لبنان ليس بخير.. العالم ليس بخير

كان لبنان بأحداثه وتفاعلات فئاته مع الأحداث، واستجابة هذا الفريق لهذا الطرف العالمي والإقليمي، وذلك الفريق للطرف الآخر، انعكاساً لتطورات العالم والمنطقة.

  • يمكن القول إن لبنان هو ميزان
    يمكن القول إن لبنان هو ميزان "حرارة" العالم والإقليم

لطالما تأثّر لبنان بالأوضاع العالميّة والإقليميّة تأثراً بالغاً واستثنائياً لا يضاهيه فيه أي بلد أو موطن آخر، لأن التركيبة اللبنانية التي شاءها المستعمر الفرنسيّ للبلاد كانت تركيبة وظائفيّة الهدف أكثر مما كانت تأسيساً لوطن. في الأصل، يتأسس الوطن تاريخياً بجملة معطيات ذاتية تاريخية، ولا يتركب تركيباً بأيدٍ خارجية. 

جاءت التركيبة اللبنانيّة متوازية مع التوازنات الديموغرافية. وفي بداية تأسيس الكيان، أخذت فرنسا بعين الاعتبار تشكيل لبنان وفقاً لمصالحها، بوجه ماروني متفاعل مع الغرب، وآخر مسلم متفاعل مع محيطه العربي، فكان جسر عبور بين الشرق والغرب.

وارتبطت كل الفئات اللبنانية بجذورها، فمنها ما هي جذور حقيقية كارتباط المسلم بعمقه العربي، ومنها المفترض كارتباط الماروني بالغرب، وهو ارتباط افتراضي، لأن الموارنة عرب مثلهم مثل باقي المذاهب والطوائف اللبنانية، وإن جرى تغريب غالبيتهم بإرادة بعض قادتهم، وبدور تربوي وثقافي عبر الإرساليات، وآخر اقتصادي وسيط. الارتباط المزدوج الذي وقع مع بداية نشوء الكيان جعل لبنان عالي الحساسية والتأثر بتطورات محيطه، إذ كانت الفئات الأساسية في تركيبته الديموغرافية تتفاعل مع تطورات الموقف مع عمقها المعتمد، حقيقياً أم افتراضياً. 

لذلك، كان لبنان على الدوام في دينامية حراك متعدّد المراتب والمستويات بين السياسي والأمني، اتخذ بُعد التحركات في الشارع، سواء بالمسيرات أو الانتفاضات السلمية أو التحرك المسلح، حتى باتت الاحتجاجات بمراتب مختلفة ثقافة اللبناني الشعبية البديهية. لذلك، تراه ينزل إلى الشارع استجابة لأبسط التطورات. 

في العام التاسع لولادة كيان لبنان - صيغة 1943، انتفضت فئات لبنانية في الشوارع المختلفة احتجاجاً على احتمال التجديد للرئيس بشارة الخوري، أول رئيس للبنان الرسمي بعد ولادة الكيان. كان ذلك في العام 1952. وقد سبقه تجديد لثلاث سنوات في نهاية ولايته، أي بين العامين 1949 و1952، وشهدت الساحات والشوارع في العاصمة وبعض المناطق قطع طرقات وبعض أعمال العنف، كأنها كانت "بروفة" مبكرة لما سيأتي من تحركات ارتدادية للتطورات المقبلة.

انتهت أول حركة شعبية بعدم التجديد لبشارة الخوري، وبانتخاب كميل شمعون، الذي شهد لبنان، في نهاية ولايته في العام 1958، انتفاضة مسلحة أتت انعكاساً للصراع في المنطقة بين محور قادته الولايات المتحدة بعد وراثتها الاستعمار الغربي من حليفتيها فرنسا وبريطانيا، يوم أنشأت حلف بغداد لمواجهة المد العروبي الناصري. المسلمون - وبعض القوميين العرب من مختلف الطوائف - انتصروا لعبد الناصر، والفئات الأخرى انتصرت لشمعون وحلف بغداد.

هكذا قضى لبنان حياته في منطقة يتفاقم فيها الصراع، وخصوصاً بعد اغتصاب فلسطين بأيدٍ بريطانية - صهيونية مشتركة. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد يشهد حالات سلم وهدوء إلا لبضع سنوات، نستطيع القول اليوم إنها كانت حالات استثنائية انتظاراً للآتي من تطورات للعودة إلى التوتر والتحرك الشعبي، السلمي حيناً، والمسلح أكثر الأحيان. 

بمعنى آخر، كان لبنان بأحداثه وتفاعلات فئاته مع الأحداث، واستجابة هذا الفريق لهذا الطرف العالمي والإقليمي، وذلك الفريق للطرف الآخر، انعكاساً لتطورات العالم والمنطقة. وإذا شئنا معرفة ما يختلج العالم وما تجري فيه من تطورات، كان ذلك ممكناً من خلال قراءة ما يختلج الباطن اللبناني، مع التأكيد أنَّ لبنان كان على الدوام متأثراً بما يجري حوله، ولم يكن مؤثراً فيه على المستويات الأمنية والسياسية. كان مجرد متلقٍ ومتلقفٍ للأحداث والتطورات ومتفاعل بها ومنخرط بتداعياتها المختلفة.

من هنا، يمكن القول إن لبنان هو ميزان "حرارة" العالم والإقليم، فإذا كانت الأوضاع متجهة إلى الهدوء أو الهدنة في الصراع العالمي - الإقليمي، ركدت التحركات اللبنانية. وإذا اتجهت نحو التوتر والتصعيد، بدأ لبنان يتحضر للانخراط في الصراع. ولذلك، يمكن القول: إذا لم يكن بلدنا بخير، فهذا يعني أن العالم ليس بخير.

يمكننا رصد واقع المنطقة والعالم اليوم بالتطورات التي شهدها لبنان ابتداء من ثورة "الواتسآب" في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 كنقطة مفصلية في الصراع العالمي الّذي انتهت فيه الأوضاع إلى الحرب الكونية على سوريا، بخسارة محور الهيمنة والسيطرة والعدوان التاريخي - المحور الغربي، وصعود قوى أخرى بأدوار متنامية غير متناسقة، لكنها متقاطعة على فالق المواجهة العنيفة بين الغرب الهجومي والشرق المتنامي بحالة دفاعية.

لا يستطيع أحد حسم الصراع وحصاد نتائج المعركة، ففيها من التعقيدات ما لم يصبح قابلاً للاستثمار. لذلك، يشهد لبنان المزيد من التوتر والتأزم وانسداد الأفق والانهيار. بذلك، يمكننا القول إن ما يجري في لبنان يشير إلى أن العالم لا يعيش بسلام وهدوء.

ربما ما بدأ يبرز من تطورات جديدة، يندرج في سياق بداية الخروج من الأزمة ووضع أسس الحلول بالتدريج، من دون تأكيد حتمية ذلك ومدته الزمنية وكيفيته، فلا يضمن أحد ما في باطن الأمور من مفاجآت. 

هناك جملة تطورات حدثت وقد تحدث، من بينها التفاوض الأميركي - الإيراني المفترض على الملف النووي عقب وصول جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، وامتداداً لذلك، الرغبة في وقف الحرب في اليمن، ثم الإعلان المفاجئ لدول الخليج المختلفة، كذلك تركيا، عن أهمية الحل السوري، بمسعى يبدو روسي البصمات، في زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للخليج، إضافةً إلى لقاء لافروف بالرئيس سعد الحريري، وزيارة وفد من حزب الله للحليف الروسي لبحث تطورات لبنان والمنطقة. 

في المقلب الآخر، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن لقاء قريب مرتقب مع وفد صيني رفيع، ولم تحدد أهدافه وبنوده، لكن لقاء القيادتين كان منتظراً منذ ما قبل الانتخابات الأميركية، بهدف التوافق على صورة جديدة للصراع بين أقوى اقتصادين في العالم. 

ثمة تطوّرات متبرعمة بدأت تظهر وتطرح تساؤلات عن إمكانية التوصل إلى حلول على المستويين العالمي والإقليمي، ينتظرها لبنان لإرساء حلوله، وهي تجعلنا نقول: "إذا كان لبنان بخير.. فالعالم بخير". 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

شرق جديد قاب قوسين أو أدنى

بين مبادرات الزعامات اللبنانية ممثلة لقواه الميثاقية الأساسية، والضغط الشرقي في وجه الخارج...

مسارات في فلسطين... إصرار على التمسك بالأرض وتحدي الاستيطان

تحت عنوان "نمشي وتمشي في دمنا البلاد"، واصل فريق "موطني" مساراته في اكتشاف المزيد من مناطق...

آخر المعارك الوطنيَّة: التحرّر من الدّولار بالتوجّه شرقاً

لم يكن سلاح الدولار مصادفةً ووليداً لتطوّرات موضوعيَّة، إنما كان مخططاً له، وجرى رسم دوره على يد...

لبنان: صيغتان مختلفتان لمرحلتين مغايرتين

طرأت تحولات واسعة تمكَّن الغرب فيها من الحلول في قلب العالم العربي، ولم يعد بحاجة إلى لبنان كجسر...

أنيس النقاش.. رحيل أجزاء من كلّ المؤمنين بالتحرر

كان صادقاً غير متردّد في قناعاته. لم يخف الموت. شجاعته في نضاله وانخراطه في ساحاته عكسا عمق...

"برنامج العائلة الفلسطينية": تثبيت حق مئات الآلاف ببلدهم

تأسست "هوية" على همّ توثيق وجمع العائلات الفلسطينية، وتثبيت حق المهجرين الفلسطينيين بأرضهم،...