة الحاكمة على امتداد تاريخ حكمهم الحديث لشبه الجزيرة العربية.

  • لا يحسد ولي العهد السعودي على موقعه اليوم أو في الأيام المقبل
    لا يحسد ولي العهد السعودي على موقعه اليوم أو في الأيام المقبل

لا يغيب الابتزاز السياسي عن قرار الإدارة الأميركية الجديدة نشر التقرير "التقني" لمخابراتها المركزيّة حول تورّط ولي العهد السعودي في قتل الصحافي جمال خاشقجي. الفرق بين ابتزاز إدارة دونالد ترامب وإدارة جو بايدن في الشكل، وليس في المضمون والأهداف.

ابتزاز ترامب شفاف إلى حدّ الوقاحة، ويظهر الجوهر الأخلاقي للرأسمالية. أما ابتزاز بايدن، فيتغطى بحقوق الإنسان بمكر "تقليدي"، ليضع حكومة الرياض تحت الضغط الدائم المعزز لتدفّق النفط والثروة إلى البنوك والجيوب الأميركية. باع ترامب الادعاءات الأميركية بحماية "قيم الديمقراطية" بمئات المليارات من الدولارات، وكذلك سيفعل بايدن، لكن تحت الطاولة، وهو لن يكون أقل ضرراً من إدارة باراك أوباما في التعامل مع العالمين العربي والإسلامي. 

ما فعله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان فعله غيره من أولياء العهود والملوك السابقين في العائلة الحاكمة على امتداد تاريخ حكمهم الحديث لشبه الجزيرة العربية، وسمة الوحشية والعنف المستطرين في وجه من يعارضهم من أبناء جلدتهم هي مكون رئيس لبنية هذا النظام، كما أن الذبح والتقطيع والتشنيع موهبة اختص بها أزلام السلطة.

في العام 1979، تم اختطاف المعارض ناصر السعيد (بأسلوب أفلام الأكشن الخيالية) من بيروت واغتياله، من خلال رميه "حياً" من الطائرة فوق مياه بحر الأبيض المتوسّط. لم يكن اغتيال السعيد الأول، ولن يكون اغتيال جمال خاشقجي الأخير في سجلّ عمليات الاغتيال الطويلة للمعارضين السعوديين، والتي ينفذها نظام سياسيّ يعاني إشكاليات جوهرية، ولا يبتكر حلولاً لها، ويستبدلها بعدوانية لا تهدف إلى المنافسة، ولا تلتزم إلا بالمناكفة الشرسة لما تعتبره ضدها، بغض النظر عما يحمله هذا الضدّ أو وجهته.

ناهض النظام الملكيّ كلّ فكرة أو رؤية أو تيار أو حزب، من قومية ويسارية، وحتى إسلامية، ورفض أي حداثة، وتمسَّك "بالتخلف الثقافي"، وأدار التطرّف لعقود، وهيأ بنى فوقية وتحتية للجماعات الإرهابية، وأمَّن بيئة سير لتبعية عمياء و"مريحة"، وأهدر ثروات لا تقدر، وأتاح نهبها بالشراكة مع أجانب. 

كلّ ذلك في ظلّ تزايد مطرد في معدلات الفقر والبطالة، وتراجع معدلات النمو، وعدم نجاح مشروع "سعودة" الوظائف، وفشل تشكل هوية وطنية بسبب الاضطهاد الطائفي لمكونات اجتماعية واسعة، ومنع أي قدر من الحريات.

هذا قليل من كثير موجود في سجلات فساد سياسات الحكم في قطاعات شتّى، لدولة قامت في الأساس برعاية قوى الاستعمار المتجددة وحمايتها، كما قامت على تزوير التاريخ والتعدي على الجغرافيا، وعلى مهمة واضحة أمعنت في تشويه سماحة الإسلام وتفخيخه بالتطرف "الوهابي" الذي يصنف كل من يخالف مذهبه بكونه "كافراً"، من المسلمين وغيرهم.

ثمة أجيال تربّت على الخطاب الأحادي والإلغائي، وعلى "ثقافة دينية أفيونية" تنتج وتخزن موارد بشرية إرهابية، ويتم استخدامها على التوالي، من أفغانستان، حين انبرت القيادة السّعودية لإرسال عشرات الآلاف من "المجاهدين" لمقارعة "الاتحاد السوفياتي الشيوعي والملحد"، إلى العراق لتدميره، إلى سوريا لتمزيقها، إلى ليبيا لتفتيتها، إلى اليمن لإبادته.

لا يحسد ولي العهد السعودي على موقعه اليوم أو في الأيام المقبلة، ولن تكون رحلته نحو كرسي العرش سهلة أو مضمونة. وضعه في خانة "المجرمين" يجدّد طموحات منافسيه ممن زجرهم من أبناء العمومة، ويشجّع الكثير من أفراد العائلة على الانقلاب على انقلابات الملك سلمان الكثيرة، ويعيد القلق حيال عملية انتقال مقاليد الحكم من أبناء عبد العزيز إلى أبناء سلمان.

تجاوزت الأحداث والتطورات العالمية قدرة النظام السعودي (وما يشابهه من أنظمة) على الاستمرار على ما هو عليه، سواء في الشكل أو المضمون. وظيفته كمخلب للقوى الغربية في المنطقة لم تعد كافية لحمايته، والانبطاح تحت أقدام اليمين الأميركي والصهيوني و"اتفاق إبراهيم" لن ينقذه من مأزق تاريخي أبعد من كونه سياسياً؛ مأزق صنعه النظام بيديه الملطختين بدماء العرب والمسلمين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسين قطايا

صحافي في قناة الميادين.

إقرأ للكاتب

"برج بابل" الأوروبي يترنّح تحت وطأة كورونا

من المبكر الإعلان عن نهاية العولمة النيوليبرالية، ومن المجحف نكران تعرضها لإصابات بالغة في...

سوريا: هنا اجتمع العدوان كي يتشظّى

تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها زعزعة الاستقرار في سوريا والمنطقة، ولم يعد نكران الحقائق بعد 10...

"الانحياز" أقلّ كلفة من "الحياد"

لم تكن الجمهورية الأولى أقلّ خيانة لمفهوم الدولة والمواطنة من الجمهورية الثانية، لكنها كانت أكثر...

الاتحاد الأوروبي والصّين: "اتفاق تاريخيّ" يرسم توازنات العالم الجديد

يتوقَّع الأوروبيون أن تُعامَل شركاتهم في الصين مثل معاملة الاتحاد الأوروبي للشركات الصينية، وأن...

أوروبا.. "جنون" التّصعيد ضد روسيا

استمرار "حرب العقوبات" التي يخوضها الاتحاد الأوروبي بمواجهة الكرملين همّش سياسات الاحتواء...

حزب الله المتضرر الأكبر من اغتيال لقمان سليم.. الاتهام الجاهز شريك في الجريمة

يجمع اللبنانيون على أن جرائم الاغتيالات السياسية الكثيرة في تاريخهم الحديث سيبقى معظمها بلا...