المسيحيون المهاجرون.. وأوراق نعواتهم

أوراق النعوات هنا لموتانا في المهجر هي خطّ الدفاع الأخير عن تشبّثنا بذكرياتنا واعتذارنا إلى حلب.

  •  بدأت تظهر ملامح جديدة لدى المسيحيين في حلب.
    بدأت تظهر ملامح جديدة لدى المسيحيين في حلب.

لطالما اهتممت - منذ الصغر - بقراءة أوراق نعوات الموتى، وخصوصاً المسيحيين، لأن دائرتي المجتمعية الضيقة كانت منهم، وكنت ألاحظ أنّ غالبية أقارب المتوفى يقيمون في حلب "حيث أقيم"، ويندر أن يكون لهم هناك أقارب في مدنٍ سورية أخرى. وكان لدى عدد قليل جداً منهم أقارب في دول مختلفة، ومنها فنزويلا.

دارت الأيام، كما تقول أم كلثوم، وبدأت تظهر أسماء دولٍ تدلّ على انتقال الكثير من المسيحيين السوريين عامة، والحلبيين خاصة - هجرة - إلى دولٍ كثيرة، إذ كانت قد نشأت ظاهرة تمثّلت بهجرة المسيحيين المشارقة باتجاه الغرب، ما أدّى إلى تكوين الشتات المسيحي المشرقي في الغرب. هذه الهجرة تعود إلى أسبابٍ ديموغرافية وسياسية واقتصادية مجتمعة. وقد نمت في القرن التاسع عشر تيّارات مهاجرة راحت تتّسع أكثر فأكثر.

تدور أيامنا وتكثر في أوراق نعواتنا أسماء الدول التي هاجر أقرباؤنا إليها.

انتقل المسيحيون في نعواتهم من ذكر "المهجر" إلى تفصيل دول هذا المهجر... إلى السويد وكندا وفنزويلا وفرنسا وأميركا وغيرها.

اليوم، وبعد أكثر من 10 سنواتٍ على الهجرة الإجبارية، بدأت تظهر ملامح جديدة لدى المسيحيين في حلب.

بدأت أقرأ - ودائماً في حلب - أوراق نعوات لحضور صلواتٍ ستقام في كنائس عدّة لراحة نفس الموتى الذين ماتوا في المهجر، ولم يتبقّ لهم هنا إلا قريب، فيطلب أولادهم منه إقامة مثل هذه الصلوات في مدينتهم الأم.

هذه الأجيال من المسيحيين السوريين الذين ولدوا في المهاجر أو انتقلوا إليها بسبب الأزمة، لم تعد تربطها ببلدانها إلا بعض الاعتبارات العاطفية والميثولوجيات الجماعية والروابط العائلية والهوية الكنسية على تنوّع مندرجاتها.

إننا نرفض أن نموت بأجسادنا فقط، بل نموت بما تبقّى لنا من ذكرياتٍ وعواطف.

نقيم الصلوات في حلب لكي نتأكّد من موتنا العاطفي وموت ذكرياتنا.

نريد أن نرقد في قبور المهاجر، وندفن ذكريات أرصفتنا التي لعبنا عليها، ومشينا عليها، وجلسنا عليها.

نريد أن نرقد وننسى صنابير الماء في مدارسنا التي لطالما شربنا منها.

نقيم الصلوات للذين ماتوا في المهجر، ولم يبق لهم سوى من يذكرهم قليلاً ويذكر بيوتهم ومكاتبهم وعياداتهم ودكاكينهم وأحزانهم.

أوراق النعوات هنا لموتانا في المهجر هي خطّ الدفاع الأخير عن تشبّثنا بذكرياتنا واعتذارنا إلى حلب.

أوراق نعواتنا تفضح عشقنا لتراب سوريا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
باسل قس نصر الله

مستشار مفتي سوريا

إقرأ للكاتب

قيامة المسيح السوري

اليوم، أسترجع الذكريات الجميلة ودورة الكنائس في يوم الجمعة الحزينة. أتذكر الحجارة في الكنائس...

التّعزية الإسلاميّة في الكنيسة

في سوريا فقط، يتمّ صنع الحياة المشتركة بتلاحمٍ صَدَقَ من قال إنَّ سوريا تملك أهم مقوماته.

الهوية الحضارية

لقد أصبح الإطار العام حالياً للعالم عالماً سَقطت فيه الحدود الفاصلة التي كانت تؤمّن نوعاً من...

عيد الميلاد المسيحي العربي السوري

نحن عربٌ ننتمي إلى بلاد الشام، وانتماء المسيحي إلى سوريا، لا يُلغي الإنتماء إلى العروبة، ولكنّ...

الهجرة المسيحية.. "النموذج السوري"

إن صنع السلام في المنطقة عامةً وسوريا خاصةً، هو العامل الأول لترسيخ العرب المسيحيين في أوطانهم.

عُذراً أم كلثوم ... عُذراً فيروز

بدأت المسارات والانهيارات والتراجعات، فبعد "لاءات الخرطوم الثلاثة - لا للصلح ولا للاعتراف ولا...