قاموس اليأس كمقدّمة للتحكّم بلبنان

القاموس اللبناني فقد مفردات تعكس الأمل والتفاؤل، لتحلّ محلها تعابير سلبية يتقاطع فيها الإحباط مع اليأس، وتتوّجها عبارة "السوق السوداء" التي تعكس الصورة القاتمة لحياة اللبنانيين في جميع القطاعات.

  • عصر جديد من المآسي والآلام والتشظّي يُراد له أن يكون المعبر لإخضاع اللبنانيين وإجبارهم على قبول التنازل
    عصر جديد من المآسي والآلام والتشظّي يُراد له أن يكون المعبر لإخضاع اللبنانيين وإجبارهم على قبول التنازل

التّصريحات التي يدلي بها وزير الطاقة اللبناني لا تبشّر بالخير، وتفوح منها رائحة اليأس من إصلاح قطاع الكهرباء في وقت قريب، فهو يقول إنَّ لبنان ذاهب إلى العتمة الكاملة!

يهدّد الانقطاع المتصاعد للكهرباء أنفاس اللبنانيين، بعد أن وصلوا إلى مرحلة تقطع الأنفاس وهم يلهثون وراء المواد الغذائية والحاجات اللازمة للعيش، فيما يفقد عشرات المواطنين حيواتهم كل يوم تحت ضربات وباء كورونا المتفشي من دون حواجز أو حلول ناجعة.

صورة العاصمة بيروت التي وُصِفت ذات يوم بـ"سويسرا الشرق" بشعة وكالحة. تبدو خلال الليل مثل فحمة سوداء ألقيت على شاطئ البحر المتوسط، بعد أن فقدت امتياز التغذية بالتيار الكهربائي، وتساوت مع غيرها من المدن الرازحة تحت وطأة نظام التقنين منذ سنوات طويلة.

هذا الشؤم الكهربائي الذي يحوّل لبنان يوماً بعد يوم إلى بلاد العتمة الكلية ليس سوى عيّنة من التصريحات الجنائزية التي يطلقها المسؤولون والمولجون بإدارة الدولة حين يُسأَلون عن أحوال البلاد ومستقبلها.

القاموس اللبناني فقد مفردات تعكس الأمل والتفاؤل، لتحلّ محلها تعابير سلبية يتقاطع فيها الإحباط مع اليأس، وتتوّجها عبارة "السوق السوداء" التي تعكس الصورة القاتمة لحياة اللبنانيين في جميع القطاعات.

وصف واقع لبنان بـ"الانهيار" و"الكارثة" يتردد على جميع الألسنة. مقاربات السياسيين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع تتقاطع حول مضمون كلمة "جهنم"، تعبيراً عن الحرائق المندلعة في المنازل والمؤسَّسات والوظائف والأسواق، إذ يطلق المواطنون على شاشات التلفزة صرخاتهم عن الجوع والعطش والفقر والحرمان وغيرها من الصيغ السوداوية التي تتلاءم مع واقع التفكّك المتوسّع في عصب الدولة والمجتمع.

التحوّل في التعبير عن الأزمة يلامس أسس الكيان اللبناني، فيقول البعض إننا في مرحلة "تفكّك الدولة"، و"تحلل السلطة"، و"تعفّن العقد الاجتماعي"، و"زوال الصيغة"، و"النهب المنظم"، و"الغلاء الفاحش"، و"الفساد العام"، و"التخلّي النهائي"، و"تبخر الودائع"، و"إفلاس الطبقة المتوسطة"، و"انهيار العملة الوطنية".

الجحيم اللبناني ينضمّ إلى جحيم دانتي والمعري وسارتر وغيرهم من الفلاسفة الذين قاربوا المجتمع البشري بالتحليل والتفسير. ولا يوجد أفق واضح لتغيير المسار المتسارع نحو مصير قاتم يعزّزه الفشل الذريع للطبقة السياسية في السلطة، كما في المعارضة، في الوصول إلى حد أدنى من التفاهم على مواجهة الأزمة، بينما تتّسع الشروخ وتتعمّق، لتبتلع المزيد من المواطنين وتحوّلهم إلى كائنات هشّة وضعيفة لا حول لها ولا قوة، ولا سيَّما أنَّ جميع محاولات الانتفاض على الواقع ذهبت أدراج الرياح، بعد أن تحكَّم بها أرباب الأزمة، وحوّلوها إلى حلبة لتصفية الحسابات وتمرير أجندات سياسية خارجية وداخلية، وركبوا وجع اللبنانيين، ليستخدموا صراخهم في أقبية تُحاك فيها مآرب لا تمتّ إلى أسباب الحلّ بصلة، من مثل نزع سلاح المقاومة وإسقاط العهد الرئاسي وتمكين محور الرجعية العربية من توجيه السفينة اللبنانية برياح العصر الأميركي - الإسرائيلي.

عصر جديد من المآسي والآلام والتشظّي يُراد له أن يكون المعبر لإخضاع اللبنانيين وإجبارهم على قبول التنازل عن استقلالهم وسيادتهم وقرارهم. وها هو مطلب الحياد الغامض يرسل مؤشّرات نزع لبنان عن قضيّته الوطنيّة بمواجهة الاحتلال الإسرائيليّ، وقطع الأوصال بينه وبين القضايا العربية المحقّة، معطوفاً على فرض الوصاية الدولية للتحكّم بمقدراته ومؤسَّساته وتسخيرها في الصّفقة الإقليميّة والدوليّة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

الخطة "ب": أعداء المقاومة يخترعون "احتلالاً إيرانياً"

نجاح المقاومة في إفشال شيطنتها وتجريمها وحصارها، أجبر أعداءها على اعتماد الخطة "ب" بطريقة...

قاتل متهوّر وعصابي يقترب من رئاسة حكومة الكيان الإسرائيلي

قياديّ سياسيّ إسرائيليّ ليس له من صفات السياسة إلا ما يتولَّد عن التدريب الوحشي لقادة "إسرائيل"...

ليلة سقوط "الدولة" الإسرائيلية

لم يعرف تاريخ الكيان الإسرائيلي مثل ما يشهده اليوم. فبين ليلة وضحاها تحوَّل اليأس وفقدان الأمل...

كيف تحوّل مقتل شرطيّة فرنسيّة إلى تصعيد للحملة على الإسلام والمسلمين؟

أحكام جاهزة يطلقها سياسيون وصحافيون ومفكرون يرون في البعد الإسلامي سنداً لأي جريمة أو هجوم، ما...

المفاوض والمقاتل الإيراني

في معركتها لاستعادة حقوقها باتفاق لا تعديل عليه ولا تجاوز لقواعده، تحدث طهران تحولاً غير معروف...

ماذا لو لم تنتصر المقاومة في العام 2006 ولم تحمِ لبنان من الإرهاب؟

15 عاماً على هزيمة "إسرائيل" في العام 2006 وإفشال الهجمة الإرهابية – التكفيرية، ولسان حال أعداء...